حين حذر ريغان أوروبا من الاعتماد على غاز موسكو ونصحها بالجزائر

في تقرير بعنوان “الجزائر شريك غاز موثوق به لأوروبا التي تواجه الأزمات” نُشر بالتزامن في موقعي “أراب دايجست” و”فير أوبزرفر”، قال الكاتب الصحافي فرانسيس غيلاس إن الجزائر ستتمتع بدخل قياسي من صادرات النفط والغاز في عام 2022 على الرغم من عدم قدرتها على تزويد بعض عملائها الرئيسيين مثل فرنسا وإسبانيا وتركيا بكميات أكبر من العام الماضي. ويعتبر الكاتب أن نمو الاستهلاك المحلي، بتشجيع من الأسعار المنخفضة للغاية، التي يدفعها المستخدمون المحليون للطاقة في الجزائر مقابل الكهرباء، أحد الأسباب الرئيسية. ويرى أن هناك سببا آخر هو عدم تطوير حقول غاز جديدة خلال العقد الماضي.

الجزائر لديها فرصة كبيرة




ويؤكد الكاتب على أن هذا هو وقت الفرص للجزائر. فقد غطت روسيا 40٪ من واردات أوروبا من الغاز قبل غزو الرئيس فلاديمير بوتين لأوكرانيا في 24 فبراير من هذا العام. ومنذ ذلك الحين، تسعى أوروبا جاهدة لإيجاد مصادر جديدة للغاز بعد قطع حاد في الإمدادات من روسيا.

لكنه يقول “للأسف، لا تنتهز الجزائر الفرصة للمساعدة في تقليل اعتماد معظم جيرانها الشماليين على الغاز الروسي”.

أوروبا تدفع ثمن سياستها الطاقوية السيئة

ويرى غيلاس أنه على مدى العقدين الماضيين، اتبعت أوروبا سياسة للطاقة تساعد في تفسير النقص الحالي في الغاز في جميع أنحاء العالم. فقد كافح المشترون في الاتحاد الأوروبي بجهد لتقليص عقود الغاز طويلة الأجل التي كانت سائدة حتى ذلك الحين. ففي السابق، وقع الأوروبيون عقودًا لمدة 15-20 عامًا مع شركة الطاقة الحكومية الجزائرية “سوناطراك”. وقد وفرت تلك العقود طويلة الأجل أمن الإمدادات وسمحت بالتطوير الاستراتيجي لحقول غاز جديدة، وكلاهما تحتاجه أوروبا الآن بشكل عاجل.

حذر ريغان أوروبا، وبشكل خاص ألمانيا، من الاعتماد على الغاز السوفييتي. وجادل لبدائل كالنرويج والجزائر. وقد طور الأوروبيون الموارد النرويجية لكنهم جادلوا بأن الجزائر لم تكن أكثر موثوقية من السوفييت.

ويشدد الكاتب على أن هناك حقيقة أخرى تستحق التذكر، فقبل أربعة عقود، حذر الرئيس الأمريكي رونالد ريغن أوروبا بشكل عام، وألمانيا بشكل خاص، من الاعتماد على الغاز السوفييتي. وجادل لصالح مصادر بديلة، ولا سيما النرويج والجزائر. وقد طور الأوروبيون الموارد النرويجية لكنهم جادلوا بأن مصادر مثل الجزائر لم تكن أكثر موثوقية من الغاز السوفيتي.

ويقول الكاتب من جهة أخرى “لكي نكون منصفين، أساءت الجزائر إدارة قطاع الطاقة الخاص بها في ظل رئاسة الراحل عبد العزيز بوتفليقة التي استمرت 20 عامًا والذي كان مسؤولاً من 1999 إلى 2019. ومع ذلك، ليس كل اللوم يقع على عاتق الجزائر، فقد لعبت أوروبا دورًا في المستويات المنخفضة الحالية لإنتاج الغاز”.

الابتعاد عن الدولار والجغرافيا السياسية لشمال إفريقيا

 ويقول غيلاس إن مصادر مطلعة في الجزائر ذكرت أن “سوناطراك” أدخلت بندا جديدا في عقود الغاز مع عملائها الأجانب منذ الصيف الماضي، يسمح بتغيير فئة العملة في كل عقد، والتي يمكن للطرفين تغييرها كل ستة أشهر. ويمنح هذا البند الجزائر سيطرة أكبر على سياستها الخارجية، لا سيما في مقابل الدولار الأمريكي حيث يتم به تقليديا فوترة معظم عقود النفط والغاز.

وبحسب الكاتب يعكس هذا التغيير الحذر المتزايد في الجزائر والعديد من البلدان الأخرى بشأن الطريقة التي تستخدم بها الولايات المتحدة العقوبات. وبرأيه يعتقد الكثيرون أن الولايات المتحدة سياسية للغاية في استخدامها للعقوبات. وقد بلغ احتياطي الجزائر من العملة الصعبة 46.5 مليار دولار في يوليو/ تموز الماضي ويتوقع أن يرتفع إلى 80 مليار دولار في ظل ارتفاع أسعار الغاز. وعلاوة على ذلك، انخفض الدين الخارجي الجزائري الضئيل بالفعل بشكل مطرد منذ يوليو 2020.

