لبنان “وجد الكنز”.. كيف ستنعكس ثروة الغاز على “أسوأ الأزمات الاقتصادية”؟

مع إتمام اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، وموافقة الطرفين عليه رسمياً، اتجهت الأنظار في لبنان إلى مفاعيله وانعكاساته، وانتقل البحث من خطوط الترسيم ونقاطه الحدودية، إلى حظوظ البلاد وآمالها باستخراج الثروة الغازية، التي تحولت إلى أمل شبه وحيد أمام اللبنانيين للخروج من أزمتهم الاقتصادية الخانقة.

وكان الرئيس اللبناني، ميشال عون، أعلن، الخميس الماضي، موافقة بلاده على اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، بعد مفاوضات مكثفة قادتها واشنطن، مؤكدا أن “الاتفاقية غير المباشرة تتجاوب مع المطالب اللبنانية، من دون تقديم أي تنازلات جوهرية”. في خطوة من شأنها إزالة العقبات أمام استثمار الموارد الطبيعية في شرق البحر المتوسط.




ومن جانبها، صادقت الحكومة الإسرائيلية، بأغلبية كبيرة على مبادئ اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، وعلى مقترح رئيسها يائير لبيد بعرضه في الكنيست، حيث أعرب أعضاء الحكومة عن تأييدهم لأهمية الاتفاق البحري مع لبنان ولضرورة التوصل إليه في هذه الفترة.

بدوره، كان قد اعتبر الوسيط الأميركي آموس هوكستين في تصريحات صحفية عقب إتمام الاتفاق أن “الاتفاق ليس فقط تاريخيا لناحية ما هو عليه، لكنه أيضا سيعود له الفضل في منع الفوضى والمزيد من الصراع في أنحاء المنطقة”، مشدداً على أنه سيوفر أمن الحدود الشمالية لإسرائيل والازدهار الاقتصادي للبنان “.

ويعيش لبنان منذ العام 2019 انهياراً اقتصادياً ومالياً أدى إلى تداعيات كارثية، وصنفه البنك الدولي من بين الأسوأ في العالم منذ العام 1850، حيث بات أكثر من 80 في المئة من اللبنانيين تحت خط الفقر، فيما قفز سعر صرف الدولار أمام الليرة اللبنانية من 1500 ليرة للدولار إلى 40000 ليرة، ما أفقد رواتب اللبنانيين قيمتها الشرائية، ورفع مستوى التضخم إلى نسب قياسية لاسيما لناحية أسعار المواد الغذائية والسلع الرئيسية.

أمام هذا الواقع، يعول اللبنانيون على “كنزهم الجديد”، للخروج من المأزق الحالي، وإعادة الحياة للاقتصاد اللبناني الذي يعاني من شلل تام بعد انهيار القطاعات الإنتاجية والخدماتية في البلاد.

وسط ذلك، تتضارب التقديرات والتقارير المتعلقة بحجم ثروة لبنان الغازية وقيمتها السوقية، فضلاً عن موعد بدء التنقيب والاستخراج وصولاً إلى البيع، وكيفية توظيف هذه الثروة في حل أزمات لبنان ولاسيما أزمة أموال المودعين وديون الدولة، في غياب أي خطة واضحة من ناحية الحكومة اللبنانية حتى الآن، للإجابة عن كل تلك التساؤلات.

لبنان المتأخر

ويبدو لبنان متأخراً بسنوات عدة عن جيرانه من دول الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، في مسيرة استخراج الغاز وبيعه، ففيما بدأت كل من إسرائيل ومصر وقبرص باستخراج الغاز من البحر وبيعه للأسواق العالمية، لا يزال لبنان ينتظر مرحلة التنقيب التي لم تبدأ بالفعل، فيما لم يجر تلزيم إلا منطقتين فقط من أصل 10 “بلوكات” (مناطق بحرية).

