بعد دراسة “مخيفة”.. لبنانيون يطلبون حماية دولية من “الغبار القاتل”

“إذا سرتم اليوم في شوارع بلدة فيع (شمال لبنان) وسألتم الناس، قد لا تجدون منزلاً يخلو من إصابة بمرض السرطان، فتعرض السكان لهذا الكم من الغبار يومياً، على تلك المدة الطويلة، يغير في جيناتهم، بحسب الخبراء، ويجعلها أكثر قابلية للإصابة بالسرطان، ويؤثر أيضاً على الأجيال المقبلة منهم.” وفق ما يؤكد الناشط البيئي فارس ناصيف.

ويضيف رئيس جمعية “وصية الأرض” لموقع “الحرة” أن الأمر نفسه ينطبق على بلدات شكا وكفرحزير ومعظم ما يسمى “بلدات الطوق”، والمقصود بها عدد من بلدات الخط الساحلي المحيطة بالمنطقة الصناعية وشركات الإسمنت في شكا، حيث “ينخفض معدل أعمار الإصابة بالسرطان إلى حد الـ 30 والـ 20 عاماً، فضلاً عن انتشار كبير للربو والأمراض التنفسية.”




هذا الواقع كان مسؤولاً عن اتجاه ابنة بلدة فيع، غوى النكت، نحو النشاط البيئي في عمر مبكر، لتصبح اليوم المديرة التنفيذية لمنظمة “غرينبيس” في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وذلك بعدما كانت طفولتها شاهدةً على نسب السرطان المخيفة المسجلة بين أبناء بلدتها.

الدراسة أجرتها منظمة غرينبيس
الدراسة أجرتها منظمة غرينبيس

وتؤكد في حديثها لموقع “الحرة” أن من بين 15 عائلة كان هناك 11 عائلة مسجل فيها إصابات بالسرطان، مضيفة: “أثر بنا هذا الأمر بشكل شخصي، وأصاب أصحاباً وأقارب لنا، وأنا من بين الأشخاص الذين عانوا من ربو ومشاكل تنفسية في صغري وكبرت مع هذه المشاكل، كان الأثر الصحي أول ما واجهته في طفولتي، كنا نشم الرائحة في منازلنا حين يشغلون المعمل”.

ويعود السبب في ذلك إلى الكمية الكبيرة من الانبعاثات التي تشهدها المنطقة تاريخياً، لاسيما تلك الناتجة عن نشاط شركات الإسمنت التي لا زالت تستخدم “البيتروكوك” (الفحم الحجري ( لتشغيل أفرانها، والمقالع المنتشرة لصالحها في تلال المنطقة، مع ما يؤدي إليه ذلك من تلوث في المحيط الذي بات مشكلة مزمنة لسكان المنطقة تعود في الزمن إلى ثلاثينيات القرن الماضي، فيما تحجم السلطات اللبنانية عن حلها منذ ذلك الحين وحتى اليوم.

غوى النكت اتجهت النشاط البيئي بعمر مبكر، لتصبح المديرة التنفيذية لمنظمة "غرينبيس" بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا
غوى النكت اتجهت إلى النشاط البيئي بعمر مبكر، لتصبح المديرة التنفيذية لمنظمة “غرينبيس” بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا

وبحسب تقرير صادر عن جمعية “غرين غلوب” عام 2019، تصدرت منطقة شكا، قائمة أكثر المناطق اللبنانية تلوثاً، حيث تشهد بالتوازي تلوثاً كبيراً للهواء والمياه والشواطئ، بالإضافة إلى تشويه عمراني وتشويه نهائي، ووضع التقرير شركات الإسمنت والمقالع والكسارات في رأس قائمة مسببات التلوث في تلك المنطقة، بالإضافة إلى مياه الصرف الصحي ومولدات الكهرباء.

