أيّ أرقام ستقنع الهيئات الاقتصاديّة لتصحيح الأجور في القطاع الخاصّ؟

صحيح أنّ المرحلة الراهنة تضجّ بالتحضيرات الجارية لإنجاز الاستحقاق الرئاسيّ، ولترسيم الحدود البحرية، وهما من أكثر الملفّات تعقيداً، إلّا أنّ غلاء المعيشة الفاحش وانهيار القدرة الشرائية لدى معظم اللبنانيين، بحيث عمد بعض العائلات إلى الاعتماد على وجبة واحدة في اليوم، وترك أطفاله خارج التعليم، فيما لجأ البعض الآخر إلى البحث عن وظيفة ثانية وثالثة لتلبية حاجاته الضرورية، يدفع بملفّ تصحيح الأجور إلى الواجهة مجدّداً.

ففي 16 أيلول الفائت، وتحت ضغط الشارع الذي قاده قسم كبير من العسكريين المتقاعدين، أقرّ مجلس النواب زيادة رواتب موظّفي القطاع العام 3 أضعاف، على أن تصبح هذه الزيادة نافذة عند إقرار الموازنة كقانون متكامل ينشر في الجريدة الرسمية.




إلّا أنّ هذه الخطوة تبعها رفع سعر الدولار الجمركيّ وإعلان عن توحيد سعر صرف الدولار.

بالتأكيد ما تمّ إعطاؤه للقطاع العام بدون أيّ ضمانات تؤمّن التمويل له سيتمّ أخذه منه، خصوصاً أنّه لا توجد إيرادات في الموازنة تغطي موضوع الزيادة، بل هناك عجز وصل إلى 15 ألف مليار، والأهمّ في غياب أيّ خطّة اقتصادية إنقاذيّة فعليّاً.

هذا على صعيد القطاع العام. وفي المقابل، وفي الأسبوع الأول من تشرين الأول، أعلن وزير العمل في حكومة تصريف الأعمال مُصطفى بيرم أنّ لجنة المؤشر ستجتمع قريباً وستكون مُواكبة للتطورات الأخيرة بالنسبة إلى الرواتب والأجور وبدل النقل في القطاع الخاصّ، مشيراً إلى أنّه سيدعو اللجنة إلى الاجتماع.

وسط حماس الوزير المختصّ، وتعطّش العاملين في القطاع الخاصّ إلى تحسين أوضاعهم، هل الظروف مؤاتية لاجتماع اللجنة؟ وما هي الأرقام التي ستبحث بها؟

ممثل أصحاب العمل في لجنة المؤشر، نائب رئيس جمعية الصناعيين في لبنان زياد بكداش نفى علمه “بأيّ دعوة قريبة لاجتماع اللجنة قريباً رغم ما نُشر في وسائل الإعلام في الأيام الأخيرة، وما صرّح به وزير العمل في حكومة تصريف الأعمال مصطفى بيرم أمام القصر الجمهوريّ”.

وذكر لـ”النهار” أنّ المشكلة المطروحة اليوم هي أنّه “منذ نحو 4 أو 5 أشهر تمّ الاتفاق على أن يكون الحدّ الأدنى مليونين و600 ألف ليرة بدل المليوني ليرة، مع رفع بدل النقل من 60 ألف ليرة إلى 95 ألف ليرة يوميّاً”.

واستغرب “ما يصدر في الإعلام من أجواء إيجابية بين الهيئات والاتحاد العمالي، ولغاية اليوم لم يتمّ البحث في أيّ أرقام للزيادات الجديدة بين الطرفين”.

وقال: “في غضون ذلك، طرحت خلال الاجتماع الأخير للهيئات مسألة المضي داخل القطاع الخاصّ بحدّ أدنى للأجور يعادل المئة دولار على أن يرتبط سعر صرفه بالسوق إلى جانب بدل النقل الذي يتمّ إقراره. إلّا أنّ هذا الطرح سقط بسبب تعثّر بعض القطاعات وعدم قدرتها على تطبيق هذه الآلية، علماً أنّ القطاع الصناعيّ ملتزم بهذا الحدّ الأدنى بالإضافة إلى بدل النقل”.

