كواليس دعاية “حزب الله” عن “انتصار” سلاحه في معركة ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل

فارس خشان – الحرة

في وقت تُشكّك فيه شرائح واسعة من اللبنانيين بنتائجه الايجابيّة على وقائعها المالية والاقتصادية الكارثيّة، وبعدما أثبت تواصل انهيار قيمة الليرة اللبنانية عدم “انبهار” الأسواق بإنجازه، على الرغم من وعوده بتوفير ثروة “غازيّة” لوطن يفتقد كليًّا إلى المواد الأوّليّة وإلى مصادر العملات الصعبة، انكبّ “حزب الله” على التعاطي مع ظهور مشروع الاتفاق مع إسرائيل على ترسيم الحدود البحريّة الجنوبيّة- قبل بدء “شيطان التفاصيل” في زجّ أنفه- كما لو كان انتصارًا “وشيكًا” لآلته العسكريّة التي يبذل كلّ جهده لـ”تأبيدها”.




وبفعل الدور المؤثّر لـ”حزب الله” في الانتخابات الرئاسيّة التي تشغل اللبنانيين مع بدء العدّ العكسي لحلول الحادي والثلاثين من أكتوبر الجاري، تاريخ انتهاء ولاية الرئيس الحالي ميشال عون، “يبيع” سياسيون كثر، بمن فيهم هؤلاء الذين على خصومة معه، “حزب الله” هذه الورقة.

ولا تبتعد المعارضة الاسرائيلية، ولا سيّما منها تلك التي يقودها بنيامين نتانياهو، وبهاجس الكسب في الانتخابات التشريعية الوشيكة، عن نسب “تنازل” الحكومة الاسرائيلية عن “الحقوق”، إلى “الخوف” من تهديدات “حزب الله” العسكريّة.

ولكنّ محاولة فرض هذه السرديّة السياسيّة لما انتهى اليه ترسيم الحدود البحريّة مع إسرائيل، يتجاوز، ومن أجل تحقيق أهداف “خاصة جدًا”، جملة حقائق من شأنها أن تفضح الوتر الدعائي الذي يعزف “حزب الله” عليه.

لتكن بداية عرض هذه الحقائق مع “صانع” هذا “الحدث” الذي انتقل، بين ليلة وضحاها من “ناجز” الى “مرجأ”: الوسيط الأميركي آموس هوكستين.

منذ بدأ هذا المسؤول الاميركي بذل جهوده للتوصّل إلى اتفاق بحري، بأفق نفطيّة، بين لبنان وإسرائيل، تعاطى “حزب الله” معه على أساس أنّه منحاز كليًّا لإسرائيل وجزء من أدوات ما يسمّيه “حصارًا أميركيًّا على لبنان”، وأسهب هذا الحزب في التهجّم، بكل ما يملك من وسائل دعائية، على الوسيط الأميركي.

وعلى الرغم من أنّ كبار المسؤولين اللبنانيّين الذين “ينصاعون” لإرادة “حزب الله”، هم من طلبوا من هوكستين إحياء وساطته، بعدما جمّدها، في ضوء المفاجأة “العجيبة” التي فجّرها الوفد اللبناني على طاولة المفاوضات مع إسرائيل، عندما طالب، “خلافًا لكل الوثائق المعتمدة”، بالخط 29 الذي يقع في نطاقه حقل “كاريش” الغازي.

وكان استدعاء لبنان لوساطة هوكستين، يعني قبولًا ضمنيًا بالإطار الذي كان قد حدّده في عرض سبق أن سلّمه الى المسؤولين اللبنانيين، قبل تجميد مساعيه.

وهذا الاستدعاء بما حمله من معاني التوافق اللبناني على التخلّي النهائي عن مطلب الحصول على الخط 29، كان يُنبئ بأنّ باب “التفاوض” مع إسرائيل بات مفتوحًا على مصراعيه.

وهنا، دخل “حزب الله” على الخط، فهاجم الوسيط الأميركي ونزاهته ودوره في وقت حرّك فيه، وبشكل “مضبوط للغاية” أداته العسكريّة التي تمثّلت بعدد من المسيّرات التي رفدها بأكبر حملة دعائية عن استعداده لخوض “حرب ضروس” من أجل حقوق لبنان.