وفي هذا السياق يشرح خبير اقتصادات النفط والغاز فادي جواد أن لبنان حين قرر استخراج الثروة النفطية والغازية لديه، وهذه الثروة غير ظاهرة بعد إذا ما كانت غاز أو نفط، قرر مثل كل دول العالم أن يقسم هذه المساحة البحرية، التي تبلغ نحو 22 ألف كلم مربع (مرتين حجم لبنان)، إلى 10 بلوكات، لكنه لم يطرح كل البلوكات لاستدراج العروض، من أجل التنقيب والحفر، بل عرض فقط بلوكين الرابع (المقابل لبيروت وجونية) والتاسع (على الحدود الإسرائيلية) والذي يتوقع أن يضم ما سمي بـ “حقل قانا”.

FILE PHOTO: A deserted post for the Lebanese army is seen in Naqoura, near the Lebanese-Israeli border
يعول اللبنانيون على “كنزهم الجديد”

ويضيف جواد في حديثه لموقع “الحرة” أنه وبعد طرح البلوكين 4 و9 على الشركات العالمية، رست المناقصة على “كونسورتيوم” من 3 شركات وهي توتال الفرنسية، نوفوتاك الروسية واني الإيطالية، “لكن شركة توتال هي المدير لهذا الكونسورتيوم، ولهذا السبب نسمع في لبنان بشركة توتال أكثر من غيرها، لأنها هي التي تدير العمل والناطق الرسمي من عندها وهي تتخذ الإجراءات”.

إلا أن الغزو الروسي لأوكرانيا وما تبعه من عقوبات أميركية ودولية على الشركات الروسية، أدى إلى خروج شركة نوفوتاك من تجمع الشركات العاملة في لبنان، ليبقى شركة توتال الفرنسية وآني الإيطالية.

يقول جواد “تابعت هذا الموضوع ولاحقته منذ شهر 7 حيث قلت للحكومة نحن أمام حلين، إما أن نحصل على الموافقة من الأميركيين على التنقيب والحفر، في ظل وجود شركة روسية عليها عقوبات، أو خروج الشركة من أجل عدم التأثير على مسار عملية الحفر والتنقيب مستقبلاً، والتي قد تتطلب حينها إعادة تقييم للأمور من الجانب الأميركي وبالتالي تعطيل العمل في لبنان”.

يبقى لدى لبنان 8 بلوكات مقسمة على طول مساحاته البحرية، وفق جواد الذي يلفت إلى أن وزارة الطاقة اللبنانية “حاولت أن تستدرج عروضاً لها من الشركات العالمية، منذ عامين تقريباً، لكن لم تجرؤ أي شركة على التقديم قبل إتمام اتفاق الترسيم، ورغم تمديد مهلة استدراج العروض 3 مرات حيث أقفل في يوليو الماضي، لم تتقدم أي شركة دولية لا من الصف الأول ولا حتى من الصف الرابع للشركات. وبالتالي تنتظر هذه البلوكات إعادة طرحها لاستقدام عروض في المستقبل.”

وتتراوح التقديرات لبدء استخراج الغاز في لبنان ما بين 5 و7 سنوات، في حين يعارض جواد تلك التقديرات ليعتبر أن 3 سنوات ستكون كافية “إذا ما سارت كل الأمور بوتيرة سريعة دون عرقلة من الشركات أو الحكومة وتأخير في المسار والتراخيص، يمكن خلال 3 سنوات أن نزود الأسواق الداخلية بحاجتها، حيث يجب أن تكون تحولت معامل انتاج الكهرباء الحرارية إلى الغاز، كذلك الأمر بالنسبة للمصانع المحلية وغيرها، والكميات الفائضة يبدأ تصديرها إلى الأسواق المستهدفة”.