من جهته، رئيس الاتّحاد العمّالي العام الدكتور بشارة الأسمر قال لـ”النهار”: “خلال الاجتماعات المتتالية مع رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير تمّ البحث في أهمية إعادة النظر بالرواتب والأجور في القطاع الخاص وما يتبعها من منح مدرسية وتعويضات عائلية. ومن الضروري أن تعقد لجنة المؤشر اجتماعها في أقرب وقت، وقد طالبنا الوزير بيرم بذلك، سيّما وأنّ ثمّة موضوعاً أخرَ سيُطرح على اللجنة يعود إلى مشروع قانون تحويل تعويض نهاية الخدمة إلى معاش تقاعديّ بشكل اختياري للمضمونين في صندوق الضمان الاجتماعي. أمّا بالنسبة إلى موضوع تصحيح الأجور في القطاع الخاص، فمن غير الممكن تحديد أرقام الزيادات حيث تبقى الأفضلية للزيادات التدريجية التي تُنصف الموّظف والأجير والعامل دون إرهاق المؤسّسات والشركات، فهذه الزيادات من المفترض إدخالها في صلب الراتب واحتسابها في اشتراكات الضمان والتعويضات الملحقة”.

ويكشف الأسمر عن أنّه “اليوم لتأمين حدّ أدنى من العيش الكريم للعامل يجب ألّا يقلّ عن الـ20 مليون ليرة شهرياً، إذا ما قارنّاه مع نسب التضخّم المتفاقمة. وفي المقابل، يجب عدم التغاضي عن الانعكاسات الإيجابية لهذه الزيادة على اشتراكات الضمان، التي من شأنها مساعدة الصندوق على الإيفاء بالتزاماته تجاه المضمونين”.

وعن تأخّر صدور المرسوم المتعلق بزيادة الـ600 ألف ليرة لغاية تاريخه، يلفت إلى “وجود بعض العراقيل السياسية التي ساهمت في انحراف المرسوم عن سلوك المسار القانوني الطبيعيّ، بعدما تقرّر بحكم وجود حكومة تصريف الأعمال أنّ يتمّ التوقيع عليه من كلّ من وزيري العمل والمال فرئيس الحكومة ورئيس الجمهورية قبل صدوره في الجريدة الرسمية”.

وأكّد على أنّ “العمل جار لحلحلة الموضوع مع كافة المعنيين، علماً أنّ البعض في القطاع الخاص يواجه مشكلة في التصريح الكامل عن قيمة الاشتراكات إلى صندوق الضمان فيما البعض الآخر ملتزم به. وبالتأكيد، فإنّ إدخال زيادة الـ600 ألف ليرة في صلب الراتب لها مفاعيل إيجابية عدّة تطال ملحقات الراتب من ساعات عمل إضافية وغيرها…”.

بغضّ النظر عن جدية الاجتماع المقبل الذي ستعقده لجنة المؤشر إذا سمحت التطورات السياسية طبعاً، لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار مستوى التضخّم الذي يسابق أيّ قرار بالزيادة أو بتصحيح الراتب، علماً أنّ النهاية تكون دائماً على شكل صفقة وتطبيقاً لمقولة “لا يموت الديب ولا يفنى الغنم”.

الجدير ذكره، أنّه بفارق 6 مراتب فقط، كان لبنان سيحتلّ مركز الصدارة العالمي لمؤشر “الأسوأ” في نوعية الحياة، بعدما حازت بيروت المرتبة 242 من أصل 248 مدينة حول العالم شملها تقرير دولي. بالتوازي، تبوّأت بيروت الصدارة الإقليمية في غلاء المعيشة بين المدن العربية، وتقدّمت بذلك إلى المركز 12 عالمياً، مقتربة من الكلفة المرجعية في مدينة نيويورك، التي يتمّ اعتمادها مؤشراً للقياس.

وبلغ مؤشر كلفة المعيشة فيها 95.65 نقطة، أي أقل بنسبة 4.35 في المئة فقط من وحدة القياس، البالغة 100 نقطة لنيويورك.

وقد انحدر مستوى القدرات الشرائية للسكان في بيروت من 47.18 نقطة (قبل الأزمات) ليبلغ مستوى 11.73 نقطة فقط خلال العام 2022.

وأبعد من ذلك، جاء لبنان في المرتبة الأولى عالميًّا على مؤشر البنك الدولي لتضّخم أسعار الغذاء، متخطياً زيمبابوي التي جاءت في المرتبة الثانية، وفنزويلا في المركز الثالث.

أليست هذه المؤشرات كافية لخوض أيّ مباحثات حول الأجور والرواتب بشجاعة ووفق قواعد علمية، بعيداً عن الشعبوية والتدخّلات السياسيّة؟

النهار