إيكونوميست: تظاهرات إيران مختلفة هذه المرة.. الحكومة خائفة وغير قادرة على احتوائها

قالت مجلة “إيكونوميست” إن نظام الملالي في إيران متردد في مواجهة التظاهرات التي تتوسع رغما عنه.

وأشارت إلى رمزية النار التي اشتعلت في سجن رهيب، قائلة إن الرعب كان أسوأ على الذين علقوا في زنازين انفرادية لا يزيد حجمها عن الطاولة.




وبدأت النيران في مشغل خياطة بأرضية السجن وانتشرت في داخل إيفين والذي يزدحم بالمحتجين الذين اعتقلوا في الأشهر الأخيرة.

وقام حراس السجن بإطلاق القنابل المسيلة للدموع وسط الدخان وإجبار الذين كانوا يحاولون الهروب على العودة. وأطلقوا النار على السجناء الذين صعدوا إلى سطوح السجن لتنفس الهواء الطلق ولكي يهتفوا ضد السجانين.

وبعيدا عن جدران السجن ردد الإيرانيون بالآلاف صدى هتافهم وأطلقوا صفارات سياراتهم. ولا يوجد في إيران سجن بقدر سمعة إيفين السيئة، فعلى مدى 50 عاما كانت فيه أقبية التحقيق والمشانق للتحقيق وإعدام سجناء الدولة السياسيين. ويقع السجن على قدم جبل البرز، ملقيا ظله على مدينة طهران تحته. وأضاءت النيران المندلعة فيه سماء المدينة بشكل أعاد الذاكرة إلى صيف عام 1978 عندما احترقت سينما ريكس وقتل فيها 470 شخصا نتيجة عمل تخريبي، كان الشرارة التي أشعلت الثورة الإسلامية التي أطاحت بالشاه بعد عام. واليوم أطفأت السلطات النيران وقمعت المتظاهرين وأكدت أن “مشروع الباستيل فشل”، في إشارة لمداهمة سجن الباستيل في باريس عام 1789 وكان هذا شرارة الثورة الفرنسية. وبحسب الأرقام الرسمية فلم يقتل في النيران بإيفين سوى 8 أشخاص.

وبات رجال الدين والموالون للنظام والذين تجاهلوا التظاهرات بداية يشجبونها ويقولون إنها تريد الإطاحة بهم جانبا. ودفعت الفوضى في قلعتهم للتساؤل عن قوة سيطرتهم على السلطة.

وعامل آيات الله المتظاهرين بداية بنوع من الاحتقار البارد. وثم جاءت الاتهامات بالمؤامرات الإسرائيلية والأمريكية. وزادت ثقة المتظاهرين بأنفسهم، وباتوا يصدرون المنشورات الداعية لحكومة انتقالية لتحل محل النظام الحالي.

وتعلق المجلة أن الأحداث الكبرى في الشرق الأوسط تبدأ صغيرة. فالانتفاضة الفلسطينية الأولى بدأت بحادث سير، وبدأ الربيع العربي بحرق بائع خضروات نفسه في بلدة تونسية نائية.

وفي الشهر الماضي أدت وفاة الفتاة البالغة من العمر 22 عاما مهسا أميني وكانت في زيارة لطهران إلى احتجاجات في العاصمة ومن ثم لبقية المدن الإيرانية. ويقول صادق زيباكلام، أستاذ العلوم السياسية بجامعة طهران “لم يتوقع أحد أي شيء سوى احتجاجات محدودة” و”لكن المعارضة لم تهدأ أبدا بل وتتصاعد مثل البركان”.

ويقود التظاهرات جيل اعتقد الكثيرون أنه شاب لدرجة لا يهتم، وما يهمه هو متابعة شاشته على الهاتف والكمبيوتر ومنفصل عن بقية المجتمع. وابتعد الطلاب عن الاحتجاجات السابقة، وبخاصة التظاهرات في 2019 ضد ارتفاع الأسعار. إلا أن مقتل أميني أثار مشاعر جيل غاضب ضد القيود المفروضة على الزي. وهذه المرة، المتظاهرون مثقفون ويعرفون بالأعراف الاجتماعية لنظرائهم في العالم. وسئموا من إصرار رجال الدين على الفصل بين الجنسين، فقد قامت النساء بحرق حجابهن وقصصن شعورهن أمام الناس ودخلن الكافتيرا المخصصة للرجال فقط في الجامعات وهتفن في التجمعات الصباحية في المدارس “الموت للديكتاتور” كتوقيع جديد على أغنية الموالين “صباح الخير، قائدنا”.

