صحيفة عبرية: الاتفاق مع لبنان الأكثر جدوى بالنسبة لإسرائيل… “شراء الهدوء بالمال”

الاقتصادي البريطاني الذي انضم للبعثة البريطانية من أجل التوقيع على معاهدة فرساي في 1918 استقال من منصبه احتجاجاً على الشروط المجحفة التي فرضت على ألمانيا في الاتفاق. فقد حذر من أن التعويضات الباهظة التي فرضت على ألمانيا دفعها الى انهيارها الاقتصادي وبذلك ستنشأ الظروف لاندلاع حرب أخرى.
بعد ربع قرن وبعد أن تحققت نبوءته عند اندلاع الحرب العالمية الثانية وأصبح هذا الاقتصادي مشهوراً باعتباره الاقتصادي الأهم في القرن العشرين، جون ماينرد كينز، استوعبت أمريكا الرسالة. الحرب العالمية الثانية لم تنته باتفاق تضمن تعويضات عقابية فرضت على ألمانيا، بل العكس. فبعد احتلال ألمانيا تم الاتفاق على خطة تعويضات ضخمة لإعادة إعمارها وهي خطة “مارشال”.
الأمر الذي أدركه كينز في 1914 هو يسري اليوم ايضاً: المال لا يعتبر سبباً للحرب. العكس هو الصحيح. المال هو أداة ممتازة لمنع الحرب، والاستراتيجية السياسية الأكثر نجاعة هي شراء الهدوء بالمال. هذه هي الاستراتيجية الموجودة أمام إسرائيل في هذه الأثناء في الاتفاق مع لبنان حول الحدود البحرية.
الاتفاق هو اتفاق اقتصادي. فإسرائيل تتنازل للبنان عن مياه إقليمية يوجد فيها خزان غاز، هو خزان قانا. حجم الخزان غير معروف في هذه المرحلة، لكن قيمته تقدر بنحو 20 مليار دولار (5 مليارات دولار بالمفاهيم الآنية). رغم أن هذه هي القيمة القصوى للخزان فإنه من البداية إسرائيل لم تدع بأن كل الخزان يعود لها، وأنه في العام 2013 وافقت على التنازل عن جزء آخر منه. مؤخرًا وافقت على التنازل عن 20 في المئة أخرى. أي في الاتفاق الحالي إسرائيل تتنازل عن 4 مليارات دولار بمفاهيم جارية، أقل بمليار دولار بالمفاهيم الآنية.
لا يوجد أمر غير معقول أكثر من أن الدولة تغلي حول تنازل اقتصادي يبلغ ملياراً أو ملياري دولار على الأكثر. هذا مبلغ هامشي، ولا شك أنه إذا نجحت إسرائيل في الحصول على الهدوء أمام لبنان بمبلغ ملياري دولار فإن هذا هو أحد الاتفاقات الاستراتيجية الناجحة لها في تاريخها، واستثمار ضخم بالنسبة للبدائل الأخرى. الحروب، فقط من أجل المتعة، تكلف إسرائيل خسائر بمبلغ 7 – 30 في المئة من إنتاجها، احياناً على مدى سنوات. ويرافق ذلك خسارة بالأرواح والتسبب بضرر لمكانتها الدولية وبالأساس المس بالمبادرة التجارية.
البروفيسور يوسي زعيرا مؤلف كتاب “اقتصاد إسرائيل”، قدّر بأن الحروب كلّفت إسرائيل بوليصة مخاطرة تقلص الرغبة في الاستثمارات بنحو 26 في المئة من الناتج بشكل ثابت (فقدان مداخيل بمبلغ 100 مليار دولار كل سنة).
إنجاز أمني مهم
حسب تقدير غيورا آيلاند، الجنرال احتياط ورئيس هيئة الأمن القومي السابق، الذي رسم خط الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان في العام 2000، فإن الحديث يدور عن صفقة أحلام. وهو يقدر بأن حزب الله قد استخدم “سرقة غاز لبنان من قبل إسرائيل” كذريعة لاندلاع الحرب. هذا هو المبرر المثالي من ناحية حزب الله كي يميط عن لبنان الضرر الأفظع، الحرب مع إسرائيل، وذريعة لبنان الداخلية لذلك. هذا هو السبب أيضاً في أنه منذ 2010 لبنان لم يوقع مع إسرائيل على اتفاق لترسيم الحدود البحرية لأن حزب الله لم يسمح بذلك. الأمر الذي تغير في السنة الأخيرة هو بالطبع الوضع الاقتصادي في لبنان. انهيار اقتصاد لبنان حوّل المداخيل المحتملة من الغاز إلى خشبة إنقاذ، ولم يبق أمام حزب الله أي خيار عدا عن رفع الفيتو فيما يتعلق بالاتفاق مع إسرائيل.
أهمية الاتفاق الجيوسياسية
هناك تفسير آخر وهو تفسير نتنياهو: استخذاء رئيس الحكومة لبيد الذي خضع لتهديد الطائرات المسيرة التي أطلقها حزب الله على الطوافة في حقل كاريش ووافق على كل طلبات لبنان. أيضاً من أجرى المفاوضات مع لبنان حتى العام 2019، وزير الطاقة السابق يوفال شتاينيتس، هاجم لبيد بسبب ذلك وقال: “الحل الوسط هو أننا نقوم بتقسيم شيء، بهذا القدر أو ذاك، من المنتصف، وليس أن يحصل لبنان على كل شيء ونحن لا نحصل على أي شيء”.