وقد أثار هذا السلوك استياء بعض المسؤولين اللبنانيّين، إذ اعتبروه لزوم ما لا يلزم، من جهة ومسببًا لإطالة أمد الوساطة الأميركية، من جهة أخرى.

غضب “حزب الله” على المسؤولين المستائين منه، فاعتصموا بالصمت فيما اندفعت مرجعياتهم إلى إصلاح الضرر بدخولها على خط رفد دعاية “حزب الله” بما تحتاجه من زخم هنا وتغطية وطنية هناك.

وعندما توصّل “المنحاز” و”المحاصِر” أموس هوكستين إلى النتيجة التي انتهى إليها، رفع “حزب الله” رايات الانتصار وزيّن بها آلته العسكريّة.

في الواقع، وبمراجعة جميع من سبق أن عملوا على خط ترسيم حدود لبنان البحريّة مع قبرص وسوريا وإسرائيل، يظهر أنّ الخوف من مفاعيل هذه الآلة العسكريّة الداخليّة هو الذي كان قد تسبّب بتعطيل كل المساعي التي بذلت تحقيقًا لهذا الهدف، منذ العام 2009، الأمر الذي منع لبنان من أن يكون جاهزًا لرفد اقتصاده المنهار وماليته المفلسة ومعامل كهربائه المطفأة، بثروة حيويّة، في هذه المرحلة التي أصبحت فيها مادة الغاز أغلى من الذهب.

وهذا يعني أنّ لبنان، على الرغم من حاجته الى ترسيم حدوده البحريّة، لن يقطف، قبل سبع سنوات من انطلاق أعمال التنقيب، وفي حال العثور على الكميات الاستثمارية اللازمة، ثمار “الفورة الغازيّة”، وتاليًا فإنّ لا ماليته المفلسة ولا اقتصاده المنهار سوف يتأثّران إيجابًا بـ”الانتصار”، لأنّ الأسواق تترقّب أن تبدأ الحاجة إلى الغاز بالانخفاض تدريجيًا بدءًا من العام 2024، لأسباب جيو سياسية وتكنولوجية.

وهذا يفيد بأنّ سلاح “حزب الله” هو الذي فوّت على لبنان فرصة الاستفادة من موارده الطبيعيّة الافتراضيّة، بالدرجة نفسها التي كان فيها السبب المباشر في إفساد علاقاته بدول طالما كانت بمثابة “بطاقة تأمين” لاقتصاده وماليته وعملته.

وفي حال صحّت الدعاية التي يعتمدها “حزب الله”، فهذا يضع في الواجهة ملف استعادة لبنان لمزارع شبعا والجزء اللبناني المحتل من بلدة الغجر.

عمليًا، لم تستطع آلة “حزب الله” العسكريّة استعادة شبر واحد من هذه الأراضي، فهل هذا يعني أنّ “حزب الله”، طالما أنّه قادر على فرض إرادته، لا يريد تحريرها؟

وإذا كان يريد تحريرها، فلماذا تنتصر تهديداته في البحر وتفشل في البر؟

إنّ المصير الذي تستقر عليه مزارع شبعا والجزء اللبناني من بلدة الغجر، منذ العام 2000، تاريخ الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، بموجب القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، يثبت أنّ ما آل إليه ترسيم الحدود البحرية الجنوبية لا علاقة له بسلاح “حزب الله”، بل هو يأتي في إطار إعادة النظر في مصير منطقة أصبحت غنيّة بالمواد الأوّلية وصناعة التكنولوجيا الحديثة والمختبرات المتطوّرة للأدوية، وليس أدلّ على ذلك من أنّ ما كان مستحيلًا إدخاله سابقًا من تعديلات على مهام القوات الدولية المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل)، أصبح ممكنًا قبل أسابيع قليلة، على الرغم من أنّ “حزب الله” صاحب “ترسانة الانتصار العسكريّة، المستهدف الوحيد بهذا التعديل الذي قرّره مجلس الأمن، كان قد واجهه وحاربه ورفضه.