دراسة “مخيفة”

الجديد في هذه القضية، دراسة أصدرتها منظمة “غرينبيس” قبل أيام، بعد عمل عليها دام لنحو سنتين، بالتعاون مع جامعة البلمند ومنظمة “وصية الأرض”، توثق نتائجها خطورة تلوث الهواء القائم في تلك المناطق حالياً، من خلال قياس منسوب الجسيمات الدقيقة المعروفة باسم PM2.5 العالقة في الهواء، والتي تشمل كل مادة جسيميّة يبلغ قطرها أقلّ من 2.5 ميكروميتر، حيث يسمح لها صغر حجمها بالتغلغل داخل الشعيبات الرئوية، ما يؤدي إلى تداعيات خطرة على صحة الإنسان.

والمسح الذي أجري في لبنان بين 22 سبتمبر 2019 و11 ديسمبر 2020، تطلب تحليله والخروج بنتائجه وقتا طويلاً لكونه احتاج إلى مجهود كبير وارسال العينات لفحصها في مركز البحوث التابع لمنظمة “غرينبيس” في لندن، ليقوموا بالتحليل إلى جانب جامعة البلمند، وفق ما تؤكد المديرة التنفيذية للمنظمة.

واستخدم في القياس جهاز Thermo Scientific من طراز aDR-1500 لرصد الجسيمات، في موقعَيْن في شمال لبنان.  في حين عملت شركة Thermo Scientific على معايرة الجهاز في المملكة المتحدة قبل وضعه في الخدمة، وفق “غرينبيس”.

وأجريت مرحلة الرصد الأولى في بلدة كفرحزير، الواقعة على بُعد 6 كلم شرقي بلدة شكا الساحلية و15 كلم جنوبي مدينة طرابلس، واستمر من سبتمبر 2019 حتى 10 يونيو 2020.

وأما المرحلة الثانية فقد أجرَيت في بلدة فيع التي تقع بدورها على بعد 6 كلم شمال شرقي بلدة شكا الساحلية و11 كلم جنوبي مدينة طرابلس، واستمرت بين 15 يونيو و11 ديسمبر 2020.

وتضمّ المنطقة المحيطة بهاتين البلدتين تجمّعات سكانية صغيرة، وغطاءً نباتيًا مفتوحًا، وبساتين زيتون، كما تجري فيها عمليات استخراج الحجر الجيري.

ونشرت الدراسة رسوماً بيانية تظهر المتوسط اليومي لتركيز الجسيمات PM2.5 الذي سجّله الجهاز في كفرحزير وفيع.

(الرسوم البيانية: مصدرها دراسة غرينبيس)

 

وعرضت موجزًا مفصلًا لنتائج الرصد، إلى جانب عدد التجاوزات للمبادئ التوجيهية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية بشأن المتوسط اليومي للتركيزات في كفرحزير وفيع.

الجدول: مصدره دراسة غرينبيس

وكان سبق أن نشرت منظمة الصحة العالمية مبادئ توجيهية بشأن الجسيمات من نوع PM2.5، أعِدَّت بهدف حماية الصحة العامة، تتضمّن توجيهات خاصة بالمتوسّط السنوي للتركيزات وأخرى بالمتوسط اليومي للتركيزات. حيث يُستحسن عدم انتهاك التوجيهات للمتوسط اليومي أكثر من 3 إلى 4 أيام في السنة.

كذلك، كانت قد أصدرت وزارة البيئة اللبنانية القانون رقم 78 لعام 2018 بشأن “حماية نوعية الهواء”، الذي يربط التوجيهات حول جودة الهواء المحيط في لبنان بالمبادئ التوجيهية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، وبالتالي ينبغي تقييم جودة الهواء في لبنان بناءً على تلك المعايير.

الدراسة كشفت أنّه تمّ تجاوز المستوى اليومي المّحدَّد طبقا لمعايير منظمة الصحة العالمية بشكلٍ متكرر أثناء عملية الرصد في بلدة كفرحزير، كما بقي المتوسّط اليومي للتركيزات أعلى من المستوى الذي حدّدته منظمة الصحة العالمية طوال مدّة الرصد باستثناء 3 أيام، ما يشير إلى احتمال تجاوز المتوسط السنوي للتركيزات أيضًا.

