الحديث عن احتمالات فوضى أمنية شمالاً… تهويل مبالَغ فيه أم حقيقة لها وقائع وسوابق؟

ابراهيم بيرم – النهار

فجأة تستعيد أوساط إعلامية وسياسية الى دائرة التداول حديثا مكررا عن احتمالات تفضي الى وقوع #طرابلس واجزاء من الشمال في قبضة فوضى امنية من شأنها ان تفتح الابواب امام مضاعفات سريانها وتمددها نحو مناطق اخرى.




الذين يتحدثون عن هذا “النبأ العظيم” يستمدون برهانهم هذه المرة من تقارير رفعتها سفارات اوروبية الى عواصمها، وهي على وجه التحديد سفارات كل من بريطانيا وفرنسا والمانيا وسويسرا وايطاليا، وهي تقارير ترجح كفة هذا الاحتمال التفجيري انطلاقا من فرضية ان الشمال هو “حاضنة” لبؤر تكفيرية سبق لها ان رقصت رقصتها في السنوات التي تلت اشتعال فتيل التفجير في الساحة السورية.

الخشية المتنامية اياها تعزز احتمالاتها وقائع اخرى منها هذا التوتر الاجتماعي الذي يرتفع منسوبه في طرابلس والشمال عموما اكثر من سواه من المناطق بفعل حالات الفقر الكامنة اصلا في تلك الجغرافيا وتتمظهر في قوارب الموت التي تستقلها عائلات كاملة متحدية المخاطر والمجهول بحثاً عن فرصة عيش كريم.

الى ذلك كله، ثمة معطيات اخرى تعزز هذه الفرضية وتجد صدقيتها في الانباء المتواترة عن اشتباكات متنقلة وأحداث عنفية يومية تسجلها التقارير الامنية الواردة تنمّ عن توتر واحتقان يستبطن احتمال الانفجار الاوسع والجنوح نحو التمرد والخروج على النظام العام.

والمستجد المضاف الى هذا تقارير عن ازدياد حالات تهريب السلاح بانواعه عبر المناطق الحدودية مع سوريا، ما دفع الاجهزة الامنية على جانبي الحدود الى تشديد قبضتها ومواجهة المهربين أشخاصا ومجموعات.

وعليه يُستشفّ من كل تلك الوقائع ان تلك “العمارة” الكلامية عن ازدياد احتمالات الانفجار الاوسع لا تأتي من فراغ، اذ ان للامر مقدماته في الإعلام الغربي . فقبل فترة قصيرة اوردت صحيفة فرنسية رصينة ومتزنة هي “الفيغارو” تقريرا عما سمّته عودة “المجاهدين الشماليين” من ساحتي “الجهاد” في سوريا والعراق، مقدِّرة عديدهم بنحو ألف مقاتل، ما أوجد في حينه صدمة مدوّية تطوّع كثر لتبديدها وتسفيهها عبر تشكيكهم الصريح بالرقم الوارد، وقولهم انه لم يصل الى نصف هذا العدد في ذروة الحدثين السوري والعراقي.

وما لبثت تلك الصفحة ان انطوت، لكنها عادت خلال الساعات الـ 36 الاخيرة ولكن من باب اوسع هذه المرة هو باب التقارير التي تُنسب الى سفارات غربية.

وجرياً على عادتها سارعت الاجهزة الامنية اللبنانية الى “محاصرة” هذه المعلومات بستار من التشكيك المباشر الذي يبلغ حدود النفي معلنة بثقة ان “لا مؤشرات واقعية بين يديها تعزز هذه الاحتمالات التي هي اقرب الى الفرضيات والتكهنات منها الى الموضوعية، وهي اذ لا تقلل من درجة الغليان الشعبي الناجم عن الانهيارات المالية والاقتصادية، الا أن الامر لا يجنح الى الوقوع في قبضة الفوضى”.

