صور “قوات خاصة” للتيار الوطني الحر تثير الجدل

أثارت صور منتشرة لمجموعة مسلحة تابعة للتيار الوطني الحر، الحزب الموالي للرئيس اللبناني، ميشال عون، انتقادات واسعة، لاسيما لناحية التوقيت الذي ظهرت فيه، على مقربة من موعد انتهاء ولاية الرئيس في شهر أكتوبر الجاري، وفي ظل شحن كبير يشهده لبنان الذي دخل بالفعل معركة الرئاسة.

استعراض الميليشيا المسلحة، بلباسها الموحد، ترفع بنادقها أمام عدسات الكاميرات لتلتقط صورا مع نواب وقيادات في التيار الوطني الحر على هامش إحياء ذكرى “13 تشرين (أكتوبر)”، أثار استفزاز لبنانيين، رأوا في المشهد، استحضارا جديدا لمنطق السلاح والعنف، وتهديدا للواقع الأمني اللبناني والسلم الأهلي، صادر عن فريق لطالما بنى سرديته السياسية على منطق سيادة الدولة وأجهزتها الأمنية ورفض السلاح والمنطق الميليشياوي.




فيما اعتبره آخرون مشهدا طبيعيا في بلد ينتشر فيه السلاح بين المدنيين قبل الأحزاب المنظمة، إذ لا تعمد كافة الأحزاب من مختلف الاصطفافات السياسية، على إخفاء أنشطتها الأمنية والعسكرية والأمن الذاتي الذي تعتمده في مناسباتها على مختلف الأراضي اللبنانية.

يذكر أن “13 تشرين” يصادف ذكرى لجوء عون، الذي كان قائدا للجيش ورئيسا لحكومة انتقالية حينها، إلى السفارة الفرنسية في بيروت عام 1990، عقب معركة عسكرية بين الجيش اللبناني بقيادة عون والجيش السوري والأحزاب المتحالفة معه في لبنان (حرب التحرير).

وشهد اليوم ذاته مجزرة ارتكبها الجيش السوري بحق عدد كبير من عناصر وضباط الجيش اللبناني قرب القصر الجمهوري ووزارة الدفاع في منطقة بعبدا بجبل لبنان. ويحيي التيار الوطني هذه الذكرى سنوياً بمهرجانات سياسية وقداديس عن أرواح الضحايا.

قوات خاصة

وفي التفاصيل، فقد انتشرت، مساء الأحد الماضي، صور لمجموعة مسلحة تحمل شعار “القوات الخاصة” للتيار الوطني الحر.

وحمل ملثمون بنادق حربية قرب مكان إقامة المهرجان لهذا العام في بيروت، “فوروم دو بيروت”، رافعين إشارة التيار العوني، وإلى جانبهم نواب وقيادات في التيار من المشاركين في الذكرى، من بينهم النائب شربل مارون، فيما التقطت صور أخرى لهذه المجموعة المسلحة في الشارع المحيط وهي تتخذ إجراءات أمنية.

قوات خاصة

وارتفعت المطالبات على وسائل التواصل الاجتماعي للأجهزة الأمنية والقضائية لملاحقة هذه المجموعة المسلحة والقيام بواجبها بصرف النظر عن الحماية السياسية التي يتمتعون بها. فيما لم يتردد أنصار “التيار” في إعادة نشر الصور وتهديد الخصوم بها عبر مواقع التواصل.

وتساءل لبنانيون عن الرسالة التي يرجى إيصالها من هذا المشهد، في هذا التوقيت الذي يقترب من موعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية في 31 أكتوبر المقبل، وما يرافق ذلك من تشنج سياسي في البلاد وخلافات حادة بين الأطراف اللبنانية حول هوية الرئيس المقبل والمسار السياسي للعهد المقبل، فيما طرح آخرون أسئلة تتعلق بالمهمات المنوطة بهذه المجموعة المسلحة وأنشطتها الأمنية.