أما في بلدة فيع، فقد تجاوز المتوسط اليومي لتركيزات الجسيمات من نوع PM2.5 معايير منظمة الصحة العالمية معظم الوقت، وظلّ دائمًا أعلى من القيمة المحدّدة في المبادئ التوجيهية للمتوسّط السنوي لمنظمة الصحة العالمية. ويُشير ذلك مجدّدًا إلى أنه يُحتمَل تجاوز المتوسط السنوي الذي تنصّ عليه المبادئ التوجيهية، وفق الدراسة.

عندما وُضِعَ جهاز الرصد في بلدة كفرحزير لمدة 263 يومًا خلال فترة الدراسة الأولى، تم قياس 162 تجاوزًا لمبادئ توجيهية منظمة الصحة العالمية للمتوسّط اليومي 62 في المئة من الأيام، بحسب “غرينبيس”، وبلغ الحدّ الأقصى للمتوسّط اليومي الذي تم تسجيله 69 ميكروغرام في كل متر مكعّب، ويتجاوز هذا الرقم بأشواط المستوى الذي حدّدته منظمة الصحة العالمية، أي 15 ميكروغرام/متر مكعّب. فيما المستوى المتوسّط خلال فترة الرصد الممتدّة بين 22 سبتمبر 2019 ويونيو 2020 بلغ 21 ميكروغرام/متر مكعب.

وفي بلدة فيع خلال فترة الدراسة الثانية، تم تسجيل ما مجموعه 107 من القيم اليومية لجسيمات PM2.5 مع 85 تجاوزًا لمبادئ منظمة الصحة العالمية بشأن المتوسط اليومي في 79 في المئة من الأيام. وبلغ الحد الأقصى للمتوسط اليومي الذي تم تسجيله 56 ميكروغرام في كل متر مكعب في السادس من يوليو 2020. ويتجاوز هذا التركيز بأضعاف الحد المسموح به من منظمة الصحة العالمية (15 ميكروغرام) بشأن المستوى اليومي.

وبلغ معدّل القيم المتوسّطة اليومي خلال فترة الرصد الممتدّة من يونيو 2020 حتى ديسمبر 2020، 23 ميكروغرام في كلّ متر مكعّب، غير أنه مرّت فترات طويلة لم يتم تسجيل خلالها أي قيم.

وتُبيِّن هذه النتائج أنّه ثمّة احتمال كبير أن يتمّ تخطّي معدّل المتوسط السنوي الصادر عن منظمة الصحة العالمية، أي 5 ميكروغرام/متر مكعب في البلدتين. ويرجَّح أن تكون المستويات المرتفعة من الجسيمات التي تم رصدها في هذه الدراسة ناجمة عن مصادر انبعاثات محلية وإقليمية عدّة، بما في ذلك الأنشطة الصناعية في منطقة الدراسة، ويُذكر أنّ عملية تصنيع الإسمنت تُعدُّ واحدًا من أبرز العوامل المساهمة في التلوّث الإقليمي بالجسيمات وفق دراسات وتقارير صادرة عن اليونيسف وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في العام 2021.

إنذار خطير

ترى المديرة التنفيذية لـ “غرينبيس” أن نتائج الدراسة تمثل انذاراً بالغ الخطورة، “فما تبينه مخيف جداً بكافة المعايير، تخيل أن منظمة الصحة تحذر من استثناء تخطي هذه المعدلات لأكثر من ٤ أو ٥ مرات سنوياً، فيما أظهرت نتائج منطقة كفرحزير لوحدها تخط كبير على مدى ٩ أشهر وبمعدلات مرتفعة جداً عن المسموح به.

وتضيف: “هذه الجزيئيات خطيرة جدا على الصحة، فبحسب آخر دراسة عن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن تلوث الهواء يتسبب بأكثر من ٧ ملايين حالة وفاة مبكرة حول العالم، والسبب الأخطر في تلوث الهواء هي الجزيئيات الصغيرة PM2.5.”

وتلفت النكت إلى أن تجاوز النسب المسموح بها لانتشار هذه الجزيئيات، على فترة طويلة، يؤدي إلى تأثيرات كارثية على صحة الناس، حيث تؤدي إلى الموت المبكر، وتزيد من احتمالات الإصابة بأمراض القلب، وتضرب عمل الرئتين والجهاز التنفسي ولهذا السبب تزيد حالات الربو والمشاكل التنفسية، فضلاً عن الأخطر بكونها مسبب رئيسي للسرطانات إذ تؤدي إلى طفرات جينية وتزيد من الخلايا المسببة للسرطان.

