“ألم لا يمكن لقواميس العالم وصفه”.. معاناة لبنانيات في مواجهة سرطان الثدي

أسرار شبارو – الحرة

“صدفة كشفت إصابتي بأخبث الأمراض، لأبدأ رحلة علاج في بلدٍ الاستشفاء فيه بات حكرا على الأغنياء، الدواء مفقود ويباع في السوق السوداء، والمريض يترك لمصيره وهو يصارع الموت على حلبة الأوجاع”.. كلمات قالتها ثريا حلبي تعكس ما يعانيه مرضى السرطان في لبنان.




“لماذا أنا”؟ سؤال لم يفارق ثريا منذ أن أطلعها الطبيب أنها انضمت إلى لائحة طويلة من نساء أصبن بمرض سرطان الثدي، وذلك بعد أن قصدته لإجراء الفحص الروتيني الذي يجب أن تخضع له أي امرأة عند بلوغها الـ40 من العمر، وإذ بالصورة الشعاعية تكشف ما تخشاه أي امرأة.

سنة ونصف السنة حتى الآن من المعاناة، خضعت خلالها ثريا لعملية جراحية وعلاج كيماوي ذاقت خلاله “أوجاعا لا يمكن لقواميس العالم أن تصفها”، تقول لموقع “الحرة”، “أقبح الأيام التي مررت بها والتي لا أحب تذكرها حتى، هي تلك التي بدأ فيها شعري بالتساقط، كرهت حينها المرآة، تغيّر شكلي إلى حد لم أعد أعرف به نفسي، نفسيتي تحطمت، وقفت عاجزة عن فعل شيء حتى تأمين ثمن علاجي لمواجهة السرطان ليس بالأمر السهل”.

وقبل أيام ضجت مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان، بخبر إصابة الفنانة دينا حايك بسرطان الثدي، قبل أن تؤكد ذلك من خلال إعادة نشر تغريدات عبر حسابها الرسمي على “تويتر”، ليتضح بعدها أنها اكتشفت مرضها في شهر مارس الماضي، عن طريق الصدفة بعدما قصدت الطبيبة قبل موعد الفحص الدوري بستة أشهر، وهي تخضع الآن لجلسات علاج في إحدى مستشفيات بيروت.

شهر أكتوبر هو شهر التوعية بسرطان الثدي، بهدف تمكّن المرضى من اكتشافه في مراحله المبكرة للانتصار عليه وإكمال حياتهن بشكل طبيعية، لكن للأسف يحول الوضع الاقتصادي في لبنان كما يقول رئيس جمعية “برباره نصار” لدعم مرضى السرطان، هاني نصار، “دون قدرة عدد كبير من النساء من إجراء الصورة الشعاعية للكشف عن المرض، أو تلقى العلاج عند اكتشافه وذلك نتيجة فقدان الدواء أو ارتفاع ثمنه، لا بل حتى الموت أصبح مؤلما جدا في وطننا نتيجة عدم توفر المورفين”.

تجاوز سرطان الثدي سرطان الرئة وأصبح أكثر أنواع الأورام الخبيثة شيوعا في العالم، بحسب ما أعلنته منظمة الصحة العالمية العام الماضي، حيث قال خبير أمراض السرطان بالمنظمة، أندريه إلبافي، في إفادة صحفية بالأمم المتحدة “للمرة الأولى يصبح سرطان الثدي (النوع) الأكثر انتشارا في العالم”، وأوضح أن سرطان الرئة ظل الأكثر شيوعا على مدى العقدين الماضيين، لكنه تراجع الآن خطوة للوراء إلى المركز الثاني، متقدما على سرطان القولون والمستقيم، وهو الثالث على القائمة”.

وأشار إلبافي إلى أن السمنة عامل خطر شائع في حدوث سرطان الثدي، وهي عامل محرك للأرقام الإجمالية للسرطان في اتجاه الزيادة، وأضاف أنه مع نمو سكان العالم وزيادة متوسط العمر المتوقع، هناك تكهنات بأن يصبح السرطان أكثر شيوعا، بأعداد تصل إلى حوالي 30 مليون حالة جديدة سنويا بحلول عام 2040 ارتفاعا من 19.3 مليون في 2020.