الإصلاحات ضرورية

تتوافق رؤية جواد مع تقديرات الخبير الدولي في شؤون الطاقة رودي بارودي الذي يرى أن لبنان سيكون قادراً على استخراج الغاز في فترة تمتدّ حتى الـ 36 شهراً، “في حال وُجدت الكميات المطلوبة وأصدرت الشركة المنقّبة بياناً أعلنت فيه الكمية الموجودة، فذلك يعني وكأنّ هذه الكميات تُرجمت لأموال في حسابات الدولة مباشرةً، إلّا أنّ الوصول إلى تلك المرحلة، يستدعي قيام الدولة بالإصلاحات، لأنّ الشركات تتخوّف من التعامل مع دول ينخرها الفساد”.

إذ “لا يُعدّ لبنان استثماراً جيداً ما لم تنفّذ الحكومة إصلاحات”، من شأنها أن توفّر “الضمانات الأساسية التي تحتاجها الشركات الدولية لكي تعمل مع مخاطر أقلّ”.

ويضيف بارودي في حديثه لموقع “الحرة”، أنه في حال تم اكتشاف كميات تجارية من الغاز والنفط في البلوكين 4 و9 (ويقصد بها كميات مجدية اقتصادياً تغطي قيمتها تكاليف استخراجها وتحقق عائداً كافياً للمستثمرين) فإن مرحلة الاستخراج “هي الأصعب بالنسبة للبنان وتحتاج إلى تكاتف وجهود سياسية واقتصادية على جميع الصعد، وذلك حتى يتمكن من استعادة مكانته الجيو- سياسية في المنطقة والعالم.”

ويشدد الخبير الدولي في شؤون الطاقة على أن “لبنان يحتاج في أسرع وقت ممكن إلى إجراء العديد من الإصلاحات المطلوبة لإعادة إنتاج نظامه القضائي والمالي والاقتصادي، وفي حال ترافق الإصلاحات مع إبعاد ملف النفط عن المناكفات السياسية، سيعرف لبنان نهضة اقتصادية ومالية أكيدة ما يساعد على تطوير البنى التحتية التي هو في أمسّ الحاجة إليها ويُعيد الأمل إلى الشعب اللبناني وتزدهر قطاعات عديدة ومنها القطاع المصرفي والتعليمي والاستشفائي”.

ويوضح بارودي أنّ “الشركات المنقّبة سوف تستقدم آلياتها وحفّاراتها في المرحلة المقبلة بعد إتمام عملية ترسيم الحدود والاتفاق على الخطوط، وتحتاج عملية الاستكشاف والحفر إلى ما بين شهر وستّة أشهر، وفي حال وّجدت الكميات التجارية، فحينها تستقدم الشركات منصّات الاستخراج”.

كم تبلغ ثروة لبنان؟

أما السؤال الأبرز الذي شغل اللبنانيين في الأيام الماضية، كان حجم ثروة لبنان النفطية والغازية، ففي مقابل موجة التفاؤل التي ضربت البلاد إثر إتمام الاتفاق مع إسرائيل، كان هناك تقديرات متشائمة حيال كميات الغاز الموجودة في لبنان، لاسيما مع وجود سابقة تنقيب في البلوك رقم 4 أفضت إلى نتيجة غير مجدية تجارياً.

دعم هذه التقديرات، تقارير إعلامية شككت في مخزون الغاز في حقل قانا الكائن في البلوك 9 جنوب لبنان، حيث أفادت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” أنّ مدير وزارة الطاقة الإسرائيلية ليئور شيلات أعلم الوزراء في اجتماع مجلس الوزراء الأمني (الكابينات)، أنّ “التقديرات المتعلّقة بكمية الغاز الطبيعي التي يمكن استخراجها من حقل قانا، كانت أقلّ بكثير مما كان يُعتقد في البداية”.

من جهته أفاد موقع “والا” الإخباري نقلاً عن أربعة مسؤولين إسرائيليين حضروا اجتماع مجلس الوزراء، أن شيلات لفت إلى أنّ “تقديرات مكتبه وشركة توتال، التي تمتلك امتياز التنقيب عن الغاز في حقل قانا، تُشير إلى أنّ الربح المحتمل من المنطقة المعنية يبلغ ثلاث مليارات دولار فقط”.

