جنبلاط رجل المواقف الانسيابية… هل يبدل تأييده لمعوض؟

عوّدنا رئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي” #وليد جنبلاط على الاستدارات وتبديل المواقف كلّما استشرف تغيّراً في السياسات الإقليمية، أو تبدّلاً في موازين القوى داخلياً، أو خطراً يتربّص بالبلاد، فيُبدّل بديناميكيّته المعهودة موقعه بهدف الوصول إلى التوافق الذي يُنادي به دائماً، انطلاقاً من قناعته الثابتة بأن لبنان محكوم بالتوافق، وتجارب المواجهات السياسية التي انعكست شعبياً وبشكل دمويّ على الشارع خير دليل، واعتماداً على مبدأ أن السياسة في حال تغيّر دائم، ولا تقبل الجمود.

منذ العام 2009، حينما انسحب من جبهة 14 آذار وتموّضع في الوسط، واكتسب صفة “بيضة قبّان”، أخذ وليد جنبلاط بالاستدارة أو تبديل التوجّهات في الاستحقاقات الكبيرة قبل الصغيرة وفق ما ترصد “راداراته” من تغيّرات، وبالرغم من تواضع حجم التمثيل النيابيّ الذي يتمتّع به في مجلس النواب مقارنةً بأحزاب أخرى، إذ لجنبلاط 8 نواب في الوقت الحالي، إلّا أنّه استطاع القيام بأدوار حسمٍ في مرّات عديدة، إلى جانب رئيس مجلس النواب نبيه برّي.




وفي حين يقف لبنان على أعتاب استحقاق انتخابات رئاسة الجمهورية، ومع انطلاق الجلسات الانتخابية، أخذ جنبلاط موقفه بالتصويت للمرشّح #ميشال معوّض، انطلاقاً من مبدأ دعم مرشّح سياديّ تطرحه أطراف المعارضة، إلّا أن ذلك لا يعني أن جنبلاط قال كلمته الأخيرة، بل من المرتقب أن يشهد مساره انعطافةً في هذا الإطار، ليتوجّه إلى التصويت لمرشّح آخر يتمتّع بالحدّ الأدنى من التوافق والقبول من مختلف الأفرقاء، لا سيما “حزب الله”، علماً بأن معوّض ليس مرشّحاً توافقياً، بل يشكّل تحدياً لفريق 8 آذار؛ هذا ما عبّرت عنه شخصيات تنتمي لمحور الحزب بشكل أو بآخر، كما أن حظوظه قليلة جدّاً وتكاد تكون معدومة.

وعلى ضوء مواقف زعيم المختارة، الذي أعلن فيها تمسّكه بمعوض، وأضاف إليها كلمة و”لكن”، بمعنى أن النقاش مفتوح على كلّ الاحتمالات، نستذكر مواقف سابقة لجنبلاط في الاستحقاقات الرئاسية التي مضت، ونستعرض احتمال تبديل جنبلاط مساره ودعم شخصيّة أخرى غير معوّض.

انتخابات 1998
الأستاذ في العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية ناصر زيدان يذكّر بأنه “في انتخابات 1998 الرئاسية، كان جنبلاط قد طرح اسم نسيب لحّود قبل أن يُطرح اسم إميل لحّود، وكانت له ملاحظاته على الأخير، انطلاقاً من مبدأ معارضته لوصول عسكري إلى رئاسة الجمهورية من جهة، ورفضاً لمنطق ترشيحه من قبل النظام السوري”، فلم يصوّت له آنذاك.

وفي حديث لـ”النهار”، يُشير زيدان إلى أن “الأمر تكرّر في العام 2004 حينما عارض جنبلاط التمديد للحود من خلال تعديل الدستور، وانضم آنذاك للائحة الشرف التي امتنعت عن التمديد، فاحتدمت المواجهة مع النظام السوري، وكانت محاولة اغتيال النائب مروان حمادة رسالة لجنبلاط”.

انتخابات 2008
أما عن تجربة انتخاب ميشال سليمان في العام 2008، فيلفت زيدان إلى أن “جنبلاط كان جزءاً من تفاهم الدوحة الذي عُقد آنذاك، وأيّد خيار ميشال سليمان وصوّت له بالرغم من موقفه من معارضة وصول العسكر إلى الحكم، لأن في ذلك العام حصل ما لم يكن متوقّعاً مع أحداث 7 أيار، فأراد جنبلاط تجنيب البلد حرباً أهليّة كانت قد بدأت شرارتها”.

انتخابات 2016
وبالنسبة إلى الانتخابات الأخيرة التي حصلت في العام 2016، وأوصلت ميشال عون إلى سدّة الرئاسة، يذكر زيدان أن جنبلاط طرح في الجلسة الأولى اسم هنري حلو، وهو نائب سابق في كتلة “اللقاء الديموقراطي”، ولم يقترع لسمير جعجع. وفي ما بعد، اصطف جنبلاط على الضفة إلى جانب رئيس حزب “القوات”.

