خليفة: إنها “خيانة عظمى”

طارق ترشيشي – الجمهورية

 




هو ليس اتفاقاً على ترسيم الحدود البحرية، بمقدار ما هو اتفاق ضمنت إسرائيل من خلاله «ترتيبات أمنية» ألزمت لبنان بها، لتنعم هي من الآن وصاعداً «بشفط» النفط والغاز من أعماق البحر المتوسط الى أجل غير معلوم، فيما سينتظر لبنان طويلاً على منصات الحفر والتنقيب الى ان يصبح دولة نفطية قولاً وفعلاً.

«لا تَباين بين النصين العربي والانكليزي للاتفاقية»، يقول المؤرخ واستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية الدكتور عصام خليفة لـ»الجمهورية»، في معرض قراءته لهذين النصين، مسجّلاً جملة من «الملاحظات الخطيرة» على مضمونه «والتي تهدد مصالح لبنان وثروته النفطية والغازية لِما ستكون لها من تداعيات عند التنفيذ».

فيما يتعلق بالنقطة الاولى من الاتفاقية يرى خليفة «ان الاحداثيات المعتمدة فيها ترتكز على «خط هوف» وهي «مطعوجة» في آخرها في اتجاه الخط 23». ويضيف «انّ الاتفافية تقضي بأن يبدأ الترسيم من محازاة النقطة 20 في البحر وهي مطابقة للطفافة الرقم 8 في خط الطفافات الاسرائيلي، وتبعد مسافة 5318 متراً من رأس الناقورة، وليست متطابقة مع «خط هوف» وإنما تقع في موازاته مع ترك المسافة والمساحة على طول خط الطفافات بما يضمن ترتيباً امنياً لمنشأة سياحية اسرائيلية تقع جنوب رأس الناقورة».

ويشير خليفة الى انه «بحسب قانون البحار 1982، فإن اي خط حدود بين دولتين متجاورتين يجب ان ينطلق من خط وسط من نقطة الحدود بينهما، وفي حالة لبنان ينبغي ان ينطلق من رأس الناقورة لأنّ صخرة الناقورة أي النقطة B1 هي أهم نقطة في النزاع لأنّ لبنان يقول ان الترسيم يجب ان ينطلق منها، ولكن الخط 23 لا ينطلق منها. في حين ان هذه النقطة هي منطلق الخط 29، بينما «خط هوف» و»الخط 23» لا ينطلقان منها وهذا ما يتناقض مع القانون الدولي».

ويقول خليفة: «ان اسرائيل تحتل رأس الناقورة، وهذا الاحتلال يؤكد ان هذا الرأس هو ملك للبنان وان كل الوثائق تقرّ بذلك من اتفاق الهدنة عام 1949 وما سبقه وما تلاه من اتفاقات، فهناك اتفاق آخر تم التوصّل اليه بعد الهدنة يكرّس ايضا رأس الناقورة للبنان، فإذا تَخلّينا عنه تكون قد تخلّينا عن الترسيم البري وهم قالوا بتأجيل هذا الترسيم».

ويضيف خليفة مشيراً الى الفقرة «ج» من الاتفاقية التي تقول انهم سيُجرون ترسيماً للحدود البرية، وهذه مسألة خطرة، وقد أرسلتُ ملفاً كاملاً الى الرؤساء الثلاثة ضمّنته محضر ترسيم حصل بين لبنان واسرائيل وعليه تواقيع اسرائيلية. فلماذا الترسيم الجديد؟ المطلوب هو تثبيت الترسيم الموجود وليس اعادة الترسيم من جديد».

وعن الفقرة «د» في الاتفاقية يقول خليفة انها تقول إنه يُمنع على لبنان تقديم اي احداثيات جديدة للامم المتحدة والقضاء الدولي مستقبلاً إلا بالتفاهم مع اسرائيل. وهذا يدلّ الى انّ المسؤول اللبناني والمسؤول الاسرائيلي «عملوا عملتهم» ويريدان تكريس الجريمة حتى لا يتحدث فيها احد في المستقبل».

وينتقل خليفة الى القسم الثاني من الاتفاقية ويتوقّف عند البند (ألف) منه، فيرى «انه كرّس السيادة الكاملة لإسرائيل على البلوك 72 ومنع اي سيادة للبنان على حقل قانا البالغة مساحته 20 كلم2، إذ لا توجد اي اشارة خاصة الى هذا الحقل، فلبنان يسمّيه «قانا» بينما في الخرائط الاسرائيلية يسمّونه «كاريش» وحقل قانا ليس مستقلاً عن «كاريش» (البلوك 72 الاسرائيلي) وسَمّوا قانا «الممكن المحتمل»، ثم حددوا شروطاً للشركة التي ستعمل في البلوك 9 (اي قانا). وهذا اخطر شيء، لأنهم دخلوا الى البلوك 9 بدلاً من ان يكون للبنان الحق في الدخول الى البلوك 72، وهذا امر يحد من سيادة الدولة اللبنانية على مساحة البلوك 9».

وهنا يُبدي خليفة ملاحظة سمّاها «خطيرة وبالغة الاهمية جداً»، فيقول: «ان لدى لبنان اكبر ثلاثة حقول في شرق المتوسط وتقع في البلوكين 8 و9. نحن ندّعي ان لنا حقل قانا، ولكن الاسرائيليين يدخلون اليه للحد من سيادتنا على البلوك 9، ما يعني ان الامر هو على عكس ما نقول».