FILE PHOTO: Fishermen catch fish in Naqoura
يبدو لبنان متأخراً بسنوات عدة عن جيرانه

في المقابل يشكك بارودي بتلك التقديرات، مؤكداً أن “لا جهة تعلم حجم الثروة في مكمن قانا قبل بدء عمليات التنقيب، ورغم وجود التقديرات، إلّا أنّها ليست دقيقة، ولا يمكن تحديد أرقام مؤكّدة قبل وصول الشركة المنقّبة وإطلاق العملية”، نافياً قدرة أيّ طرف على تأكيد الكمية من خلال التقديرات.

بارودي يضيف أن “منطقة حوض شرقي المتوسط (Levantine basin) التي هي بقعة مثيرة ومعقدة للغاية لأسباب جيو- سياسية، تحتوي على آفاق إمكانية وجود كميات كبيرة من البترول والغاز لم يتم اكتشافها واستغلالها بعد، تحتوي على الكثير من الاحتياطي النفطي الممكن الاستفادة منه”.

من ناحيته يفيد جواد أنه “وبناء الدراسات والمسوحات التي أجريت على مدى الـ20 سنة الماضية على الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، تقدر كمية الغاز بحوالي الـ 120 او 130 ترليون قدم مكعب، تقدر حصة لبنان منها بنحو 32 تليون قدم مكعب، وكل هذه الأرقام تقديرية، ولكن بحكم خبرتي فإن هذه الأرقام التي تقدر بناء على المسوحات الزلزالية والتصوير الثلاثي والثنائي الأبعاد، قد تختلف تماماً عند الحفر والاستخراج، زيادة أو نقصان، فاستخراج النفط يتم بناء على التقدير ومن ثم الحفر المستمر والمتنقل، إلى حين العثور على البئر، فنسبة النجاح بالحفورات النفطية عند البدء فيها تبلغ 20 في المئة”.

خبير اقتصادات النفط والغاز يعتبر أن كل التقديرات والتقارير التي تخرج في الإعلام “ليست سوى كلام لا طعم له، فعلى سبيل المثال يتم الترويج لامتلاك لبنان ثروة غازية تفوق احتياطات دولة قطر (ثالث أكبر احتياط غاز في العالم) وهذا غير صحيح بتاتاً، فكامل حوض الشرقي للبحر المتوسط لا يحتوي على أكثر من 10 في المئة من احتياطات قطر الغازية.”

ويضيف “لكن الاستثناءات يمكن أن تحصل، كما حصل في مصر بحقل “ظهر” قرب دمياط، حيث بقيت شركة توتال تحفر فيه لمدة 6 أشهر بتكاليف باهظة دون أن تنجح في الوصول إلى شيء، لتأتي من بعدها شركة آني الإيطالية التي اكتشفت في المكان نفسه، أضخم حقل غاز موجود في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، يضم 32 ترليون قدم مكعب، وتساوي حجم كل الكمية المتوقعة للبنان”.

يقدر الخبراء أن لبنان يخسر بذلك مساحة تقدر بحوالي 1500 كيلومتر مربع
تتراوح التقديرات لبدء استخراج الغاز في لبنان ما بين 5 و7 سنوات

وبناء على تقديرات أولية أجريت عام 2018 وفق سعر الغاز في حينها، كانت تبلغ الثروة الغازية للبنان حوالي 180 مليار دولار، والثروة النفطية نحو 40 مليار دولار، بحسب جواد، وبالتالي الثروة بمجملها كانت تقدر بنحو 220 مليار دولار.

