لبنان يتجه نحو سعر “صادم” للدولار.. والقادم “أسوأ”

أسرار شبارو – الحرة

سعر جديد للصرف قد يضاف إلى “سلّة أسعار الدولار” في لبنان، كشف عنه وزير المال في حكومة تصريف الأعمال يوسف الخليل، مشكلّاً صدمة للبنانيين، كون الأمر يتعلق بسعر الصرف الرسمي، “الذي سيرتفع من 1,507.5 ليرات إلى 15,000 ليرة” قبل أن يتراجع ويربط هذا الارتفاع بخطة الحكومة الإنقاذية.




في بيان لها شرحت وزارة المال اللبنانية أنه “بعدما بات من الملحّ تصحيح تداعيات التدهور الحاد في سعر الصرف وتعدّديته على المالية العامة، وذلك تقليصاً للعجز وتأميناً للاستقرار المالي، وبما أنّ السير بخطّة التعافي المالي والنقدي والنهوض بالاقتصاد يتطلب توحيد سعر الصرف، لذا، أصبح وقف العمل بسعر صرف الدولار الأميركي على أساس 1507 ل.ل. إجراءً تصحيحياً لا بدّ منه”.

وأشارت إلى أنه “كخطوة أولى باتجاه توحيد سعر الصرف تدريجياً، تمّ الاتفاق بين وزارة المالية والمصرف المركزي على اعتماد سعر 15 ألف ليرة لبنانية مقابل كل دولار أميركي، عملاً بأحكام المادتين 75 و83 من قانون النقد والتسليف كما وسائر النصوص التنظيمية والتطبيقية الصادرة عن مصرف لبنان”، مؤكدة أن “هذا الإجراء يطبّق اعتباراً من 1 نوفمبر 2022”.

عادت وزارة المال وأوضحت أنّ “التغيير في سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي سيتم على خطوتين، الأولى على صعيد الدولار الجمركي والثانية على صعيد سعر الصرف الرسمي المراد اعتماده بالتنسيق مع المصرف المركزي، والذي يعتبر خطوة أساسية باتجاه توحيد سعر الصرف”، مؤكدة أنّ “هذا الأمر سيكون مشروطاً بإقرار خطة التعافي التي يعمل عليها والتي من شأنها أن تواكب تلك الخطوة”.

بعد 25 سنة من ثبات السعر الرسمي للدولار في لبنان، قد يرتفع دفعة واحدة عشرة أضعاف، فيما بدأ قبل ثلاثة أعوام سعر صرف الدولار بالارتفاع تدريجياً في السوق السوداء، حتى وصل إلى عتبة الـ 39 ألف ليرة، وقبل أن تخف وطأة ما أعلنه رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي في جلسة إقرار الموازنة يوم الإثنين الماضي، من أن الدولار الجمركي سيرتفع إلى 15 ليرة، حتى سقط خبر رفع سعر الصرف الرسمي على اللبنانيين كالصاعقة.

سببان لخطوة الحكومة

إحدى عجائب لبنان، تداول عدة أسعار للدولار، منها سعر الصرف الرسمي، وسعر منصة “صيرفة” الذي يبلغ 30 ألف ليرة، وسعر صرف دولار السوق السوداء الذي وصل إلى عتبة الـ39 ألف ليرة، والسعر الخاص بالسحوبات المصرفية لودائع الدولار والذي يبلغ8 آلاف ليرة، والدولار الجمركي الذي حدد بـ15 ألف ليرة.

السبب الأول الذي يدفع الحكومة اللبنانية لرفع سعر الصرف الرسمي للدولار، بحسب ما يؤكد الخبير الاقتصادي منير يونس هو “زيادة إيرادات الخزينة، وذلك لعدة أسباب أبرزها الإيفاء بالوعود التي قطعها لموظفي القطاع العام برفع رواتبهم، من هنا بدأت بما يسمى الدولار الجمركي، أي رفع الرسم على الاستيراد من 1507 ليرات إلى 15,000 ليرة”.

أما السبب الثاني كما يقول يونس لموقع “الحرة” فهو “تلبية أحد شروط صندوق النقد الدولي بتوحيد أسعار الصرف، على سعر المنصة أي 30 ألف ليرة، وبالتالي فإن السعر الذي حددته الحكومة ما هو إلا مرحلة أولى، إذ من المرجع أن يرتفع في السنة القادمة إما إلى سعر المنصة أو أقل بقليل”.