شتاينيتس محق بشكل مبدئي. إسرائيل حقاً تنازلت تقريباً عن كل طلباتها فيما يتعلق بحقل قانا. ومن طلبها الأول، 57 في المئة، بقي فقط 17 في المئة. ولكن نحن وافقنا على التنازل عن 20 في المئة من الخزان في فترة نتنياهو في 2013. أي التنازل الإضافي الآن هو عن 20 في المئة إضافية من الخزان. وفي كل الحالات التكلفة المالية لكل هذا الحدث هي بضعة مليارات فقط. هي قليلة جداً بالنسبة للأهمية الجيوسياسية لهذا الاتفاق.
أيضاً ادعاء التنازل عن 57 في المئة من الخزان لا يعتبر ادعاء صلباً. لا توجد أي حدود في المياه الإقليمية مفتوحة أمام كل سفينة، وفي الأصل الدول تقسم المياه الإقليمية في اتفاقات بينها. بشكل عام هذه الاتفاقات تكون مطلوبة فقط عند اكتشاف خزانات غاز في المياه، حيث البحر المفتوح تصبح له فجأةً اهمية اقتصادية. وإلا فإنه لن يهتم أي أحد بما يحدث هناك. إذاً، إسرائيل تنازلت عما أرادت أن يكون لها، لكنه لم يكن في أي يوم لها (وأيضاً لم يكن للبنان أو لقبرص).
في المقابل، هناك قانون دولي واضح بخصوص المياه الإقليمية: قطاع المياه الذي يمتد لمسافة 12 ميلاً بحرياً (22 كم عن الشاطئ)، رغم أن المياه الإقليمية توجد تحت سيادة إسرائيل إلا أنه لم يكن حتى الآن أي خط حدود مياه واضح بينها وبين لبنان. في العام 2000 حدد آيلاند بشكل أحادي الجانب الحدود في البحر ووضع طوافات على طولها لغرض القيام بدوريات سفن سلاح البحرية. لبنان لم يوافق في أي يوم على خط الطوافات وفي الاتفاق الحالي هو يوافق للمرة الأولى على هذا الخط (موافقة شبه رسمية)، هذا إنجاز أمني مهم لإسرائيل.
الهدوء أفضل من الحرب
نقطة الضعف الوحيدة في الاتفاق هي موافقة إسرائيل على تغيير خط الطوافات الذي يبدأ من الكيلومتر 6 (كم 6 حتى كم 22 على طول 17 كم)، نحو 300 متر باتجاهها. بالإجمال، نحو 6 كم مربعة من المنطقة الجغرافية المفترضة لإسرائيل تم اعطاؤها للبنان. رغم أنه لا يوجد لهذه الموافقة أي أهمية أمنية، لأن التغيير هو 300 متر فقط، إلا أنه توجد لذلك أهمية رمزية وقانونية. من غير المؤكد أن حكومة انتقالية يمكن أن توافق على التنازل عن 6 كم من المياه الإقليمية.
شتاينيتس يحذر من أن التنازل عن 6 كم مربعة هو سابقة خطيرة لإسرائيل أمام دول المنطقة كدولة يسهل جعلها تقدم تنازلات جغرافية. ربما يكون شتاينيتس على حق، لكن الحديث يدور عن تنازل ليست له أهمية أمنية أو اقتصادية. في المقابل، حصلنا على اتفاق مع لبنان حول خط الحدود بيننا. وكما قلنا إمكانية كامنة مهمة لهدوء نسبي إزاءه. شتاينيتس أيضا قال بأن إسرائيل تنازلت عن مياه إقليمية تبلغ 850 كم مربعاً، التي لا يعرف ما هي كميات الغاز التي ستكون فيها. يجيب عن ذلك فقط أصحاب القدرة على التنبؤ وعلى أي حال هذا يعيدنا إلى كنز. فليس هناك استراتيجية سياسية أكثر نجاحاً من شراء الهدوء بالمال. كلما كانت للبنان مصالح اقتصادية أكثر في البحر القريب منا فستقل المخاطرة باندلاع حرب معه.
وبالتحديد تنازلات إسرائيل ورؤية الاتفاق كإنجاز للبنان وهزيمة لإسرائيل تعزز الإمكانية الكامنة للهدوء. حزب الله من الأسهل عليه قبول الاتفاق والتلويح به أمام اللبنانيين على اعتبار أنه إنجاز سياسي له. في نهاية المطاف إسرائيل تنازلت عن 6 كم مربعة من مياهها الإقليمية التي لا توجد لها أهمية وفقدت إمكانية كامنة لغاز يقدر ببضعة مليارات من الدولارات وفي المقابل حصلت على موافقة على الحدود البحرية وإمكانية كامنة مهمة لهدوء نسبي مع لبنان. إذا كانت هذه هزيمة فإن الأمر يتعلق بهزيمة مجدية جداً حدثت لنا على الإطلاق. أي اقتصادي مبتدئ (حتى لو لم يكن كينز)، وأي سياسي عقلاني (الذي ليس هو نتنياهو) يدرك ذلك.
ميراف أرلوزوروف
هآرتس 13/10/2022