ويتابع “لكن اليوم مع صعود سعر الغاز بنسبة 400 في المئة فيما سعر المليون وحدة حرارية للغاز التي كانت تبيعها روسيا لأوروبا بـ 5 دولارات، بات سعرها 65 دولار، من هنا يمكن فهم حجم ارتفاع أسعار الغاز عالمياً وبالتالي ارتفاع قيمة ثروة لبنان الغازية التي باتت تقدر حالياً ما بين 500 و600 مليار دولار. وممكن غداً أن ينخفض سعر الغاز، وستنخفض معه قيمة هذه الثروة.”

وعن حصة الحكومة اللبنانية من هذه العائدات يلفت جواد إلى أن الحصة “تختلف بحسب البلوكات، فمثلاً حصة لبنان من البلوك رقم 9 تبلغ 62 في المئة مقابل 38 في المئة للشركات، وقد تختلف هذه النسب بين شركة وأخرى وحقل وآخر، ولكن دائما ما تكون حصة الحكومة اللبنانية هي الأكبر وتتجاوز الـ 55 في المئة وصولاً إلى نحو 65 في المئة، وهذا القائم عالمياً حيث تحصل الحكومات على الحصة الأكبر”.

“انتعاش غير مسبوق”

الفوائد والعائدات الاقتصادية للثروة الغازية على اللبنانيين، بحسب بارودي “ستعيد الأمل إلى الشعب اللبناني من جديد، وستنعكس تلك الفوائد على العديد من القطاعات ومنها القطاع المصرفي والتعليمي والاستشفاء بالإضافة إلى قدرة لبنان على إعادة بناء البنى التحتية والتي تشمل الكهرباء والماء بالإضافة إلى إعادة إحياء دور لبنان الاقتصاد والمالي محليا وعالميا.”

ويؤكد الخبير الدولي في شؤون الطاقة أن التقديرات الأولية في حال تم استكشاف الغاز والنفط في كل البلوكات تقدر بحسب معهد الدراسات الجيولوجية الأميركية وبحسب أسعار النفط والغاز الحالية ما بين 300 و400 مليار دولار للـ 20 سنة القادمة. وتعتبر هذه فرصة للبنان لإعادة بناء دولة متمدنة ومتطورة بعيدة على المناكفات السياسية.”

من جهته يؤكد جواد أن الثروة النفطية أو الغازية عند وصولها إلى أي بلد، من شأنها أن تنهض بالبلاد اقتصاديا، ويرى أن الاستفادة من تأثير الثروة النفطية والغازية سيبدأ قبل أن يتم الاستخراج، بمجرد أن تبدأ عمليات البحث والتنقيب.

ويتابع خبير الاقتصادات النفطية والغازية أن أول التأثيرات الاقتصادية التي سينتفع منها لبنان، “يتمثل في كون الشركات النفطية لديها ما يسمى بالمسؤولية الاجتماعية في الأماكن التي تعمل بها، حيث تكون ملزمة بإقامة مشاريع تنموية لخدمة سكان البلاد والمناطق التي يعملون بها، والتعويض عن أي أضرار قد تلحق بالسكان المحليين، كإقامة مستوصفات ومصانع ومعامل لمساعدة المجتمعات المحلية لكونها تعتبر مستفيدة من ثروة هذا الشعب فيما أعمالها قد تلحق أضراراً بيئية، لذا فإن البلاد ستستفيد من ضخ الأموال الناتج عن مساهمة هذه الشركات بمسؤوليتها الاجتماعية تجاه المجتمع اللبناني لتكسب وده والتعويض عليه، ومن شأن ذلك أن يخفف من نسب البطالة ويخلق صناعات جديدة ويعيد إحياء الاقتصاد المحلي للمناطق”.

ويضيف جواد “الشركات المشغلة بحاجة لشركات أخرى تقدم لها الخدمات، فهم وخلال التنقيب والحفر والاستخراج لاحقا، بحاجة إلى التنقل من وإلى منصات التنقيب، وبالتالي بحاجة إلى مروحيات تنقلهم، وفي هذا السياق مثلاً رئيس مجلس إدارة شركة الميدل إيست محمد الحوت، أنشأ شركة للمروحيات لتقوم بنقل الموظفين من وإلى عملهم في البحر، وبذلك بات هناك شركة جديدة للنقل الجوي في لبنان.”