واتجه بعض للسخرية من الأسلوب الاستعراضي للتيار الذي لا ينم في المقابل عن حرفية عسكرية، معتبرين أن المشهد مفتعل بهدف “رفع معنويات” القاعدة الشعبية للتيار في هذا الوقت لا أكثر، ومن أجل شد عصب المناصرين للمرحلة المقبلة التي يتوقع أن تشهد تطورات سياسية حامية مرتبطة بملف الرئاسة.

وتعليقا على الصور، غرّد مفوّض الحكومة السابق لدى المحكمة العسكرية، القاضي بيتر جرمانوس عبر تويتر: “ظهرت صور في السوشال ميديا لمسلحين ملثمين ينتمون لأحد الأحزاب ما يوجب على الأجهزة الأمنية القيام بواجباتها لما تبقى من دولة القانون”.

“انتهاك لحرمة الموت”

وسرت مخاوف من أن يكون الظهور المسلح مقدمة لافتعال أحداث أمنية تساهم في توتير أجواء البلاد، لاسيما وأن هذه الواقعة لم تكن يتيمة، فانتشار الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، جاء بعد يومين على حدوثها، بالتزامن مع ظهور نشاط مسلح آخر لعناصر “التيار” أمام المركز الرئيسي للتيار الوطني الحر في منطقة ميرنا الشالوحي.

واعترض عناصر التيار الوطني الحر، على مرور جنازة لأحد القياديين في حزب القوات اللبنانية، متهمين المشاركين بالاستفزاز، ما أدى إلى إطلاق نار في المكان بعد تلاسن بين المشيعين والعناصر، تدخلت على إثره القوى الأمنية والجيش اللبناني.

واستنكر حزب “القوات اللبنانية” في منطقة المتن الشمالي في بيان “الاعتداء الميليشياوي الذي مارسته عناصر من المركز الرئيسي للتيار الوطني الحرّ في محلة ميرنا شالوحي، عبر إطلاقهم النار على موكب لجنازة الرفيق إيدي كرنافيليان، عند مروره على الطريق العام، باتّجاه المدافن، وذلك بدون أي مبرر أو سبب يُذكر، إلا لأن عَلَم ‘القوات اللبنانية’ يحتضن نعش الفقيد”.

وقالت في بيان: “إلا أنه وعلى الرغم من الاعتداء السافر على حرمة الموت الذي لا يحظى بالحد الأدنى من الاحترام عند هذه الجماعات، أكمل الموكب مسيرته رافعاً الصلاة ومتجاوزاً هذه الممارسات الحاقدة ليوارى الرفيق كرنافيليان الثرى في مدافن العائلة بسلام”.

ووضعت “القوات” هذا الاعتداء بعهدة الأجهزة الأمنية والقضائية لاتخاذ الإجراءات اللازمة وتوقيف المعتدين لمنع هذا الفريق من التمادي في مخططاتهم المشبوهة، وبالتالي إدخال لبنان في نفق من الإنكار الإنساني، والخلل الأمني والانعدام الأخلاقي”.

من جهته، رد التيار الوطني الحر على بيان القوات، حيث أوضحت هيئة المتن الشمالي أن “أصل المشكلة هو تلاسن بين حاجز للأجهزة الامنية متواجد في المنطقة وموكب جنازة إيدي كرنافيليان الذي أصر على مخالفة تعليمات القوى الأمنية والمرور في الشارع الذي يقع فيه المركز الرئيسي للتيار الوطني الحر في ميرنا الشالوحي متعمدا القيام بحركات استفزازية، وليس عناصر من المركز الرئيسي للتيار الوطني الحر كما ادعى بيان القوات”.

واستغرب “التيار” ما أسماها “الضجة الإعلامية حول ما جرى، علما بأن القوات بافتعالها المشكلة انتهكت حرمة الموت الذي يجله التيار الوطني الحر خصوصا وأننا لا زلنا نستذكر شهداء ١٣ تشرين”.

ووضع البيان القضية في “عهدة الأجهزة الأمنية لكشف حقيقة الحادثة وإظهار مكر البعض الذي يستغل الموت لافتعال المشاكل”.