وهذا العام أكدت المنظمة أن السرطان سبب رئيسي للوفاة في جميع أنحاء العالم، وقد أزهق أرواح 10 ملايين شخص في عام 2020، منها 685 ألف وفاة بسرطان الثدي.

تشتت الهدف

لا أحد من عائلة ثريا أصيب سابقا بسرطان الثدي، وهو ما زاد من صدمتها حين علمت بأنه هاجمها، استقر في ثديها وبدأ بالانتشار، وتقول “لم أكن أعمل حينها، ولا أستفيد من أي جهة ضامنة، وهذا ما جعل همي الأساسي تأمين المال لعلاجي بدلا من أن يكون محاربة المرض بهدف شفائي”، مضيفة “اليوم قطعت مرحلة كبيرة على طريق الانتصار، إلا أنني معرضة في كل لحظة إلى خسارة المعركة إذا لم أتمكن من تأمين الدواء”.

أما روزيت حداد فصدمت عندما بلغت الـ38 من العمر، بوجود كتلة دهنية أسفل ثديها، قصدت الطبيب الذي طلب منها إجراء صورة كل ستة أشهر كون عمتها سبق أن أصيبت بالمرض، وقبل أربع سنوات اكتشفت ما كانت تخشاه، حينها كان السرطان في مرحلته الثانية، استدعت حالتها الخضوع لعمليتين جراحيتين، وإلى الآن لا تزال تخوض معركتها ضده، في ظل عدم توفر “الأسلحة” لمواجهته.

روزيت حداد
حالة روزيت حداد استدعت الخضوع لعمليتين جراحيتين

امرأة من كل ثمانية نساء يصبن بسرطان الثدي، بحسب ما يؤكد رئيس قسم الأورام والدم في مستشفى أوتيل ديو البروفيسور فادي نصر، الذي شرح لموقع “الحرة” أن سرطان الثدي نوعان، “الأول يصيب 5 في المئة من النساء، وهو مرتبط بالجينات المتوارثة عن العائلة، ويصيب المرأة في سن مبكر ما بين 30 و50 سنة، أما النوع الثاني فيصيب 95 في المئة من النساء من دون أي سبب، وفي سن متأخر أي حين تبلغ 65 من عمرها”.

ويضيف “تبدأ مراقبة المرأة التي سبق أن أصيب أحد أفراد عائلتها بسرطان الثدي من عمر الـ20 سنة، في حين يتوجب على بقية النساء الخضوع إلى فحص دوري منذ أن يبلغن الـ 40 سنة، وذلك من خلال إجراء صورة شعاعية كل سنة، على أن تجري مقارنة الصورة الجديدة بالصور التي سبقتها، لاكتشاف المرض مبكرا وكنوع من الوقاية الثانوية، كون لا يوجد إجراءات وقائية لهذا المرض كعدم تناول أطعمة معينة أو التوقف عن التدخين”.

تحتاج ثريا شهريا إلى حقنة يتراوح سعرها بين 100 دولار و300 دولار، بحسب ما يسعّرها الصيدلي الذي يبيعها في السوق السوداء، كما تحتاج إلى دواء تجلبه من تركيا، في حين أن راتبها لا يصل إلى 100 دولار، وتقول ” يجب أن أواظب على هذا العلاج لمدة 10 سنوات، لا أعلم إن كان بإمكاني تأمينه الشهر القادم، فكيف لي أن أفكر على المدى البعيد، في وقت لم استفد يوما من وزارة الصحة إلا بحقنة واحدة”.

حتى عام 2020 لم تكن روزيت تواجه مشاكل فيما يتعلق بحصولها على الدواء، حيث كان الضمان الاجتماعي يغطي ثمنه، وتشرح “من خلال جمعية كنت أحصل على الدواء الذي كان ثمنه يبلغ حينها 5 ملايين ليرة، أي ما يقارب 3700 دولار، من إحدى الصيدليات على أن أدفع له بعد أن يسدد الضمان الاجتماعي المبلغ، لكن منذ سنتين انقلب الوضع رأسا على عقب.. فقد الدواء من الصيدليات وإن وجد فيباع بالدولار “الفريش”، في حين يدفع الضمان بالليرة اللبنانية على سعر صرف 1500 ليرة”.