هذه الشركات ستساهم أيضاً بصناعة النقل البحري، وفق جواد، لاسيما لمعداتها الثقيلة التي تحتاج إلى سفن لنقلها، إضافة أيضاً إلى النقل البري، فهذه الشركات وموظفيها سيتنقلون في لبنان، فضلاً عن الإسكان حيث ستحتاج هذه الشركات إلى مساكن لموظفيها ما من شأنه أيضاً أن ينشط عمل السوق والفنادق والمساكن، هناك أيضاً التموين من مأكل ومشرب وغيره تحتاج أيضاً إلى شركات تموين، وإلى جانب كل ذلك تحتاج إلى عمال وحدادين وصيانة وإطفاء وغيره، “وبالتالي على هامش الصناعة النفطية سيكون هناك اقتصاد مواز ينتج عنها في البلاد، مؤلف من شركات محلية ودولية لتقديم الخدمات اللوجستية والفنية والتقنية للشركات الكبرى المشغلة.”

كل ذلك في بلد لم يكن نفطي في تاريخه كلبنان، سيمثل “انتعاشاً غير مسبوق”، على حد وصف جواد، “وسيعيد إحياء البلاد من جديد، بسبب هطول رؤوس الأموال العالمية للعمل في الاقتصاد الموازي وجميع الاستثمارات المرتبطة بالنفط والغاز وهي عديدة”.

لبنان بلا خطة واضحة

لكن التحدي الأبرز أمام لبنان في الاستفادة في ثروته الغازية والنفطية، يكمن في طريقة إدارة حكومته لهذه الواردات وسبل استثمارها في المجتمع والاقتصاد اللبناني، ولكن لا يبدو حتى الآن أن هناك خطة واضحة بعد أمام اللبنانيين، فيما سوء التقدير والأخطاء بدأت مع إبرام الاتفاقات قبل الوصول إلى الاستخراج.

وفي هذا السياق يكشف جواد أن لبنان “لم ينجح في تحقيق مكتسبات من الشركات العاملة لديه في العقود المبرمة، فعلى سبيل المثال بند تطوير الموارد البشرية لتمكين وتأهيل فرق عمل لبنانية وتدريبهم على العمل في الحقول للوصول إلى الإنتاج بأيادي لبنانية، وفيما ترصد الدول مبالغ كبيرة ضمن العقود لهذا البند تصل إلى ملايين الدولارات، لبنان للأسف لم يرصد لهذا البند سوى 200 ألف دولار، لا تكفي لتنظيم جلسة تدريب 20 مهندس لبناني، وهذا خطأ من الجانب اللبناني”.

ويؤكد خبير اقتصادات النفط والغاز أنه “لا يوجد أي شيء واضح حتى اليوم، وليس هناك بعد أي خطة عمل، فمثلاً من غير المعلوم حتى الآن أين ستوضع الأموال، صندوق سيادي أو صندوق استثماري أو وزارة المالية أم مصرف لبنان؟ من غير المحدد والمعلوم بعد، في حين أن كل دول العالم تنشئ صناديق استثمارية لثرواتها النفطية والغازية، وبالتالي من غير المعلوم كيف سيتم الاستفادة من الأموال في لبنان بعد. ”

ويضيف أن هناك كثير من الالتباسات لا زالت غامضة في مسار استخراج لبنان لثروته، “ليس واضحاً مثلاً كيف سيوصل لبنان الغاز إلى الدول المستهدفة، فهل سيكون عبر خط الأنابيب العربي؟ أم خط دول غاز شرق المتوسط؟ أم عن طريق مصر دمياط؟ أم عبر ناقلات الغاز؟ كل ذلك يجب حسمه خلال 3 سنوات، وبرأيي كخبير أن الخيار الأنسب يكون بخط الغاز العربي الذي سيحصل منه لبنان على الغاز المصري، وبالإمكان حينها إعادة توريد الغاز إلى المنشآت المصرية، لاسيما وأن لا دولة محيطة تمتلك الإمكانات المتوفرة لدى مصر لناحية تصدير الغاز بعد تبريده وتغويزه إلا مصر”.