“انضباط لا أكثر”

في هذا السياق، توضح القيادية في التيار الوطني الحر، رندلى جبور، أن “التيار الوطني الحر ليس حزبا عسكريا ولا لديه مجموعات عسكرية، وإنما لديه لجنة صغيرة داخلية في التيار، موجودة منذ تأسيسه اسمها لجنة الانضباط، مسؤولة عن تأمين أمن مهرجانات التيار والنشاطات الكبيرة التي يقيمها لا أكثر ولا أقل، وليس لها أي مهمات أخرى ذات طابع أمني، أو تنفيذ اعتداءات أو أنشطة عسكرية”.

وتضيف جبور :”صادف هذه المرة أن المجموعة تصورت برفقة بعض الشخصيات البارزة، وانتشرت صورها على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن دائما ما تكون مهمة هذه المجموعة حماية أمن النشاطات الحزبية الكبيرة التي يحضر فيها أعدادا كبيرة من قيادات التيار وكوادره، وهي مجهزة لهذا الهدف فقط وليس لها أي عمل خارج هذا النطاق”.

وحول الشكل العسكري للمجموعة، واستخدام تسمية “القوات الخاصة” مع اللباس الموحد، ترى القيادية في التيار الوطني الحر “أن كل حزب في لبنان لديه مجموعة تعنى بالشأن الأمني، لديهم بالطبع لباس موحد ليكونوا منظمين ويُميِّزوا بعضهم، وبالتأكيد لديهم سلاح، بسبب طبيعة مهمتهم، التدخل عند حصول أي اعتداء أو هجوم، أو عمل أمني، لا أعتقد أنهم سيتمكنون من تأمين التجمعات بالقلم والميكروفون وأيديهم”.

وعما إذا كان ذلك تشكيكا أو انتقاصا من قدرة الأجهزة الأمنية اللبنانية على تأمين هذا النوع من التجمعات، تنفي جبور ذلك تماماً، وتضيف “نحن أبلغنا الأجهزة الأمنية والجيش وكانوا منتشرين خارج المكان، أما الانضباط فهم ينتمون للتيار وينتشرون داخل المكان، لأنهم يعرفون الأشخاص والمشاركين وقادرون على تمييزهم والتصرف فوراً عند أي طارئ”.

وتتابع “بالنسبة لنا ليس هناك شيء يحتاج إلى تبرير، فهم لم ينفذوا أي مهمة أو اعتداء أو اقتحام، نعم هم لأول مرة التقطوا صورة وهم مجتمعون مع بعضهم، لكن لم يسمع اللبنانيون يوماً أنهم نفذوا اعتداء على أحد أو كان لهم مهمة خارج نطاق تأمين أنشطة التيار”.

أما فيما يخص ما جرى أمام مركز التيار في ميرنا الشالوحي، تؤكد جبور أن “عناصر جهاز أمن الدولة المولج حماية مركز ميرنا الشالوحي، هم من أطلقوا النار في الهواء من أجل وقف الاستفزاز من موكب الجنازة الذي استغلته القوات اللبنانية لافتعال إشكال، ومنع أي احتكاك بين عناصر القوات وعناصر التيار الموجودين في المركز، وبالإمكان سؤال جهاز أمن الدولة، حيث سيؤكد أن عناصره هم من أطلقوا النار وليس انضباط التيار”.

رسائل “غير مقروءة”

وسرعان ما اتخذت الأحداث خلفيات سياسية، حيث اعتبر المشهد المسلح وما تبعه رسالة من التيار الوطني الحر لخصومه السياسيين، ولاسيما حزب القوات اللبنانية، المنافس الأقوى للتيار على الساحة المسيحية اللبنانية، بأنه مستعد للتصعيد والمواجهة بعد انتهاء العهد الرئاسي لعون.

وفي هذا السياق، يقول رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” شارل جبور إن حزبه “لا يتلقى ولا يقرأ رسائل ميدانية من هذا النوع، من أي فريق سياسي في لبنان”.