استمرار روزيت في رحلة علاجها يتوقف على تأمين جمعية برباره نصار لدوائها، وتقول ” لا أملك المال لشرائه فأنا أرملة، لدي ولد يبلغ من العمر 17 سنة، فإذا تمكنت الجمعية من تأمينه أتناوله وإلا أبقى من دون علاج”.

إحدى المصابات بالسرطان
تساقط شعر ثريا حلبي بعد أن بدأت بجلسات العلاج الكيماوي

إضافة إلى الدواء تحتاج روزيت إلى حقنة كل 28 يوماً، مفقودة هي الأخرى من لبنان، من دونها تعاني من أعراض صحية مؤلمة كارتفاع درجات حرارة جسدها، تضطر إلى شرائها من تركيا بـ50 دولار، إضافة إلى دواء متوفرة في لبنان بـ 50 دولار أما في تركيا فسعره 14 دولارا، وتقول “لا يمكنني شرح ما أشعر به حين لا أتمكن من تأمين أدويتي، ومنذ سنة ونصف السنة لم أقصد المستشفى لإجراء صورة للثدي بسبب أوضاعي المادية، كذلك لم أقصد الطبيب منذ ستة أشهر بعد أن وصل بدل معاينته إلى الـ 60 دولار”.

طريق الآلام

إذا كانت الغاية من توعية المرأة حول سرطان الثدي، هو اكتشاف المرض في مراحله الأولى، إلا أنه كما يقول البروفيسور نصر “عدد كبير من النساء يعجزن عن إجراء الصورة الشعاعية بسبب تكلفتها التي تتراوح بين 200 و300 دولار، هذا لا ينفي وجود مراكز تسعرها بمبلغ أقل لكن جودة الصورة تكون أقل كذلك، بالتالي فإن الأسباب المادية تدفع بعدد كبير من نساء لبنان إلى تأجيل إجرائها”.

بعض النساء يكتفين بفحص ثديهن بيدهن، لكن كما يشرح البروفيسور “عند اكتشافهن وجود كتلة ما، يكون حجم السرطان قد بلغ 1 سم، ما يعني أنه ظهر قبل ثلاث سنوات كحد أدنى”، وشدد على أن التأخر باكتشاف المرض يكلف المريضة مئات المرات أكثر فيما لو اكتشفته بشكل مبكر، سواء فيما يتعلق بتكلفة العلاج المادية أو بفرص النجاة منه”.

كما تطرق إلى مشكلة الدواء التي تواجهها النساء في لبنان بالقول “إذا اكتشفت المرأة مرضها وقررت الخضوع للعلاج فإنها تحتاج إلى دواء، وهو إما مفقود أو باهظ الثمن”.

أما نصار فيقول “حين تكتشف المرأة مرضها في مرحلة مبكرة، يكون لديها أمل بالشفاء، إلا أن هذا الأمل يتبدد حين تعلم أن كلفة جلسة العلاج الكيماوي تصل إلى 20 مليون ليرة، في حين قد تحتاج إلى ثلاث جلسات شهريا، من هنا أوقف آلاف المرضى علاجهن، كون لم يعد لديهن ما يبعنه لتأمين المال”.

ويضيف أن “تطور الطب ساهم في اكتشاف أدوية تمكّن مرضى السرطان (في مرحلته الرابعة)، من البقاء على قيد الحياة لخمس سنوات وأكثر، لكن الكمية المتوفرة من هذه الأدوية لا تكفي لجميع المرضى، ما يؤدي حكما إلى تطور المرض في جسدهن وانتكاس حالتهن، وللأسف عدد كبير منهن فارق الحياة بسبب ذلك”.

لا يمكن علاج مريض إذا أمّن دواءه بشكل متقطع، كما يقول البروفيسور نصر “وهو ما دفع بعدد كبير إلى شراء أدويتهن من تركيا ومصر وإيران، وهي بغالبيتها غير خاضعة لأي دراسة وبالتالي لا نعلم مدى فعالياتها، كما أن المشكلة الكبرى التي يواجهنها تتعلق بكلفة العمليات الباهظة، فحتى لو كانت المريضة مضمونة فإن الضمان الاجتماعي لا يزال يدفع على سعر صرف 1500 ليرة، في حين أن المستشفيات تحاسب بالدولار الفريش”.