وبحسب غيلاس فربما تكون الأوضاع المالية للحكومة الجزائرية قد تحسنت لكنها تواصل الإنفاق بشكل كبير على شراء الأسلحة. فالجزائر سادس أكبر مستورد للأسلحة في العالم والأكبر في إفريقيا. وحوالي 70٪ من الأسلحة الجزائرية مصدرها روسيا. ويأتي الباقي من إيطاليا، وفرنسا، وألمانيا، والصين. ويشير إلى أنه تاريخيا، مارست الجزائر سياسة عدم الانحياز دوليا، ويقول “قد يكون هذا عفا عليه الزمن لجيل، لكنه جزء من الحمض النووي للبلد”.

ويلفت إلى أن الجغرافيا السياسية للغاز تغيرت بشكل كبير في غرب ووسط البحر المتوسط ​​خلال العام الماضي. ويشير إلى أن التوتر المتصاعد بين الجزائر والمغرب أدى إلى إغلاق خط الأنابيب المغاربي – الأوروبي، الذي يمر عبر المغرب وتحت مضيق جبل طارق في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021. ويتماشى ذلك، حسبه، مع الإجراءات القاسية التي ميزت العلاقات بين البلدين على مدى السنوات الخمسين الماضية.

ويؤكد الكاتب أنه “لحسن الحظ، فمن غير المرجح أن تتصاعد العلاقات السيئة بين الجارتين إلى أي شيء أكثر خطورة”. وبحسبه “يعاني المغرب من صعوبات اقتصادية وسياسية خاصة به ومن غير المرجح أن يرغب ملك المغرب في التعامل مع أزمة خطيرة مع جاره الشرقي”. و يضيف أنه “بالمثل، فإن سعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الجزائري، هو شخص بأياد آمنة هدفه الأساسي تحديث الجيش مع تجنب المواجهات المباشرة”.

ويقول الكاتب إن الميل الدبلوماسي الإسباني تجاه المغرب بشأن قضية الصحراء الغربية في مارس 2022 أدى إلى توتر العلاقات السياسية بين مدريد والجزائر. ومع ذلك، فإنه لم يؤثر بشكل خطير على الواردات الإسبانية من الغاز الجزائري. فتدفقات الغاز عبر خط أنابيب “ميد غاز” Medgas، الذي يربط الجزائر مباشرة بإسبانيا، تعمل حاليًا بما يقدر بنحو 10.5 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. كما توصلت شركة Naturgy، المستورد الرئيسي لإسبانيا، إلى اتفاق مع “سوناطراك” بعد مفاوضات شاقة. وبحسبه ففي الواقع، قام المشترون الإسبان للغاز الجزائري بتسوية مدفوعات متراكمة تقدر بنحو 7.5 مليار دولار مع سوناطراك.

الجغرافيا السياسية للغاز تغيرت بشكل كبير في غرب ووسط البحر المتوسط.. ولحسن الحظ، فمن غير المرجح أن تتصاعد العلاقات السيئة بين الجزائر والمغرب إلى أي شيء أكثر خطورة

إيطاليا أصبحت مركز الطاقة الجديد في أوروبا

ويرى الكاتب أنه أُعيد رسم روابط الطاقة بين شمال إفريقيا وأوروبا إلى حد ما عندما وقعت إيطاليا عقدًا رئيسيًا مع الجزائر في نوفمبر 2021. وقد أدى هذا إلى إعادة توجيه بعض صادرات الغاز الجزائري إلى إيطاليا. وينص هذا العقد على زيادة إنتاجية الغاز الجزائري عبر خط أنابيب “ترانسميد” من 21 مليار متر مكعب في عام 2021 إلى 30 مليار متر مكعب في عام 2023. وتشير التدفقات الحالية إلى أنه يمكن الوصول إلى رقم 30 مليار متر مكعب في وقت أقرب بكثير. وأصبحت “إيني” شريكا متميزا لسوناطراك. ويشمل العقد الذي تم توقيعه بين الشركتين بقيمة 1.5 مليار دولار مشاريع لاستكشاف وتطوير مصادر جديدة للغاز وكذلك لإنتاج الهيدروجين والكهرباء من مصادر متجددة.

وتعمل الروابط المتنامية بين إيطاليا والجزائر على تحويل الأولى إلى مركز جديد للغاز في البحر الأبيض المتوسط. وتغذي خطوط الأنابيب الغاز من أذربيجان وليبيا والجزائر الشواطئ الجنوبية لإيطاليا كما تستورد كميات متزايدة من الغاز الطبيعي المسال من مصر.

ويؤكد الكاتب في الأخير على أنه لكي تستفيد الجزائر من قربها من إيطاليا، تحتاج إلى تحديث إدارة قطاع الطاقة لديها، ومراجعة سياستها الصناعية وإصلاح نظامها المصرفي. وبمعنى آخر، يجب على الجزائر أن ترحب بالمستثمرين الأجانب وأن تسمح للشركات الجزائرية الخاصة بالمشاركة في الاقتصاد العالمي.