وهذه الجزيئيات، وفق الدراسات، تصل إلى مجرى الدم وإلى القلب، وإلى غشاء الرئتين، ويصل تأثيرها إلى الأجنة الذين لم يولدوا بعد، حيث تصل هذه الجزيئيات إلى “البلاسينتا” وتؤدي إلى تشوهات ويولد الطفل متشبعا بهذا التلوث، وفق النكت.

وكانت منظمة “غرين بيس” قد أصدرت تقريراً عام 2020، بشأن الكلفة الاقتصادية التي تتكبدّها دول العالم من تلوّث الهواء، بحيث وصلت الكلفة السنوية في لبنان إلى 1.4 مليار دولار أميركي، أيّ 2% من الناتج المحلي الاجمالي (gdp) ليتبيَّن أنه من بين الأعلى في المنطقة، إلى جانب مصر.

وقدّر التقرير عدد الوفيات المبكرة سنويًا في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بحوالي 65,000 حالة، من جرّاء تلوّث الهواء. وقد بلغ متوسط العدد التقديري للوفيات المبكرة في لبنان نتيجة تلوّث الهواء 2,700 حالة في العام 2018، أي بمعدّل 4 وفيات لكل من 10,000 شخص، وتعتبر بذلك أيضاً من أعلى المعدلات في المنطقة.

ويذكر أن جودة الهواء تعتبر عامل الخطر الرئيسي الرابع الذي يؤدي إلى الوفاة المبكرة عالميًا بحسب تقرير لمعهد الآثار الصحية HEI، عام 2020، مما يجعلها أبرز عامل بيئي يُسبّب الوفاة المبكرة على مستوى العالم وفق منظمة الصحة العالمية، كما صنفت الوكالة الدولية لبحوث السرطان تلوث الهواء المحيط، وخصوصًا الغبار المنقول جوًّا، على أنه مسرطن للإنسان.

تدمير للمحيط

ولا تقتصر أضرار هذه الملوثات والانبعاثات على صحة الإنسان فحسب، بل تمتد إلى كافة العناصر الطبيعية المحيطة، من الهواء إلى المياه والتربة فضلاً عن تشويه المشهد الطبيعي العام، وفي هذا السياق تلفت النكت إلى دراسات تشير إلى تأثير هذه الجزيئيات على توازن العناصر والمعادن في التربة والمياه، وتسأل “كيف ستكون حالة منطقة تتعرض لهذه الجزيئيات لأكثر من ٥٠ عاماً بشكل مستمر؟”

من جهته يكشف ناصيف الذي سبق أن شغل منصب رئيس بلدية أميون، أن تربة المنطقة كلها تعرضت للتخريب بسبب شركات الاسمنت، ويضيف “في أميون مثلاً يكفي نظرة جوية إلى الجبال التي عملوا فيها ليظهر التأثير، حيث لم يعد ينمو فيها شجرة واحدة، فضلاً عن الحرائق المفتعلة التي دائما ما تسبق بدء عمل الشركات في نقطة معينة بسنوات، فيما يبقى المفتعل مجهولاً.”

الدراسة أجرتها منظمة غرين بيس

وتلفت النكت أن التأثير الثاني بعد الصحي على بلدة فيع، كان انخفاض الإنتاج الزراعي بشكل كبير وملحوظ، “حيث بات من النادر الوصول إلى بساتين منتجة كما كانت في السابق. خاصة على صعيد زراعة الزيتون لإنتاج الزيت، المشهورة به منطقة الكورة، انخفض الإنتاج كثيراً وتغيرت نوعية زيت الزيتون وتأثرت كل المنطقة بانخفاض الإنتاج.

وتضيف في “بلدة تحوم والبلدات المحيطة التي تضم مقالع حجرية، تظهر الصور والمشاهدة الميدانية كيف اصطبغت البساتين باللون الأبيض الناتج عن الغبار المتصاعد من تلك المقالع. فضلا عن تشويه الجبال في الكورة ومسحها نهائيا من الوجود”.