وعلى خلاف التظاهرات السابقة والتي انتهت بهروب الكثير من الناشطين إلى الخارج، فقد رفضن التوقف أمام خراطيم المياه والرصاص والاعتقالات الجماعية. وقالت ناشطة شابة في جامعة طهران “لا تراجع من الحكومة يعني لا تراجع من الشعب”. والمفارقة أن النساء بالحجاب الكامل والشادور اللاتي مثلن في الماضي قاعدة الدعم للنظام، قررن الانضمام للتظاهرات. وشعرت المتدينات اللاتي ربين على فكرة الشهادة عند الشيعة بالغضب من عنف الأمن ضد النساء، حسب المؤلفة في مجال الأنثوية الإيرانية شيرين سعيدي.

وانتشرت التظاهرات من المدن الكبرى إلى البلدات في المحافظات التي اعتبرها المحافظون قلب تأثيرهم. وقالت متظاهرة شابة في أردبيل، المدينة الهادئة التي تبعد 580 كيلومترا عن طهران: “لا نريد نظاما يقتل الأطفال”، وذلك بعد ضرب تلميذة عمرها 16 عاما حتى الموت لرفضها غناء أغنية مؤيدة للنظام. وعندما جاء الرئيس المتشدد إبراهيم رئيسي لزيارة جامعة الزهراء للبنات والمخصصة لتخريج الكوادر الأيديولوجية هتفن في وجهه “اغرب عن وجوهنا”.

ويبدو أن النظام منقسم حول كيفية الرد على التظاهرات، فهناك مدرسة في التفكير تقول إنه كان يجب التعامل مع المحتجين بقسوة منذ البداية. أما المدرسة الثانية، فتقول “لو سحقناهم لعادوا بعد أشهر وبتهديد أخطر”.

ويقول زيباكلام الباحث السياسي “لا طرف يملك اليد العليا”، في وقت دعا فيه المرشد الأعلى للجمهورية، آية الله علي خامنئي لتضامن أكبر بين الشعب وقوات الأمن. لكن الكثيرين من المؤثرين في داخل النظام، ساسة ورجال أعمال احتفظوا بصمت حذر. ودعا البعض بمن فيهم علي لاريجاني، رئيس البرلمان السابق والمؤثر في النظام لتوقف الشرطة عن فرض الحجاب على النساء. وقال لصحيفة “إطلاعات”: “يجب أن يكون هناك حل ثقافي”.

وكتب جواد موغوي، صانع الأفلام الوثائقية على حسابه في إنستغرام والموالي حتى الآن للنظام: “لقد ركلوني في رأسي ووجهي، ودفعوني في شاحنة ولكموني في الوجه”، وذلك بعد محاولته وقف ضرب قوات الأمن لفتاة. وينقسم النظام حول الدعم الدولي المتزايد للمتظاهرين، حتى لو كان مجرد كلام. وهناك من يفضل التلويح بالاتفاقية النووية على أمل تخفيف الغرب ضغوطه. ويفضل آخرون التلويح بالتدخل الأجنبي على أمل توحيد الصفوف في الداخل.

وعبر خامنئي عن غضبه من المؤامرات الخارجية، وأقلقت هجمات على الدول الغنية بالنفط القريبة من إيران أسواق النفط. ففي تشرين الأول/أكتوبر قام الحرس الثوري بمناورة قرب الحدود مع أذربيجان وهدد بإطلاق مزيد من الصواريخ على كردستان العراق وزعم أنه أصاب حقل العمر الذي تسيطر عليه القوات الأمريكية في سوريا. وهدد قائد الحرس الجنرال حسين سلامي “أحذر نظام آل سعود بأن عليه السيطرة على إعلامه وإلا أصاب الدخان أعينكم”.

مع تزايد الضباب داخل النظام، بدا وكأن الستائر التي غطت المعارضة قد أزيلت. فالأكاديميون المتحفظون عادة باتوا يوجهون انتقادات لاذعة وهناك حديث عن حكومة انتقالية، و”هذه المرة تبدو الحكومة خائفة”، كما قال طالب جامعي.