هل يضيع “الكنز”؟

ويخشى الخبراء الاقتصاديون من سوء إدارة عائدات الغاز في لبنان، لاسيما مع الحديث عن إمكانية استخدامها في سداد ديون الدولة اللبنانية التي بلغت عام 2019 نحو 91 مليار دولار، فيما خدمتهم السنوية تبلغ نحو 3 مليارات، الأمر الذي يمكن أن يبدد تلك العائدات دون أن يحل الأزمة الاقتصادية اللبنانية بشكلٍ جذري، بل سيقلل فقط من وطأتها مرحليًا، إلى حين التوقف عن تصدير الغاز، الذي يعتبر مورداً غير متجدد.

مخاوف أخرى تثار في لبنان من إمكانية استخدام عائدات النفط والغاز لدفع أموال المودعين المحتجزة في المصارف، بكون ديون الدولة اللبنانية بجزء كبير منها يعود للمصارف اللبنانية، ما من شأنه أن يؤمن سيولة تمكن المصارف من الدفع.

هذا السيناريو يحذر منه جواد، “فلنفترض أن مودعاً لديه مليون دولار في المصارف، جاء صندوق عائدات النفط والغاز وأعطاه مليوناً، في المقابل هناك مواطن لبناني آخر غير مودع، لماذا لا يحصل في المقابل على مليون بكونه يخضع للمساواة مع جميع اللبنانيين ويشاركهم التوزيع العادل للثروة على جميع المواطنين؟ هنا سنصل إلى نتيجة أن هناك مثلاً نصف اللبنانيين مودعين ونصفهم الآخر غير مودعين، لماذا يحصل نصف اللبنانيون على مليارات يحرم النصف الآخر منها؟ أين مبدأ الإنصاف والمساواة؟ لذلك لا يصح إعطاء المودعين أموالاً من أي مردود مالي إلا بالتساوي بين جميع اللبنانيين، وإلا سيكون هذا القرار معرضاً للطعن في المجلس الدستوري”.

أما أبرز المخاوف الشعبية المطروحة، تكمن في إمكانية ضياع ثروة النفط والغاز بالتحاصصات الطائفية والمناطقية وبالتالي خضوعها لسطوة الفساد اللبناني والأحزاب السياسية التي أدت إدارتها للبلاد إلى الانهيار القائم حالياً.

وفي هذا السياق يقول جواد “لا شك بأنهم قادرين على فعلها، لاسيما بعد الحديث عن افتتاح شركات لبنانية في سنغافورة، برساميل رمزية، ليدخلوا على الأسواق اللبنانية كشركات أجنبية وأخذ حصص من هذه الثروة”، محذراً من تكرار سيناريو “فضيحة سوناطراك”.

ويضيف “لذلك يجب أن يحظى هذا الملف برقابة مشددة، ويجب تفعيل القضاء لملاحقة أي عمل غير قانوني، ولكن للأسف كل التحديات التي تواجه كافة الجوانب والملفات في لبنان، من شأنها أن تنعكس على الملف النفطي”.

ويختم خبير اقتصادات النفط والغاز أن “لبنان اليوم عثر على كنز، وأكثر من ذلك لن يكون له فرص كبيرة في تاريخه، كل ما بعدها سيكون أقل من ذلك، وبالتالي تحاصص هذه الثروة بهذه الطريقة، سيكون كارثة الكوارث”.




الحرة