كل هذه المشاكل انعكست بشكل واضح على قيمة الأراضي والعقارات في المنطقة، التي رغم انها تتميز بإطلالة رائعة على البحر ومشاهد جبلية خلابة إلا أن التلوث الحاصل في المنطقة كان له التأثير الأكبر، وفق المديرة التنفيذية لـ “غرينبيس” التي ترى أن ما يحصل “يمثل وجهاً من أوجه اللاعدالة الاجتماعية.”

ويكشف من جهته رئيس جمعية “وصية الأرض” أن المنطقة محاذية لبلدة كفرحزير تعمل شركات الاسمنت على مساحة ضخمة تبلغ مليونين متر مربع، فيما المناطق المحضرة للعمل عليها تتجاوز الـ 4 ملايين متر مربع، ويلفت إلى أن الشركات قضت على حوالي مليون ونصف متر مربع في بلدة أميون، حيث ازالوا بساتين الزيتون المعمرة وقطعوها.”

وأما لناحية المياه، وفضلاً عن كون الجزيئيات تدخل في تركيبتها وتلوثها، فإن عمل شركات الاسمنت في المنطقة يؤثر بطرق عدة على الثروة المائية للسكان، حيث يكشف ناصيف أن بلدة بدبهون كانت تضم 17 نبعاً صغيراً، توقفت جميعها بسبب الحفريات التي تقوم بها الشركات، حيث تتعرض المنطقة للتصحر.”

كذلك ونتيجة الحفر الجائر والعميق الذي وصل حتى المياه والينابيع الجوفية، خرج نبع كبير من تحت الأرض، “حينها ومن أجل التغطية على الأمر قاموا بردم محيط الحفر، وقالوا انهم أقاموا بركة صناعية وزرعوا محيطها، وسوقوا لها كإنجاز بيئي وارسلوا الصور إلى مسؤولين ووزراء، فيما هو مخالفة موصوفة أدت إلى كشف نبع “الجرادي” وتعريضه للتلوث.

ويلفت ناصيف أيضاً إلى حجم الاستهلاك الضخم للمياه من ناحية الشركات، حيث “تحصل الشركة من نبع الجرادي على نحو 3000 متر من المياه، فيما شركة سلعاتا للكيماويات مثلاً، تحصل من هذا النبع على 20 إنش، وهي كمية مياه هائلة، مجاناً دون أي مقابل، كما هو حال باقي الشركات، فيما المواطن يدفع ثمن المياه ولا يحصل عليها.”

تفجيرات ضخمة

أما النشاط الأكثر تدميراً للمحيط فيتمثل بالمقالع والكسارات التي تعمل لصالح تلك الشركات، لاسيما لناحية التفجيرات الضخمة التي يقومون بها من أجل تفتيت الصخور واستخراج الأتربة من الجبال، والتي تتم على مقربة من المناطق السكنية، مع ما يعنيه ذلك من تأثيرات على البيوت وسكانها.

وفي هذا السياق يقول ناصيف ” لدينا دائما مشكلة لدى الدولة اللبنانية، أن أنظمتها وقوانينها على الورق جيدة جداً، لكن التنفيذ كليا مختلف، مثلا أعطت وزارة الداخلية الاذن بتفجير 50 غرام من المواد المتفجرة لشركة هولسيم، بينما في الواقع يفجرون 5000 كيلوغرام دفعة واحدة، وبالتالي يعطون الشركات مهلة للحفر شرط عدم مخالفة القوانين والشروط الموضوعة عليهم، ولكن عند العمل يخالفون كل شيء.”

