رامي الريس

قراءة في اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل – رامي الريس – الشرق الأوسط

لا يمكن بأي شكل من الأشكال التقليل من أهمية اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي حصلت بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي بعد حقبة طويلة من التفاوض وصلت إلى ذروتها في الأيام الأخيرة، بعد أن كانت تصاعدت بوتيرة أكثر سرعة وفاعلية منذ العام المنصرم، خصوصاً أنها تأتي في لحظة سياسية دولية ملتهبة، على وقع التصعيد المتنامي في الحرب الروسية – الأوكرانية التي تأخذ أبعاداً أكثر تعقيداً في ظل انسداد الحلول السياسية لهذا النزاع الدامي.

إذا كان الانقسام الإسرائيلي الداخلي قد استعر في الأسابيع القليلة الماضية على خلفية المشهد الانتخابي الداخلي، وما تنطوي عليه في مرحلة كهذه الحملات الإعلامية والشعبية؛ فإن الموقف اللبناني الموحد كان لافتاً للنظر، لا سيما لناحية الانكفاء الشكلي لـ«حزب الله» و«ترك» التفاوض للدولة اللبنانية.




لا يمكن لعاقل أن يتوقع أن تسير الحكومة اللبنانية بهذا الاتفاق التاريخي من دون «موافقة» من «حزب الله»، الذي أصبحت سيطرته على القرار الوطني اللبناني شبه تامة للعديد من الأسباب؛ أولها، بطبيعة الحال، امتلاكه لترسانة عسكرية ضخمة تجعل من موازين القوى المحلية اللبنانية شديدة الاختلال. ويمكن القول إنه لولا حرية الرأي والتعبير التي لا تزال متاحة إلى حدود بعيدة في لبنان بحيث لا تزال ترتفع الأصوات المناوئة لمشروعه، لكان الإطباق كاملاً على مختلف مفاصل الحياة السياسية اللبنانية.

المهم الآن أن لبنان حقق اختراقاً مهماً هو بحاجة ماسة إليه، لا سيما على ضوء تدهور أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية ودخوله في حالة من الانهيار الكبير وتراجع قيمة عملته الوطنية وبلوغ معدلات التضخم مستويات غير مسبوقة، وهي التي تترك آثاراً مدمرة على مختلف الشرائح الاجتماعية اللبنانية التي لامست حدود الفقر بغالبيتها الساحقة.

يُقال في اللهجة العامية اللبنانية مصطلح «زمط»، أي سلك أمرٌ ما مساره بأعجوبة ما. قد يكون لبنان قد «زمط» فعلاً بهذا الاتفاق الذي يُعتبر التقليل من أهميته بمثابة جلد الذات أو ممارسة النكد السياسي، ولكن هذا لا يلغي سؤالاً جوهريّاً مشروعاً: ماذا لو لم تتقاطع في هذه اللحظة بالذات مصلحة الدولة اللبنانية مع مصلحة «حزب الله»؟ هل كان سيسلك هذا الاتفاق مساره أم أنه سيتعثر بفعل «فيتو» القوة السياسية والعسكرية الأولى في لبنان؟

واستطراداً، ماذا لو لم يوافق الراعي الإقليمي لطهران على هذه الاتفاقية في هذا التوقيت أيضاً أو أنه رغب في توظيفها لمصلحة ملف من الملفات التي يتفاوض عليها مع الغرب في فيينا أو أي ملف إقليمي آخر؟ عملياً، ما الذي كان يمنع حدوث ذلك؟ أو بشكل أكثر وضوحاً: أي إمكانيات سياسية كانت تتوفر للبنان لو جوبه بهذا الرفض من محور الممانعة، خصوصاً أن الرئيس اللبناني ميشال عون الذي تشارف ولايته على الانتهاء آخر شهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي أكد مراراً التلازم بين خطاب أركان ذاك المحور وبين الخطاب الرسمي اللبناني، وهو ما أوقع لبنان عملياً تحت عزلة عربية ودولية شبه تامة!

ثمّة معطى آخر لا يمكن إغفاله في أي قراءة لظروف هذا الاتفاق ومآلاته المستقبلية يتصل بما يمكن تسميته «القوة الناعمة» التي مثلتها الطائرات المسيرة التي حلقت فوق حقل «كاريش» في لحظة شديدة الحساسية والدقة. وطالما أن هذه الخطوة قد أسهمت في مكان معين في تقوية الموقف التفاوضي اللبناني، فإن الحاجة لاستيعاب السلاح من ضمن المنظومة الرسمية وفي كنفها تتأكد بفعل هذه الأحداث.

ليس مطروحاً نزع هذا السلاح بالقوة، لأنه سيكون بمثابة دعوة صريحة لحرب أهلية جديدة في لبنان، وأساساً ليس هناك إمكانية لذلك. المطلوب الاستفادة من عنصر القوة هذا ليصب في المصلحة الوطنية اللبنانية الصرفة من دون أن يتأثر بالعوامل الخارجية وأولويات المحاور الإقليمية ومشاريعها، التي لا تتقاطع حتماً في جوهرها وعقيدتها مع رسالة لبنان ودوره وتطلعاته.

ثمّة جانب آخر لا يقل أهمية بالنسبة للبنان واللبنانيين، وهو يتصل بطريقة وآلية إدارة هذا القطاع الحيوي الذي قد تنتج عنه ثروات تُقدّر بمليارات الدولارات، وهنا تبرز حتمية إنشاء شركة نفط وطنية، أسوة بالدول النفطية الأخرى بحيث لا تُلتهم العائدات المالية المنتظرة من قبل القطاع الخاص (مع ما قد تكون عليه هوية الشركات المستفيدة من حيث امتلاكها بشكل مباشر أم غير مباشر من قبل جهات سياسية نافذة).

كما أن الشفافية والحوكمة الرشيدة والقوانين والأنظمة التي تحفظ الحقوق اللبنانية وتنظم إدارة القطاع بشكل لا يتسلل إليه أي شكل من أشكال الشك بالسرقة أو الهدر أو الفساد، يفترض أن تحتل الأولوية في الحقبة المقبلة كي لا تُهدر ثروات الأجيال المقبلة من اللبنانيين، وتفوتهم الفرصة التاريخية للخروج من الأزمات التي تلاحقهم منذ عقود طويلة.

إن غداً لناظره قريب.