ويُشير مراقبون هنا إلى أن جنبلاط قد يكون رشّح حلو لتفادي دعم شخصيات لا يؤيّد وصولها إلى الرئاسة، بينها جعجع، لاختلافه معه في مقاربة العديد من القضايا، منها ملف سلاح “حزب الله”.

ويقول زيدان إن “جنبلاط كان معارضاً لوصول عون، لكنه في ذلك الحين حاذر مسألتين: الأولى، تفادي الخلاف مع الرئيس سعد الحريري الذي كان قد سار بتسوية ميشال عون، والثانية تجنّب التوتر في الجبل بين الدروز والمسيحيين بعد اتفاق “القوات” و”التيار” على دعم ترشيح عون، علماً بأن عدداً من نواب “اللقاء الديموقراطي” لم يصوّت لعون في جلسة الانتخاب”.

رفض نظرية الرئيس القوي
إلى ذلك، من الضروريّ الإشارة إلى أن جنبلاط أعلن جهاراً رفضه فكرة “الرئيس القوي”، لأنّه يعتبر أن الرئيس حينها سيكون مشروع مواجهة وأزمة، وليس مشروع تلاقٍ وحوار، ويستشهد بتجربة ميشال عون في هذا السياق.

يستمر جنبلاط بدعم ترشيح معوّض في الوقت الحالي، لكن من المرتقب توجّهه نحو مسار آخر عندما تنضج فعلاً الطبخة الرئاسية وتُطرح التسوية، فيلجأ إما لدعم شخصية تحظى بالتوافق، وإمّا أن يطرح اسماً؛ فهل يبدّل جنبلاط موقفه؟

اقرأ أيضاً: ما مدى جدّية جنبلاط في انتخاب معوّض للرئاسة؟

أمين السر العام في الحزب “التقدمي الاشتراكي” ظافر ناصر يُشير إلى أن “الاشتراكي يؤكّد استمراره بدعم معوض، كما يؤكّد قناعته بأن انتخاب الرئيس والحؤول دون الشغور الرئاسي يحتاج إلى تسوية سياسية بين الأطراف والكتل النيابية، وهذا ما تؤكّده معطيات المعادلة النيابية نفسها، اذ يستحيل تأمين نصاب الثلثين لانعقاد أيّ جلسة من دون هذا التفاهم”.

واذ يؤكّد ناصر الاستمرار بدعم معوض، يلفت في حديث لـ”النهار” إلى أنه “في حال حصل مناخ مستجدّ لتسويةٍ ما على اسم غير معوّض، فعندها لا بدّ من دراسة المعطيات الجديدة، والتعامل معها بالتشاور مع معوض نفسه والشركاء في تبنّيه”.

هل يصوّت لمرشّح من 8 آذار؟
أما عن احتمال دعم جنبلاط لمرشّح من فريق 8 آذار، فيرى ناصر أن “ثمّة استحالة لهذا الأمر، خصوصاً أن تركيبة مجلس النواب لا تسمح بوصوله إلى سدّة الرئاسة أساساً”، مجدّداً التذكير بموقف جنبلاط المُطالب بانتخاب رئيس لا يشكّل استفزازاً لأيّ طرف دون آخر.

ورداً على سؤال عن غياب التفاهم بين جنبلاط ومعوّض لجهة ملفات أساسية مرتبطة بسلاح “حزب الله”، القرار 1559 والاستراتيجية الدفاعية، والذي ظهر واضحاً في مقابلة رئيس “التقدمي” الأخيرة، يقول ناصر إن “دعمنا لمعوّض يرتكز على بُعدين، وهما إيمانه بالطائف الذي أوقف الحرب الأهلية، وهو ابن شهيد الطائف، كما تمتّعه بنظرة اقتصادية وإصلاحيّة نلتقي معه في العديد من نقاطها”.

ويستطرد: “أمّا بخصوص السلاح والقرار 1559، فموقفنا واضح لجهة إقرار الاستراتيجية الدفاعية من خلال الحوار الداخلي اللبناني؛ وبكلّ الأحوال الحوار مفتوح مع معوض، سواء قبل ترشّحه أو بعد ترشّحه، ونحن نلتقي معه في العديد من التوجّهات السياسيّة”.

وبالنسبة إلى التصويت لقائد الجيش جوزيف عون، يقول ناصر “إن الموقف من مسألة تولّي عسكريّ رئاسة الجمهورية ليس مرتبطاً بشخص بعينه، بل يعبّر عن موقفنا المبدئيّ والتاريخيّ في هذا الصدد”.

 

جاد فياض – النهار