أيّام النور وأيّام الظلام – مروان اسكندر – النهار

فترة الستينيات حتى أواسط السبعينيات شهدت صدامات ما بين تشكيلات فلسطينية والجيش ال#لبناني، ورغم ذلك كان مناخ العمل في لبنان مشجّعاً للمؤسّسات العالمية خاصّة منها المصارف وشركات #إدارة الأموال وشركات التأمين.

ذكرنا في مقال سابق أن عدد المصارف الأجنبية عام 1974 بلغ حسب كتاب متوافر 68 بنكاً، كذلك شركة التأمين الأميركية AIG أنجزت مكتباً لها على طريق المطار وضع تصميمه مهندس معماري متميز من الجنسية البريطانية، وبقي هذا المركز الاقليمي للشركة حتى عام 1975 حينما قررت الإدارة الانتقال الى قبرص للعمل إقليمياً.




فترة النور شهدت إنجاز خطوط #النفط السعودية الى لبنان عبر الجولان ومن العراق عبر الاردن وسوريا الى لبنان، وكانت لنا مصفاتان في طرابلس وصيدا، وحصلنا في أول السبعينيات على تسهيلات من العراق بتجميد سعر النفط الخام على مستوى 2.2 دولار للبرميل، واستمرت عمليات الاستيراد على هذا المستوى رغم أن سعر النفط ارتفع منذ عام 1973 نتيجة قرارات الملك فيصل حجب تصدير النفط الى الولايات المتحدة وهولندا لمناصرتهما إسرائيل في حرب 1973، وقد بلغ سعر النفط حوالى عام 1975 أكثر من 60 دولاراً للبرميل والعراقيون التزموا بسعر التسليم المتفق عليه أي 2.2 دولار للبرميل.

ربما عام 1974 خلال رئاسة المرحوم رشيد كرامي للوزارة اقترحت عليه رفع أسعار البنزين احتياطاً لارتفاع سعر الخام المستورد بعد 1978 عام انتهاء اتفاقنا مع العراق، فأشار باستمرار السعر وكان لبنان في ذلك الوقت يحقق وفراً على حساب الميزانية.

بعد 1975 ولفترة انقضت في خريف 1982 تاريخ إخراج عرفات وفريقه من لبنان بسب احتلال إسرائيل للجنوب حتى بيروت، كان لبنان يعاني من عدم استقرار الوضع السياسي والأمني، والاقتتال الطائفي البشع والاغتيالات المتنقلة وسيطرة فئات التقاتل كل فريق منها على منطقة معينة، وكانت المعونات تتدفق للفلسطينيين المقاتلين لا فقط لفريق عرفات، وتوافرت أموال من ليبيا القذافي ومن تبرّعات تحصّلت للمقاتلين الفلسطينيين في الكويت وقطر والى حدّ ما السعودية.

بعد انسحاب الفرقاء الفلسطينيين أصبح أمر السيطرة على الشأن العام في أيدي ممثلي الرئيس حافظ الأسد على الأرض، وهم انتشروا منذ 1975 لأجل ضبط القتال بين الفلسطينيين والقوات اللبنانية أو فريق القتال لحزب الكتائب حينذاك.

لقد كان لبنان البلد العربي الوحيد الذي ينعم بنظام اقتصادي حرّ ويستقطب مؤسسات التعليم ومن أهمّها الجامعات المتميزة كالجامعة الاميركية والجامعة اليسوعية وكلية الإناث الاميركية التي تحولت في ذلك التاريخ الى جامعة للإناث والذكور.

الظلام حلّ على لبنان مع اختيار الرئيس أمين الجميّل الذي انتُخب بعد اغتيال شقيقه بشير الذي كان قائداً لقوات مجابهة الفرق الفلسطينية وحظي بدعم من الخارج منه توافر أسلحة لجبهته من إسرائيل، ويوم انتخابه في آب 1982 أعلن بشير الجميّل أنه سيتعامل مع جميع الفرقاء اللبنانيين بالتساوي، وقد اغتيل بعد أيام من انتخابه لأنه تلبّس لباس الحداثة والعدل وهو كان محامياً.

الرئيس أمين الجميّل اختار ميشال عون لقيادة الجيش وقد واجه الجيش فرقاء فلسطينيين في معارك أساسية منذ عام 1973. وبعد ترحيل الفلسطينيين واستقبال وحدات أميركية وفرنسية للإسهام بتثبيت الأوضاع، كان هنالك توجّه نحو تقوية العلاقات مع الأميركيين، ومواجهة السوريين، لكن سوريا كانت قد اختارت مساندة إيران في حربها ضدّ صدام حسين ومن بعد انضمّت الى قوات تحرير الكويت بعد احتلالها من العراق بأوامر من صدام حسين، واستقر رأي القيادة الاميركية على كسب مساندة السوريين لمحاولة إنجاز اتفاقات مع سوريا ومصر. وكان السادات قد سبق السوريين بعد حرب 1973 الى عقد اتفاقات سلام مع إسرائيل عام 1978، والرئيس السوري حافظ على اتفاقية الهدنة التي كان قد توصل إليها هنري كيسنجر مع حافظ الأسد… وبقي لبنان معلقاً بالسيطرة السورية حتى انسحاب السوريين من لبنان في نيسان 2005 بعد اغتيال رفيق الحريري.

لا شك في أن رفيق الحريري أسهم بإعادة بناء أجهزة أساسية للبنان كمجمع الجامعة اللبنانية ومطار بيروت وإعادة بناء وسط بيروت الذي كان قد شهد معارك من أشرس مواجهات الحرب اللبنانية.

بعض اللبنانيين ممّن تجاوزوا سن الـ50 يذكرون المعارك الضارية التي جرت بين المقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين، خاصة في مجمع السان شارل المتاخم لفندق فينيسيا، والذي هو حتى تاريخه أكبر مجمع لمشروع متكامل للفندقة والمكاتب، وكان هنالك حوالى 50 شركة مستأجرة في المبنى تنتمي الى شركات كبرى خاصة منها اليابانية، وجميع هؤلاء غادروا في فترة الظلام التي حلت على لبنان خلال سنوات السيطرة السورية.

بعد اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط 2005 أصبحت السيطرة السياسية للفرقاء الطائفيين وأقرب الفرقاء للسوريين كانوا مسيطرين على الأوضاع وبالتالي وحتى انسحاب السوريين في نيسان 2005 ورغم إنجاز اتفاق الطائف، وصياغة دستور جديد في أيلول 1989 تعاظمت الفروقات السياسية وأصبحت هنالك سيطرة لفريق يدعو الى اعتماد الممانعة لمجابهة إسرائيل وليس هنالك ممانعة سوى لدى إيران، وهي نظرية، وسوريا التي يدعو رئيسها القوات الإيرانية والروسية إلى عدم الرد على الاعتداءات الاسرائيلية ونحن نبالغ في استعادة تعاليم قانون مقاطعة إسرائيل ونبحث عن النور ولا نشهده في هذا العهد.