وحول الفقرة «ج» من الاتفاقية يقول خليفة انها «تنص على ان لا تحرّك لأي شركة في الحقل «الممكن المحتمل» (اي «قانا») الّا بالتفاهم المسبق مع اسرائيل، مع العلم ان الاتفاقية لا وضوح فيها لجهة تحديد جغرافية هذا الحقل، فإسرائيل والشركة المشغلة (اي شركة توتال) ستعقدان اتفاقاً مالياً بينهما حول حصة اسرائيل من «الممكن المحتمل» بمعزل عن لبنان، علماً انّ احداً لا يمكنه تحديد المدة او المدى الذي ستبلغه المفاوضات بينهما في الوقت الذي انكشف انّ اسرائيل كانت قد باشرت الضَخ من كاريش وقانا كحقل مشترك منذ العام 2020، وليس صحيحاً أنها لم تبدأ الضخ بعد».

وحول الفقرة «واو» من الاتفاقية يقول خليفة ان «الخبث يكمن فيها، لأنها ترهن اي عمل في اي اكتشافات واعمال في البلوكات بالاتفاق المُسبق مع اسرائيل. فمتى توقيت هذه الاتفاقات؟ وما الذي يمنع اسرائيل من ان تكون في حلٍّ منها طالما انها تستثمر كل البلوك 72؟ ثم ما معنى شعار «كاريش مقابل قانا» الذي طرحه لبنان، فإسرائيل سيطرت على كاريش كاملاً وضمنت سيادتها عليه وطَوّقت اي احتمال امام لبنان لاستغلال ما سمّي «حقل قانا» وتدخّلت بالوضع في البلوك اللبناني الرقم 9 الواقع خلف الخط 23. وبدلاً من ان يدخل لبنان عبر القانون الدولي اليه، ربطت اسرائيل هذا الحقل باتفاقيات ومفاوضات عطّلت سيادة الدولة عليه، علماً انّ هناك حقولاً عدة بالاضافة الى حقل قانا قد تواجه المصير نفسه.

وعن القسم الثالث من الاتفاقية الذي يتضمّن اشارة الى طريقة استخدام الموارد الطبيعية على جانبي الخط 23، اي «خط هوف» «المطربش» بعنوان الخط 23، يقول خليفة: «انّ الفقرة «ب» منه تقول انه يتعيّن على لبنان واسرائيل مشاركة البيانات ذات الصلة بكافة الموارد الموجودة في الجهة المقابلة لخط الحدود البحرية او التي قد يتم تحديدها لاحقاً مع الولايات المتحدة الاميركية». ويُعلّق خليفة على ذلك فيقول: «إنّ تبادل البيانات حول ما لدى كل طرف من ثروات هو بمثابة تطبيع، وان الاشارات المختلفة في اتجاه البلوك 9 تدل الى ان لبنان مُجبر على تقديم بيانات حوله لإسرائيل، في حين ان النص لم يتضمن الاحداثيات ولا الاطار الجغرافي لهذا البلوك، ما أوجَد نوعاً من «الغموض البنّاء» لاسرائيل بهدف استباحته وربما استباحة البلوك الرقم 8 ايضا، لأنّ الاسرائيليين لم يأخذوا من الخط 29 الى خط هوف فقط، بل استباحوا ايضا ما بعد «هوف» في اتجاه لبنان، اي البلوكين 8 و 9 معاً».

وإزاء القسم الرابع من الاتفاقية، يتساءل خليفة: لماذا تم ربط اي خلاف بين الطرفين على تطبيق الاتفاقية بالولايات المتحدة الاميركية؟ ولماذا لا يكون الاحتكام الى الامم المتحدة والقانون الدولي؟ ويقول: «إن قوّتنا هي في القانون الدولي والمحاكم الدولية، ولكننا نجد في هذا الامر خروجاً على القانون الدولي وما يحول دون لجوء لبنان الى المحاكم الدولية في اي خلاف او نزاع، فأميركا هي اسرائيل لأنها تحرص دوماً على تأمين مصالح اسرائيل، فلماذا نُطيح باتفاقية الهدنة واتفاق ترسيم الحدود الموجود اصلاً وهو وضع على اساس القانون الدولي؟».

ويرى خليفة «انّ هناك جريمة موصوفة ارتكبت بحق اجيال لبنان القادمة وبحق ثروة لبنان البحرية، وهناك مخالفة فاضحة للدستور اللبناني في مادته الثانية، انها خيانة عظمى لأنّ المسؤولين خالفوا هذه المادة بعدم الحفاظ على الارض عبر التخلي عن رأس الناقورة، علماً ان المادتين 233 و 277 من قانون العقوبات اللبناني تقضيان بمحاكمة كل لبناني يتخلّى عن شيء من حقوق بلاده للغير بالحبس، وانّ من يعطي العدو يُحاكم بأكثر من ذلك لأنهم خالفوا القانون الدولي وخالفوا الدستور اللبناني والقوانين اللبنانية».

ويشير خليفة الى «ان قانون الجيش الذي لديه مصلحة الطبوغرافيا والشؤون الجغرافية ينصّ في أحد مواده على ان المؤسسة العسكرية هي من يرسم الحدود البحرية والبرية، وليس اي مؤسسة او جهة سياسية». ويختم: «إنهم خونة ويحق لنا ان نرفض الاتفاق وان نقدّم مذكرات الى الامم المتحدة والمرجعيات الدولية نشرح فيها الظلامة التي لحقت لبنان في هذا الترسيم، وهذا ما نعمل عليه الآن لكي يستعيد لبنان ما أُهدِر او اغتصِب من حدوده وحقوقه».