د. فيصل القاسم - القدس العربي

سيخرب العالم وسينجو العرب! – د. فيصل القاسم – القدس العربي

نشرت في الآونة الأخيرة عدة مقالات تتحدث عن المستقبل الرهيب الذي يواجه الغرب في ظل ارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية وجنون أسعار المواد الاستهلاكية وتصاعد أسعار الطاقة بشكل مخيف وازدياد نسبة الفقر بشكل خطير، مما يشكل عبئاً غير مسبوق على جيوب المواطنين الغربيين، وبالتالي على استقرار المجتمعات الغربية وأمنها بشكل عام. واستشهدت بكلام زعماء وسياسيين أوروبيين يحذرون من أن زمن الرفاهية قد انتهى ولا بد من الاستعداد لزمن التقشف والمعاناة. وتساءلت: إذا كان الكبار في العالم مقبلين على أوقات صعبة للغاية على الصعيدين الاقتصادي والمعيشي تهدد الدول الأوروبية لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، فما بالك العالم العربي الذي يعاني أصلاً على الأصعدة كافة، وخاصة في الجمهوريات المزعومة التي ثارت شعوبها قبل عقد من الزمان وازدادت فيها الأوضاع سوءاً وتدهوراً.
لا شك أن تدهور الأوضاع في العالم المتقدم سيلقي بظلاله على شعوبنا المسحوقة، لكن البعض في واقع الأمر لديه رأي آخر في هذا الطرح، وأنا أتفق معه إلى حد ما. ويقول أصحاب ذلك الرأي إن «المبلل لا يخشى من المطر»، وكما يقول المتنبي: «أنا الغريق فما خوفي من البلل». وللأمانة يجب ألا نخشى كثيراً على بلادنا مما هو قادم من أهوال اقتصادية على الدول المتقدمة، لأن العديد من شعوبنا تعيش أصلاً تحت التحت، ولم تعد تتأثر بأي تقلبات أو انهيارات اقتصادية أو مالية أو معيشية. صحيح مثلاً أن البريطانيين من الآن فصاعداً سيدفعون أسعاراً مضاعفة لقاء استهلاك الكهرباء، مما سيضع على العائلات الفقيرة أعباء غير مسبوقة ومما قد يحرم البعض من التدفئة بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، لكن في آخر النهار فالكهرباء متوفرة بانتظام على مدار الساعة وقد تتدخل الحكومات لمساعدة العائلات المنكوبة، بينما في سوريا مثلاً لا يرى الشعب الكهرباء حتى في مناطق الشبيحة سوى سويعات قليلة ينقطع خلالها التيار مرات ومرات، وكأن النظام يعمل على تعذيب السوريين بشكل ممنهج، فلا يدعهم حتى يستمتعون بالدقائق القليلة التي يشاهدون فيها الكهرباء، فيقطعها بين دقيقة وأخرى. بربكم كيف سيتأثر المواطن السوري الذي يتعرض للتنكيل الكهربائي منذ سنوات بارتفاع أسعار الكهرباء على الأوروبيين، فهو أصلاً خارج التصنيف العالمي، والكهرباء بالنسبة له صارت من حكايات الماضي، حتى لو امتلك ثمن استهلاكها، فهي غير موجودة بقرار رسمي لأن العصابة تبيعها للدول المجاورة وتقبض ثمنها بالدولار لحسابها الخاص وهذا مؤكد من مصادر موثوقة من الساحل السوري. وما ينطبق على المواطن السوري في أزمة الكهرباء ينسحب على المواطنين العرب في بلدان عدة كلبنان والعراق والسودان وغيره بنسب متفاوتة، فمشكلة الكهرباء مستفحلة منذ سنوات أصلاً في بلدان عدة، وخاصة في لبنان الذي يعتمد معظم سكانه على المولدات الخاصة.