ويلفت الناشط البيئي إلى أن التفجيرات تبعد عن المنازل ما بين الكيلومتر ونصف والـ 500 متر فقط، “نشعر وكأن المنازل ترتج من تحتنا، تخيل ماذا يعني تفجير ٥ أطنان من الـ TNT دفعة واحدة، فيما التفجير يجب ان يكون بالحد الأدنى بعيد 30 كلم عن المدن والمناطق السكنية، وتحت اشراف أمني على المتفجرات وكميتها، فكيف ينقص 5 أطنان متفجرات دون ان يشعر احد او يتحرك أحد بينما الإذن واضح بـ 50 غرام فقط؟”

بدورها تشير النكت إلى حصول تصدعات وتشققات في بعض المنازل في المنطقة نتيجة التفجيرات التي تتم بقربها، “فيما كل هذه المقالع غير شرعية إذ لا يفترض أن تكون قريبة إلى هذا الحد من المنازل والمناطق السكنية، فضلاً عن الصدمات والخوف الذي تتسبب به للسكان، والتشويه الجغرافي والطبيعي للمنطقة، والتي بات بنتيجتها يعجز المزارعون عن الوصول إلى أراضيهم.”

مخالفات محمية

وتعود قصة منطقة الكورة مع هذه الشركات إلى ثلاثينيات القرن الماضي، حيث بدأت شركة Holcim السويسرية عملها في المنطقة عام 1932، فيما بدأ عمل شركة “السبع” بعد 20 عاماً سنة 1952، وبحسب ناصيف “كانوا شركات صغيرة ناشئة، وتوسعوا مع الوقت، لاسيما في فترة إعادة الإعمار في تسعينيات القرن الماضي، بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية.”

ويروي ناصيف كيف عملت الحكومات اللبنانية المتعاقبة على رعاية مصالح هذه الشركات بدلاً من أن تلزمها بشروطها التي تحقق مصلحتها ومصلحة الناس. ويتابع “في العام 1994 كانت وزارة البيئة في لبنان قد تشكلت منذ مدة قصيرة، وخرجت بقرار يحدد نسبة الكبريت في البيتروكوك المستخدم بـ 1 في المئة، وكان ذلك قرارا جيداً.”

ويضيف “لكن بعد نحو شهرين، عادوا وسمحوا بنسبة 3 في المئة من الكبريت لشركات الاسمنت و1 في المئة لكل لبنان. ثم بعد أقل من شهر، صدر قرار جديد يحمل الرقم 27/1 سمح باستخدام بيتروكوك يحتوي على نسبة 6 في المئة من مادة الكبريت لشركات الاسمنت حصراً، لمدة 4 أشهر، على أن تتوقف بعدها وتعود إلى نسبة الـ 3 في المئة وما زالت منذ العام 1995 حتى اليوم تعمل الشركات بنسبة الـ 6 في المئة، وهذا أكثر ما يؤثر على صحة الناس في المنطقة.”

يعتبر الناشط البيئي أن “قوانين لبنان جيدة، لكن المشكلة في الفساد الذي يمنع تطبيق هذه القوانين”، لافتاً إلى أن بلديات الكورة حاولت مع شركات الاسمنت منذ العام 1998، “طلبت التفاوض والحوار حول الأمر، لكن في المقابل كان مستحيلاً بالنسبة إليهم أن يأخذوا ما نقوله بعين الاعتبار.”

ويضيف “أقمنا ضد الشركات دعوات رسمية في مجلس شورى الدولة، وربحنا الدعوتين منذ شهر مارس الماضي، وخلص المجلس بكتابه إلى أنه لا يحق لمجلس الوزراء ولا لوزارة الداخلية أن يعطوا أذونات للشركات، لكن لا أحد منهم احترم القانون او قرار مجلس الشورى حتى اليوم رغم انه اعلى محكمة في لبنان.”

ويسأل الناشط البيئي “من أين يحصلون اليوم على الإذن؟ أي احد يمر على الطريق الدولية باتجاه طرابلس بإمكانه مشاهدتهم يعملون بلا أذونات ولا مهل، ولا أحد يتجرأ على إيقافهم. كل الناس تراهم ألم يراهم أي عنصر أمني ليطبق القانون عليهم؟ لو كان احد يعمر منزله بلا ترخيص لجاءت إليه فرق الأمن ولو كان في أقصى جرود لبنان، ولكن شركة تعمل على مرأى الجميع وننقلها على وسائل التواصل الاجتماعي ولا أحد يتحرك”.