يرى الخبير الطرابلسي في قضايا الجماعات الاسلامية والمجموعات المتشددة عبد الرزاق القرحاني في اتصال مع “النهار” ان هذه المعلومات “مبالغ فيها والموضوع بات مستهلكا لكثرة تداوله والقاء الاضواء المفاجئة عليه بين حين وآخر، وذلك “غبّ الطلب” ولخدمة غايات باتت غير خافية”. ويقول قرحاني الذي سبق له ان وضع دراسة مرجعية معمقة عن اسباب التوترات الامنية في طرابلس والشمال منذ عهد الانتداب وصولا الى عهد حكومة الرئيس تمام سلام: “لا يمكن لأحد ان ينكر ان ثمة بؤر توتر أوجدتها مجموعات متشددة بدأت بالبروز الى السطح منذ عام 1999 (احداث الضنية)، لكن العقبة التي تصطدم بها هذه المجموعات الوافد منها والمقيم وتحول دون تمددها هي فقدانها “البيئة الحاضنة” في الداخل التي تتيح لها النمو على رغم انها تجد احيانا رياحا خارجية مشجعة”.

لذا يضيف قرحاني: “من خلال رصدنا الدقيق لمسار وتحرك مجموعات التشدد وفعلها في الداخل وفي الساحات الملتهبة، يجعلنا نستنتج ان الامر لم يصل الى حدود المرحلة التي تمكّنها من الامساك بناصية الوضع في طرابلس والشمال كما يروّج البعض قديما وحديثا”.

وهذا الامر، يستطرد قرحاني “لا نثبته من باب التكهن والتخمين بل نتيجة تواصلنا اليومي مع نبض الشارع الطرابلسي والشمالي عموما، اذ ان ذلك جعلنا نملك قاعدة بيانات بأدق التفاصيل”. ويرى “ان ثمة من يريد دوما من خلال استعادة هذا النوع من التقارير والاستنتاجات:

– ان يسيء الى الفيحاء والشمال عموما وجعلهما يبدوان كأنهما يعدّان للانفصال عن جسم الوطن.

– من خلال رصدنا ترسخ لدينا ان بث مثل هذه الاجواء التهويلية وتعميمها يأتي في كل مرة تكون فيها البلاد امام استحقاقات وتحولات من جنس الاستحقاقات الحالية، اي الانتخابات النيابية التي افرزت معادلات جديدة في المجلس وعشية تأليف الحكومة والانتخابات الرئاسية. لذا استنتاجنا ان الامر كله مفبرك ويمهد لاسقاطات سياسية”.

ويضيف: “بعد انطلاق حراك 17 تشرين قبل ثلاثة اعوام انتفضت المعارضة في كل لبنان من اقصاه الى اقصاه، لكن الاضواء والانظار سُلطت على حراك طرابلس والشمال وانطلقت آنذاك موجة التكهنات بان “الثائرين” يعدّون لإحكام سيطرتهم على المدينة، ولكن الامور سرعان ما عادت الى طبيعتها وكأن شيئا لم يكن”.

وخلص قرحاني: “نحن نعرف حجم معاناة الشريحة الاوسع من اهالي طرابلس والشمال من جراء تدهور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ولكننا لا نتبنى اطلاقا دعوة الذاهبين الى التحذيرات المبالغ فيها ونراها مضخمة لغايات سياسية يراد إمرارها”.

وازاء هذه الوجهة المطَمْئنة والمطْمَئنّة ثمة وجهة اخرى مضادة افصح عنها خبير استراتيجي آثر عدم ذكر اسمه، اذ يقول: “لا أجد ان هذه التقارير عن الشمال بلا اساس، فبحسب معلوماتنا عن الشمال ان في طرابلس ملاذات ومكامن بل قواعد لكل منظمات التكفير وجماعات التشدد، فضلا عن ان الشمال والضنية تحديدا كانت فاتحة عهد الارهاب والعنف منذ ربع قرن وتلتها احداث مخيم نهر البارد، من دون ان ننسى قوافل التخريب والتكسير التي كان يؤتى بها من طرابلس والشمال ابان 17 تشرين”.