أرواح تدفع الثمن

رفعت السلطة اللبنانية الدعم عن بعض أدوية السرطان، بحسب نصار “بحجة أن البعض الآخر لا يزال مدعوما، إلا أن شركات الأدوية توقفت عن استيراد غير المدعوم منها، نتيجة ما تواجهه من مشاكل مادية مع مصرف لبنان، ليجد المرضى أنفسهن فريسة ارتفاع ثمن الأدوية المتوفرة في السوق”.

بين الفترة والأخرى يسمع مرضى السرطان وعودا من وزير الصحة العامة في حكومة تصريف الأعمال فراس أبيض بتأمين أدويتهم، منها خلال اجتماع عقده في السابع من الشهر الجاري، حضره كل من سفراء بريطانيا وسويسرا والدنمارك والمانيا، وممثل عن السفارة الفرنسية، وممثل عن الاتحاد الأوروبي، ومنسقة التجمع اللبناني في غرفة التجارة الأميركية، ومدير مديرية القَطع والعمليات الخارجية في مصرف لبنان، واعضاء تجمع شركات الأدوية العالمية في لبنان.

خلال الاجتماع أشار أبيض إلى أن “الوزارة تصر على تأمين أفضل علاج للمريض اللبناني، وتعمل على المحافظة على موقع لبنان في خارطة السياحة الطبية في المنطقة”. وأضاف “نعمل حاليا على توفير علاجات الأمراض السرطانية والمستعصية بصورة مستدامة عبر نظام تتبع الدواء الرقمي من لحظة استيراده حتى وصوله للمريض، مما يؤمن حصول كل مريض على دوائه ويحد من الهدر والتهريب، إضافة إلى اتباع بروتوكولات علاجية ومعايير علمية لصرف الدواء اللازم للمريض بحسب حالته”.

لكن نصار تساءل “إلى حين الانتهاء من المكننة، ماذا يفعل مريض السرطان ومن يؤمن له دواءه؟ مضيفا “ننتظر إقرار قانون في مجلس النواب يفرض على وزارة الصحة استمرار العمل بالمكننة التي يتم إعدادها، كي لا يتم الغاؤها من قبل أي وزير جديد، وبالتالي العودة من إلى المحسوبيات وعدم الشفافية في توزيع الدواء”.

عدد كبير من المرضى فارقن الحياة لعدم تمكنهن من شراء الدواء أو دفع فاتورة الاستشفاء، كما يشدد البروفيسور نصر “في وقت لا زلنا نسمع وزير الصحة اللبناني يتحدث منذ سنتين عن حلول من دون أن نلمس أي تقدم على أرض الواقع، إذ للأسف، بعد أن كان لبنان قبل سنة 2018 يعرف بمستشفى الشرق، تدهور الاستشفاء فيه بدرجة هائلة، وها نحن نحاول كل ما في وسعنا للعودة إلى الحد الأدنى لمتابعة علاج المرضى”.

لا يتوقف الأمر على الدواء، فمريض السرطان يحتاج بشكل عام كما تشدد ثريا لعلاج النفسي من المراحل الصعبة التي يمر بها، “ليتقبل شكله الذي يتغير كثيرا نتيجة العلاج، فأنا على سبيل المثال زاد وزني وتغيرت ملامحي وحتى نوعية شعري، لكن في بلدنا نتعذب نفسيا ونتخبط يمينا وشمالا ونحن نحاول تأمين العلاج وتكاليفه، فكيف لنا أن نؤمن العلاجات الجانبية التي لا تقل أهمية عن العلاج الأساسي”.

في المرة الأخيرة التي قصدت روزيت الطبيب أبلغها أنها على طريق الشفاء إذا استمرت بتلقي العلاج، لكنها كما تقول “هي طريق معبدة بالألغام لا أعلم إن كنت سأنجو خلال رحلتي عليها”.