يذكر أن لبنان يمنع استيراد الاسمنت من الخارج منذ فترة التسعينيات بموجب قرارات صادرة عن مجلس الوزراء، وكان قبل ذلك يخضعه لإجازة مسبقة من وزارة الاقتصاد منذ العام 1968 مع فرض رسوم مرتفعة جداً، الأمر الذي مكن شركات الاسمنت، وهي 3، من احتكار كامل السوق، والتحكم بأسعار الاسمنت في البلاد.

كل ذلك يحصل بحسب ناصيف، “لأن هناك كمية هائلة من الأموال المصروفة لحماية هذه الشركات، طن الإسمنت اليوم يكلف الشركات 22 دولاراً فيما يباع في لبنان بـ 160 دولاراً، أين يذهب كل هذا الفرق ولماذا يغطى هذا السعر بوكالات حصرية للأسمنت فيما بالإمكان استيراده من الخارج بأسعار ادنى بكثير، قد يصل حينها سعر الطن إلى 45 دولار بدلاً من 160.”

ويؤكد ناصيف أن “باقي الأموال يذهب إلى اطراف سياسية وأحزاب في البلاد، تتولى بدورها تأمين حماية هذه الشركات ومصالحها، والدليل أنني اكتب هذا الأمر واتحدث فيه منذ 20 عاماً، وحتى اليوم لم يصدر نفي واحد أو توضيح من أحد ولم يقم أحد ضدي أي دعوى.”

السؤال الذي يجب على كل شخص أن يطرحه على نفسه بحسب ناصيف هو: “هل زعماء لبنان السياسيين، الذين بتنا نعرفهم جيداً، كرماء النفوس إلى هذا الحد كي يقوموا بتأمين مصالح شركات الاسمنت وحمايتها والتغطية على مخالفاتها، ومنحها اذونات استثنائية وحصرية للبيع في لبنان بأسعار خيالية، لوجه الله دون أي مقابل؟ الأمور واضحة وضوح الشمس.”

بالنسبة إلى النكت “الناس تدفع ضريبة الأرباح الطائلة التي تحققها شركات الاسمنت، من أرواحهم وصحتهم وعائلاتهم واقتصادهم المحلي واموالهم وسبل عيشهم، كل ذلك برعاية الفساد اللبناني الذي يحمي تلك الشركات، رغم أن القانون إلى جانب الناس، ومجلس شورى الدولة كان واضحاً بقراره، لكنهم مع ذلك يعطلون تطبيق القانون.”

أين وزارة البيئة؟

كان لافتاً في هذه القضية غياب وزارة البيئة عنها بشكل شبه تام، رغم كونها المعنية الرئيسية بهذا النوع من القضايا، وهي المسؤولة عن تحديد المعايير المطلوبة ومراقبة تطبيقها.

وحاول وقع “الحرة” التواصل مع وزير البيئة اللبناني ناصر ياسين لأكثر من مرة، لسؤاله عن سبب عدم قيام الوزارة بدورها في هذا الملف وإعطائه حق الرد، دون أن يستجيب الوزير.

من جهتها تكشف النكت أن “وزارة البيئة وبدعم من الاتحاد الأوروبي، لديها ماكينات متطورة جداً لفحص الهواء ورصد الانبعاثات، لكن هذه الماكينات متوقفة منذ ٣ سنوات عن العمل، بحجة عدم القدرة على معايرة الماكينات.”

وتضيف: “لم يحصل أي تواصل مع وزارة البيئة بعد إصدارنا للدراسة، ولكن لطالما تواصل أهالي المنطقة وفعالياتها مع وزارة البيئة ولم تتخذ أي خطوة في هذا الشأن، لا بل كانت تبرر الأذونات الاستثنائية التي تحصل عليها الشركات لمتابعة عملها، حيث لا تعمل حالياً بتراخيص، بل بمهل استثنائية، في حين ان وزارة البيئة نفسها كانت قد اعترفت بالضرر البيئي”.

الذي تتسبب به الشركات في منطقة شكا وتأثيرها على معظم مناطق الشمال اللبناني بفعل كمية الانبعاثات والجزيئيات التي تنشرها في الهواء. ولكن حتى الآن لم تتخذ أي خطوات عملانية.”