ويضيف “لدينا كامل الثقة بالقوى الأمنية عموما والجيش اللبناني خصوصاً ليكون ضابط إيقاع الوضع الأمني على كامل الأراضي اللبنانية دون استثناء”.

ويتابع جبور: “نحن لا ننظر بصراحة إلى وضعيات الاستهداف هذه بعين الخشية أو الرهبة، وهذه مسؤولية المؤسسة العسكرية اليوم، فعندما ترى أي تجاوز للقوانين المرعية عليها أن تتصرف بشكل مناسب لضبط الأمور وألا تفلت الأوضاع، ولكن لا نرى في هذه المشاهد أي تهديد لنا”.

ويشدد القيادي في “حزب القوات اللبنانية” على أن “المواجهة السياسية يجب أن تبقى في إطار الانقسام والخلاف السياسي بين مشروعين، ولا يجب إطلاقا أن تنتقل الخلافات السياسية إلى الشوارع ويجب أن يكون ذلك من الخطوط الحمر لدى كافة الأطراف السياسية في لبنان”.

“رفع معنويات”

ويضع القيادي في القوات اللبنانية هذه المشاهد في سياق “رفع المعنويات” معتبرا أن “أي فريق سياسي يشعر أحيانا انه بحاجة لرفع المعنويات لدى مناصريه في ظل شعورهم بالإحباط، لاسيما بكونها نهاية ولاية الرئيس عون التي أصابها ما أصابها، والدخول إلى مرحلة جديدة، قد يظن البعض أنه من خلال مشاهد من هذا القبيل ترفع معنويات مناصريه، وقد يكون الهدف توجيه رسالة لحلفائه بأنه قادر على القيام بمهام إن أرادوا استخدامه”.

ويُعتبر التيار الوطني الحر أبرز حلفاء “حزب الله” على الساحة اللبنانية، وذلك منذ عام 2006، وكان هذا التحالف مسؤولا عن وصول عون إلى سدة رئاسة الجمهورية، عام 2016، وهو ما مكن “حزب الله” من إحكام قبضته على الحياة السياسية اللبنانية.

ويؤكد جبور أن “المشهد المسلح يضر بصاحبه، لاسيما بالشكل الذي ظهر به، خاصة أن لا شيء يستدعي كل ذلك، فمثلاً لو كان هناك اشتباك معين أو هجوم معين أو توتر أمني مرافق، كما جرى في القاع مثلاً أو في عين الرمانة، قد يكون حينها مبرراً الظهور المسلح، ولكن تصوير استعراضي إلى جانب نائب دون أي داع، هو دليل على أن كل السردية التي يتبناها التيار الوطني الحر بأنه ضد الميليشيات ومع أجهزة الدولة، تظهر اليوم على حقيقتها التضليلية وغير الواقعية، فهذا الفعل أساء لكل خطابه الذي بنى عليه مشروعيته الشعبية بأنه ضد الميليشيات، برأيي فليحكم الرأي العام إذا ما كان يرى هذا الظهور المسلح طبيعيا ومقبولا أم لا”.

من جهتها، ترد القيادية في التيار الوطني الحر أن “آخر من يحق لهم الكلام المشاهد هو حزب القوات اللبنانية”، وتضيف “نحن لسنا في موضع الحاجة لشد العصب أو استعراض القوة، لاسيما وأننا حققنا إنجازا لجميع اللبنانيين بإنجاح مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مؤخراً، فيما شعبيتنا حاضرة والانتخابات النيابية أكدتها، وعصبنا مشدود جدا”.

وتختم جبور “لا زلنا نعارض منطق الميليشيات، والميليشيا هي التي تمارس أعمال عدائية ضد الدولة والشرعية، مثلما كانت القوات اللبنانية في السابق حين قاتلت الجيش اللبناني، أما نحن فلدينا مجموعة تحمينا وتؤمّن النشاطات الكبيرة، وليس هناك أي نوع من العسكرة في التيار، وأكثرية عناصر الانضباط من العسكريين المتقاعدين الذين كانوا يخدمون في الدولة اللبنانية”.