ولفت الخبير الاقتصادي إلى ارتباك وزير المال الذي تحدث بداية عن أن رفع سعر الدولار إلى الـ 15 ألف ليرة يتعلق بسعر الدولار الرسمي، قبل أن يتراجع عن ذلك مؤكداً أن المقصود هو الدولار الجمركي، على أن يقر كسعر رسمي مع خطة التعافي.

واليوم أكد النائب ابراهيم كنعان أن إعلان وزير المال توحيد سعر الصرف في الموازنة غير صحيح، شارحاً في تغريده عبر “تويتر” أن “الموازنة لم تعتمد سعر صرف 15 ألف، بل الحكومة اعتمدت الدولار الجمركي على 15 الف بعد ضياع استمر 6 أشهر. للأسف، تتابع الحكومة تخبطها المخجل وتلقي بعجزها على جيوب الناس، وهو ما حذرنا منه وواجهناه منذ اللحظة الأولى وسنكمل”.

كما أكد الباحث الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة أن “سببين يدفعان الحكومة اللبنانية إلى رفع السعر الرسمي للدولار، أولهما تلبية جزئية لأحد مطالب صندوق النقد الدولي المتمثلة بتحرير سعر صرف الدولار، أما السبب الثاني فيتمثل بتأمين واردات لخزينة الدولة بعد العجز الكبير في موازنة 2022”.

يشرح عجاقة لموقع “الحرة” أن “صندوق النقد الدولي يشدد على ضرورة تعامل لبنان مع الخسارات التي حلت به بشكل واقعي، وعلى رأسها وعلى رأسها تراجع قيمة الليرة اللبنانية خصوصًا في السوق السوداء، من هنا فإن أحد شروطه للموافقة على خطة مساعدة لبنان بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، تحرير سعر صرف الليرة، ما يعني عدم تدخل المصرف المركزي في تحديده من خلال شراء وبيع الدولار، فكانت خطوة الحكومة الأولى برفع سعره الرسمي إلى 15 ألف ليرة، كونها لا يمكنها تحريره بشكل كامل دفعة واحدة، لعدم قدرة المواطنين على تحمل ذلك”.

ويضيف “في موازنة 2022 تمت زيادة النفقات بشكل كبير، حيث تبلغ 40 تريليون ليرة، القسم الكبير منها مخصص لرواتب وأجور القطاع العام، وهي بحدود ثلاثة تريليون ليرة شهرياً، من دون أن يكون هناك أي مورد لها، ما يشكل كارثة تفوق كارثة إقرار سلسلة الرتب والرواتب في عام 2017، من هنا رأت الحكومة أن رفع سعر الصرف الرسمي سيؤمن مورداً إضافيا لخزينة الدولة”.

في تغريده له عبر “تويتر” اعتبر النائب ميشال ضاهر أن “تغيير سعر الصرف الرسمي الى 15000 ليرة هو لدفع المصارف إما إلى زيادة رأسمالها أو إجبارها على إعادة الهيكلة، وهذا ما سيدفع المودع الى تحويل أرصدته من الدولار إلى الليرة على السعر الجديد لشراء الدولار الكاش، مما سوف يؤدي الى حسومات كبيرة على شيكات الليرة وارتفاع غير مسبوق في سعر الدولار”.

من جانبه، يشدد يونس على ضرورة أن ينسحب رفع سعر صرف الدولار على القطاع المصرفي، بمعنى أنه لا يجوز أن يستمر المودع بسحب أمواله من المصارف على سعر دولار 8 آلاف ليرة و12 ألف ليرة، في وقت السعر الرسمي لصرف الدولار هو 15 ألف ليرة، هذه المسألة تتعلق بمصرف لبنان الذي يقع على عاتقه توضيحها في الأيام القادمة”.

القادم “أسوأ”

في الوقت الذي يعيش 82% من سكان لبنان في فقر متعدد الأبعاد، مع تسجيل البلاد أعلى مستويات للتضخم في أسعار السلع والمواد الغذائية في العالم، وفقاً لـ”الاسكوا”، فإن ما ينتظر اللبنانيون مع رفع سعر الدولار الرسمي والجمركي مرحلة جديدة أشد قساوة مما عانوه منذ بدء الأزمة الاقتصادية.

وعن سعر السوق السوداء وتأثير قرار رفع سعر الصرف الرسمي عليه، يقول عجاقة “باستمرار التهريب والاحتكار والتلاعب بالأسعار والتطبيقات التي تعطي سعر السوق السوداء، لا يُمكن التنبؤ بما قد يكون عليه دولار السوق السوداء نظراً إلى ان هذا السعر ليس وليد العرض والطلب الاقتصادي للسوق اللبناني فقط. وبالتالي من المحتمل أن يرتفع إذا لم تأخذ الحكومة إجراءات إضافية”.