من ناحيته يرى ناصيف أن وزارة البيئة “لا يمكنها أن تؤثر في هذا الملف، أيا يكن وزير البيئة، فالأحزاب متحكمة بهذا الملف وتحكم عمل أي وزير بيئة من خلال تكتلها في مجلس الوزراء. ويضيف “وعدنا وزير البيئة بالتصرف، ولكن لا يسمحون له بالتصرف، مع ذلك لم نكن نتوقع منه القبول بمخالفة الشركات.”

لجوء دولي

وترى المديرة التنفيذية في “غرينبيس” أن المجتمع المدني في منطقة الكورة “يحارب أخطبوطاً كبيراً جداً، يبدأ من شركات الاسمنت العالمية وصولاً إلى النظام السياسي والأحزاب الحاكمة في لبنان.”

بدوره يسأل ناصيف باستغراب “ما هذه الدولة التي تعلم ان جينات شعبها تتغير وأبناؤها يقتلون، بينما هي تحمي المرتكبين؟ ما يجري معنا هو جريمة ضد الإنسانية بكل ما للكلمة من معنى.”

عدم امتثال الشركات للقانون، مقابل الحماية السياسية التي تحظى بها، دفع أهالي المنطقة والجمعيات الأهلية، وفق النكت، إلى إطلاق عريضة عبر منصة “صوت“، للتوقيع عليها من قبل المؤيدين لمطالب السكان المحليين.

وتضيف المديرة التنفيذية في “غرينبيس” أن “الجمعيات الأهلية تنوي التصعيد في هذا الملف، وستنضم هذه العريضة في النهاية إلى دعوى أمام الأمم المتحدة، فقد فقدوا الأمل من السلطات المحلية بعدما صدر قرار عن مجلس شورى الدولة ومع ذلك لم يلتزموا به، حيث أصبحت الجمعيات المحلية مجبرة على اللجوء إلى الخارج، وبحسب معلوماتي خلال شهر سيتم تقديم تقريرا مفصلاً للأمم المتحدة حول قضية تلوث الهواء في منطقة شكا وجوارها.”

من جهته يقول ناصيف “نحن اليوم بصدد التوجه إلى المجتمع الدولي بتوقيعاتنا، وكنا قد بدأنا من قبل في سويسرا وألمانيا مع تحقيقات صحفية أضاءت على ما تفعله شركة هولسيم السويسرية، التي اتهمت بتشويه سمعة بلادها، كذلك هناك جهود نبذلها في أكثر من بلد ولا نريد الكشف عنها قبل أن تتم نهائياً، كذلك نتحضر للتقدم بدعوى لدى الأمم المتحدة، المطلوب منها إيقاف هذا الفساد الذي يؤدي إلى قتل الناس في بيوتها، فمشكلتنا باتت كبيرة مع الحكومة اللبنانية ووزرائها المتعاقبين الذين يحمون بمعظمهم هذه الشركات ويعطونها الأذونات والاستثناءات”.

وهذه العريضة سيتم تقديمها أيضاً للوزارات اللبنانية المعنية، كالبيئة والصناعة والداخلية إضافة إلى بلديات المنطقة، وفق

النكت، التي تلفت إلى أن أهالي المنطقة “متمسكين جداً بالقانون، ويرون انه إلى جانبهم إذا ما تم تطبيقه.”

وتتابع “لدينا أمل ان هذه المعطيات والدراسات الموثقة من هذا النوع، تشكل ضغطا لتطبيق القوانين وحماية البيئة بالفعل، وحين يكون هناك نية بالعمل على الموضوع بإمكانهم إيقاف هذه الأعمال، لذا فإننا نحاول ان نضيء على معاناة هذا المجتمع المهمش في قرى منطقة الكورة الذي لا يريد الأحد تظهير معاناته لأسباب سياسية وفساد، ونساعدهم نحن كمنظمة عالمية ونأمن لهم منصة وصول لقضيتهم.”

وتختم “نأمل اعتبار هذه القضية قضية وطنية في لبنان وليس فقط تعني أهالي الكورة أو القرى المتضررة، فالتلوث في لبنان بات مرتفعا جدا ويطال الجميع ويفترض أن يعني الجميع”.




الحرة