الياس خوري - القدس العربي

الترسيم والمقاومة: المعادلة المفقودة – الياس خوري – القدس العربي

هل هناك من علاقة بين مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل وما يتخللها من توتر أمني وتهديدات، وبين المقاومة الشعبية – المسلحة التي تجري في فلسطين اليوم؟

فاجأني هذا السؤال الذي يبدو من خارج السياق السائد. المقالات التي تسنى لي قراءتها تربط بين الترسيم والأزمة الداخلية اللبنانية، أو تحلل التوترات والتصريحات الحربية المرتبطة بالترسيم، بصفتها جزءاً من مفاوضات حافة الحرب، تجنباً للحرب.




أما ما يكتب عن المقاومة الشعبية-المسلحة في الضفة الغربية، وفي بؤرتيها الأساسيتين: جنين ونابلس، فلا يزال يحبو، لأن هناك انفصالاً بين النخب الثقافية ونوع جديد من المقاومة يولد وينمو خارج الأطر المتعارف عليها من جهة، ولأن هذه المقاومة لا تمتلك أطراً سياسية، أو لأن أوان بناء وعاء سياسي لم ينضج بعد، من جهة ثانية.

يعكس هذا الغياب المنعطف المحزن الذي دخله المشرق العربي بعد الهزائم المتعددة التي مني بها الربيع العربي، وكان أحد نتائجها الكارثية هو زيادة تمزق النسيج الاجتماعي الذي صار أسير الطوائف والقبائل، ومحكوماً بقبضة عسكرية وجدت في هذا التمزق مطية لاستمرار هيمنتها.

المعارك التي تدور في الإطارين اللبناني والفلسطيني، يبدو بعضها منفصلاً عن الآخر، ولا يربط بين عناصرها سوى وعاء كلامي وبعض التعاون التقني.

الترسيم وتعقيداته، يُقرأ في لبنان كجزء من لعبة الصراع على السلطة، وفي هذه اللعبة التي يديرها حزب الله بذكاء وخطوات مدروسة، وقدرة على توظيف الدولة اللبنانية لخدمة استراتيجيته، يمكن أن نلاحظ مسألتين:
المسألة الأولى هي براعة التنازل الذي يأخذ شكل التشدد. فالتنازل عن الخط 29 والقبول بالخط 23، والإصرار على حقل قانا كاملاً، جرى تصويره على أنه تمسك بالحقوق ورفض للتفريط بها. وقد لعب حزب الله دوراً محورياً في هذه المعادلة، مكتفياً بالوقوف خلف مطالب الدولة؛ أي خلف اتجاه عون- باسيل، لفتح صفحة مع الأمريكيين علها تساعد طموحات الوريث، وخلف رغبة التحالف المعترض ميقاتي-بري- جنبلاط، لتلافي أي مشكلة مع الراعي الأمريكي.

كانت مسيرات حزب الله عاملاً أساسياً في إقناع الإسرائيليين بأن الموقف اللبناني جدي، وبأن التلويح بضرب منشآت الغاز الإسرائيلية ليس تهويلاً فقط، بل هو قرار للتنفيذ، وعلى إسرائيل أن تفهم ذلك.

المسألة الثانية كشفت مدى الشهوة الإسرائيلية لابتلاع كل شيء.

فالاعتراض الإسرائيلي على الاتفاق لم يكن مجرد لعبة انتخابية. صحيح أن نتنياهو يريد توظيف «التنازل» الإسرائيلي في معركة العودة إلى السلطة، لكنه يعبر أيضاً عن شعور إسرائيلي بحق الدولة العبرية في أن تفعل ما تشاء مع العرب.

فالضجيج الإسرائيلي يعبر عن مرض متأصل في جذور الحركة الصهيونية، الذي يدور حول فكرة التفوق اليهودي. لا يستطيع هذا الشعور بالتفوق تحمل فكرة الندية مع العرب، أو فكرة ألا ترسم إسرائيل وحدها الخطوط التي على الآخرين الخضوع لها. وقد فاقم من هذا الشعور ما يسمى باتفاقات السلام، التي وصلت إلى ذروتها المخزية والمهينة مع اتفاقات «إبراهيم».