المواطن الأوروبي سيدفع أثماناً مضاعفة للغاز من الآن فصاعداً، لكن مهما ارتفعت فاتورة الغاز فستبقى أرخص بكثير من الفاتورة التي يدفعها المواطن السوري أو السوداني أو اللبناني أو اليمني مثلاً لقاء جرة غاز




نعم المواطن الأوروبي سيدفع أثماناً مضاعفة للغاز من الآن فصاعداً، لكن مهما ارتفعت فاتورة الغاز فستبقى أرخص بكثير من الفاتورة التي يدفعها المواطن السوري أو السوداني أو اللبناني أو اليمني مثلاً لقاء جرة غاز، فحسب آخر إحصائية، فإن الثمن الذي يدفعه السوريون اليوم من أجل الحصول على قنينة غاز كان كافياً في الماضي لشراء غسالة أو براد أو تلفزيون.
ولا ننسى أن ملايين العرب في الأرياف العربية المعدمة من مشرق العالم العربي إلى مغربه لا تعرف أصلاً كل أساسيات الحياة الحديثة التي بدأ المواطن الأوروبي يعاني ارتفاع أسعارها وندرتها. السواد الأعظم من العرب يعيش على قارعة الحياة منذ عقود وعقود بلا أدنى خدمات بسيطة. وللتأكيد على ذلك سأل أحدهم صديقه يوماً: كم عدد سكان ذلك البلد العربي الكبير، فقال أكثر من خمسين مليون نسمة، فرد عليه: أنت مخطئ، فالعدد الذي يعيش بشكل شبه معقول لا يتجاوز عشرة ملايين، أما باقي الشعب فهو خارج نطاق الحياة الحديثة عملياً ولا يعرف من المواد أو الوسائل التي باتت تشكل عبئاً على المواطن الأوروبي حتى اسمها. وإذا استثنينا بلدان الخليج ستجد أن نسبة الفقر تصل أحياناً إلى تسعين بالمائة في بعض البلدان كسوريا واليمن والسودان ولبنان. وحتى العراق الذي يمتلك ميزانية هائلة بسبب عائدات النفط لا يملك لا الكهرباء ولا الماء النظيف ولا أبسط مقومات العيش أحياناً. وللعلم فإن معظم الذين يصفقون لقيس سعيد في تونس هم من الأرياف التونسية التي لا يختلف حالها عن بقية الأرياف العربية التي تعيش خارج التاريخ الإنساني. كيف تخشى على ملايين العرب الذين لا يصل راتب بعضهم أحياناً إلى عشرة دولارات وهو ثمن وجبة بسيطة جداً في أوروبا، وأحياناً تدفعه على فنجان قهوة في مقهى بفندق؟
ماذا يهم ملايين العرب إذا ارتفعت أسعار الكهرباء أو الغاز أو حتى القمح، فهم لا يعرفون الغاز أصلاً. أما الكهرباء فهي بالنسبة لهم من الكماليات الترفيهية منذ سنوات. ماذا يضير سكان العصر الحجري إذا ارتفع التضخم في البلدان المتقدمة، فهم لا يعرفون في حياتهم أصلاً سوى تضخم البروستات. لا تتقوقع من شعوب محرومة من كل شيء ومعزولة وخارج نطاق التغطية الإنسانية أن تتأثر بكل ما يحدث في العالم من أزمات. لهذا لا أخشى على الكثير من الشعوب العربية المسحوقة مطلقاً من أي هزات اقتصادية ومالية ومعيشية واجتماعية كالأزمات التي يواجهها العالم اليوم في الشرق والغرب. شعوب تلك البلدان التعيسة بقيادة السيد الرئيس (والحمد لله) جهزت نفسها من قبل لمواجهة الأزمات، فليس عندها بنوك تتعامل مع العالم أصلا، ولا تعرف من التحويلات البنكية أو أسعار الفائدة أو التضخم سوى الدريهمات التي يرسلها أبناؤها اللاجئون في الخارج لسد رمق أهاليهم المعزولين عن العالم. لقد كان حكامنا ما شاء الله يقرأون المستقبل ويتوقعون كل هذه الأزمات المالية والاقتصادية والمعيشية المقبلة على البشرية، لهذا أعادوا شعوبهم إلى عصور الظلام، والسادة الحكام بحكمتهم العظيمة جعلوا الشعوب تحلم بليتر بنزين ورغيف خبز وحبة دواء، كما جعلوا أبسط مقومات الحياة حلماً للمواطنين كي يكونوا جاهزين لمواجهة الكوارث العالمية القادمة. شايفين قديش القيادات حكيمة عندنا.. يا متعلمين يا بتوع المدارس!