سيؤدي رفع سعر الدولار كما يقول عجاقة إلى تضخم في السوق، نتيجة ارتفاع الدولار الجمركي ودولار الضريبة على القيمة المضافة، “مع العلم أنه لو كان هناك تطبيقاً صارماً للقوانين لكان يجب أن تنخفض الأسعار، كون التجار يدفعون الضرائب على سعر الصرف الرسمي السابق أي 1507 ليرات لكنهم يستحصلون عليها من الزبائن على سعر السوق السوداء أي حوالي 39  ألف ليرة، فلو استحصلوا عليها الآن على سعر 15,000 ليرة ستنخفض الأسعار، إلا أن قسماً كبيراً من التجار أثبتوا خلال المرحلة الماضية أنهم فاسدون، لذلك من المتوقع أن يرفعوا الأسعار أكثر مما عليه الآن”.

وأعطى عجاقة مثالاً على ذلك “إذا كان سعر سلعة ما 100 دولار فإن المواطن يدفع 11 دولار ضريبة على القيمة المضافة، و5 دولارات جمرك، أي 16 دولار إضافية على ثمن السلعة الأساسي، هذه الضريبة كان التجار يدفعونها على سعر صرف 1507 ليرة، ويحسبونها على سعر دولار السوق السوداء للزبون”.

يضيف “بعدما ورد في الموازنة زيادة رسم 3% على كل السلع التي تخضع للضريبة على القيمة المضافة، و10% ضريبة على السلع المستوردة التي لها مثيل في لبنان، فإن ذلك يعني أن سعر السلع المستوردة من الخارج والتي لها مثيل لها في لبنان سيرتفع بنسبة 13%، يضاف إليها 16 ٪ (5% رسوم جمركية و11% ضريبة على القيمة المضافة) التي كانت مفروضة قبل إقرار الموازنة، أما سعرها بالعملة المحلية فيبقى متوقفاً على سعر دولار الذي سيحتسبه التجار، فيما إن كان دولار السوق السوداء أو دولار سعر الصرف الرسمي الجديد”.

وعن انعكاس سعر الصرف الرسمي الجديد على القدرة الشرائية للمواطنين يرى يونس، “مما لا شك فيه أن ارتفاع الأسعار سيطال البضائع المستوردة، في وقت تشير الحكومة إلى أن البضائع الاستهلاكية الأساسية لن يصيبها الرسم الجديد، لكنه سيطال سلعاً أخرى ما سيؤثر في مستوى الاستهلاك، كون كلما ارتفعت الأسعار تراجع الطلب عليها، خاصة في بلد مأزوم كلبنان”.

ستتأثر شرائح إضافية من المواطنين مع الارتفاع الجديد في الكلفة المعيشية، لكن اقتصاد “الكاش” كما يقول يونس “يساعد إلى حد ما في التخفيف من ذلك، إلا أن هذا لا يلغي حقيقة انتشار الفقر في لبنان”.

يقسّم عجاقة الموظفين الذين يقبضون بالعملة المحلية إلى قسمين، موظفي القطاع العام الذين اقرت الحكومة في موازنة 2022 زيادة رواتبهم ثلاثة أضعاف، وجزء من موظفي القطاع الخاص الذين كانوا ينعمون قبل الموازنة برواتب أفضل من العاملين في المؤسسات الحكومية، اذ أن قسماً منهم يقبض جزء من راتبه بالدولار الأميركي، أو ما يوازيه بالليرة اللبنانية، ومع ذلك لا يمكن تحديد تداعيات تأثير رفع سعر الصرف على موظفي القطاعين، لا سيما وأنه جرى ضخ كميات كبيرة من العملة المحلية في السوق.

ورغم مخاوف اللبنانيين، لن يكون تطبيق سعر الصرف الجديد “قاسياً عليهم” كما يؤكد عجاقة، إذ بحسب معلوماته فإن الاتجاه هو التخفيف من حدة القرار قدر المستطاع خصوصًا من قبل المصرف المركزي، منه على سبيل المثال ابقاء سعر صرف دولار القروض الفردية على الـ 1507 ليرات، لكن في ذات الوقت يشدد “إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات صارمة كوقف التهريب ومحاربة السوق السوداء ومكافحة الاحتكار والتلاعب بالأسعار وغيرها، فلن تحقق الهدف الذي تصبو إليه من قرارها، أي تأمين المزيد من الإيرادات، لا بل سيكون ضرره كبيراً جداً”.