لذلك كان الرد الإسرائيلي على الملاحظات اللبنانية متوقعاً، فهو يحمي حكومة لابيد-غانتس من تهمة الاستسلام لحزب الله، كما يراعي الشعور بأن إسرائيل قادرة على جعل كل شيء يعمل لمصلحتها.

جشع إسرائيلي لا يشبع. الجيش الإسرائيلي لا يريد الحرب لأنه يخشى خسائرها الكبيرة، وأمريكا لا تريد الحرب لأنها مشغولة بحربها على روسيا في أوكرانيا، لكن إسرائيل تعاند وتتذاكى وتهدد. والإسرائيليون يعلمون أنهم أمام أحد خيارين: إما الموافقة أو الذهاب إلى مواجهة غير مضمونة النتائج.
ما تكشفه مفاوضات الترسيم سبق للفلسطينيين أن اكتووا بناره منذ توقيع اتفاق أوسلو. فعلى الرغم من كل التنازلات الجوهرية التي قدمها الفلسطينيون، فإن إسرائيل واصلت توسعها، وهي تتصرف اليوم وكأن الضفة الغربية جزء من أرضها، وأن السلطة الفلسطينية ليست سوى مجموعة أجهزة تابعة لها.

الممارسة الإسرائيلية في لبنان تختلف كثيراً عن الممارسة في فلسطين، فإسرائيل تعتبر المواجهة مع حزب الله جزءاً من الصراع الإقليمي مع إيران؛ أي أنها لا تقرأ المقاومة الإسلامية بصفتها مقاومة لبنانية فقط، بل بصفتها امتداداً للقوة العسكرية الإيرانية، وتبني حساباتها العسكرية والسياسية على هذا الأساس. كما أن مطامع إسرائيل في لبنان، وخصوصاً بعد هزيمتها أمام مقاومة الجنوب اللبناني، محدودة ولا تتجاوز الجشع التقليدي من جهة، ومحاولات جرّ لبنان إلى تطبيع مستحيل.

إسرائيل تعلم أن ما ينتظرها في لبنان هو ألوف الصواريخ، وبنية عسكرية متينة قادرة على تحويل الحرب إلى مأتم.

أما في فلسطين، فإن إسرائيل تتصرف بوحشية مفرطة، كي تفرض نظام تمييز عنصري يستولي على الأرض ويحول أصحابها إلى عبيد. وهي تراهن على أن سنوات الوَهن التي أعقبت هزيمة الانتفاضة الثانية واستشهاد ياسر عرفات، قتلت الروح المعنوية الفلسطينية، وتقوم اليوم «بجز العشب»، من أجل تطويع و/أو قتل من لم يفهم بعد.

والمفارقة أن السلطة الفلسطينية خدعت الشعب الفلسطيني عبر رهانها على أن الاستسلام والخضوع للإملاءات الأمريكية سوف يستخلص بعض الحقوق، لينتهي بها المطاف إلى التحوّل إلى آلة لا صلة لها بالناس من جهة، وإلى بنية فارغة عاجزة عن تحقيق المهمات التي يريدها الاحتلال الإسرائيلي، من جهة ثانية. إسرائيل تشتري الوقت بدماء الفلسطينيات والفلسطينيين، لكنها ستفاجأ بأن ما يبدو اليوم مجرد محاولات معزولة مؤهل للتحول إلى سيل جارف.

مواجهتان لا يجمعهما سوى الوقوف في وجه كبرياء القوة الإسرائيلية.
المواجهة اللبنانية مجدولة على بنية اجتماعية مفككة طائفياً، وقوتها نابعة من خارجها، وهي غير قادرة بنيوياً على التحرر من أشباح الصراع الأهلي ودعم سلطة عاجزة قادت لبنان إلى الخراب، بينما تواجه المقاومة الفلسطينية عزلة شاملة، وعليها أن تعيد بناء نفسها بشكل كامل.

عندما نتأمل ما يجري أمامنا نصاب بالخيبة، ففي غياب مشروع عربي يجمع ولا يفرق، يحرر ولا يقمع، ينفتح ولا يستسلم، يفرض أجندته ولا يخضع للأجندات الإقليمية، ستبقى منطقتنا عاجزة عن المواجهة الشاملة، وسيبقى السؤالان الفلسطيني واللبناني معلقين على صليب التضحيات والاحتمالات.