اللبنانيون يترقبون “فسحة أمل” في احتجاجات الإيرانيين.. و”القاتل واحد”

يتابع اللبنانيون الاحتجاجات الشعبية في إيران، وكأنها تجري داخل بلدهم، واستطاعت مشاهد التظاهرات أن تشغلهم لبرهة عن همومهم المعيشية الضاغطة والأزمات المتعددة التي تعصف بلبنان، وتهدد مستقبله ووجوده.

ويزداد الانشغال اللبناني بالأحداث الإيرانية نتيجة للارتباط المصيري القائم بين البلدين، والناتج خصوصا عن تعاظم النفوذ الإيراني في لبنان، متمثلا بسطوة “حزب الله” على الحياة السياسية وتحكمه بأداء السلطات اللبنانية، فضلا عن إمساكه بالسياسة الخارجية للبلاد وقرار السلم والحرب فيها، فيما لا تخفي الميليشيا الشيعية اللبنانية تبعيتها الآيديولوجية والمالية، وارتباطها العضوي بنظام “ولاية الفقيه” في إيران.




في السنوات الأخيرة، وتحديدا بعد الاحتجاجات التي شهدها لبنان في أكتوبر 2019، ظهر حزب الله كرأس حربة للدفاع عن المنظومة السياسية الحاكمة، والتي يتهمها اللبنانيون بالفساد والمسؤولية عن الانهيار الكارثي الذي بلغته البلاد، ولم يتوان عناصره وأنصاره عن قمع الاحتجاجات الشعبية بالقوة وأعمال العنف، وصولا إلى انفجار الرابع من آب 2020 في مرفأ بيروت، والدور الذي لعبه “حزب الله” في عرقلة التحقيقات وتقديم الحماية السياسية والأمنية لشخصيات وجهات متهمة بالملف.

يضاف إلى كل ما سبق، صراع هوياتي يشهده لبنان بين “حزب الله” ومعارضيه، الذين يتهمونه بفرض ثقافته الإيديولوجية على باقي اللبنانيين، وإبعاد لبنان عن محيطه العربي مقابل إلحاقه بالمحور الإيراني وأنظمة “الممانعة”، الأمر الذي أثر على علاقة لبنان بجواره وبدول العالم.

لبنان يترقب

كل ذلك، أشعر فئات كبيرة من اللبنانيين بأنهم باتوا في ظل “احتلال إيراني للبنان” من الواجب التحرر منه، الأمر الذي يفسر سبب الترقب الذي يعيشه اللبنانيون تجاه الاحتجاجات التي تجعل النظام الإيراني يعيش “أسوأ أيامه” وفق وصف مراقبين.

مقتل أميني أثار مظاهر التحدي الواضحة من قبل المحتجين على النظام

لا يغيب تطور أو خبر من إيران عن متابعة الأستاذ الجامعي والناشط السياسي اللبناني باسل صالح، الذي حول صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى ما يشبه منصة رصد للأحداث والمقاطع المصورة المسجلة خلال الاحتجاجات في المدن الإيرانية منذ أن انطلقت منتصف سبتمبر، ويعرّف متابعيه إلى النشطاء الإيرانيين، ويثقفهم على الواقع السياسي والاجتماعي الإيراني.

ومثله يفعل الإعلامي المقرب من “حزب الله”، باقر كركي، الذي بدوره لا يترك تطورا في الشأن الإيراني دون تعليق منه عبر صفحاته، يناصر موقف النظام الإيراني ويقلل من تأثير التظاهرات وفعاليتها، ويشدد على إخراج الاحتجاجات الإيرانية من بعدها الحقوقي الاجتماعي، ليضعها في سياق سياسي بأبعاد دولية، كونها مفتعلة من أعداء النظام الإيراني لمحاربته والضغط عليه، حسب زعمه.

يعكس حال كل من باقر وباسل، واقع الانقسام الحاصل في الرأي العام اللبناني حول مقاربة الاحتجاجات في إيران، والتي انعكست خلال الأيام الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي، ويبدو أنها تتجه إلى الشارع بعدما جرى توزيع دعوات لتظاهرة احتجاجية أمام السفارة الإيرانية في بيروت، وسط توعد من قبل أنصار “حزب الله”، بالتصدي للمشاركين في التحرك.

هذا المغرد يقرر منع التظاهرة أمام السفارة.

“فسحة أمل”

يرى صالح في حديثه لموقع “الحرة” أن لبنان وصل إلى مرحلة انسداد في الأفق منذ نحو عامين وحتى اليوم، وهو ما ترجم على شكل حالة إحباط وملل عام في الشارع اللبناني، إلا أن ما جرى في إيران، وما أظهره الشعب الإيراني من استمرارية وصلابة أعطى نفسا إيجابيا جدا في لبنان.

ويضيف “نشعر بعنفوان على المستوى الإنساني، لاسيما مع طابع الاحتجاجات النضالي النسوي الراديكالي، والذي يصل إلى استشهاد ناشطات إيرانيات يوميا في مواجهة النظام، هذا النفس الإيجابي ساهم في شد الانتباه اللبناني إلى ما يجري في إيران، بالإضافة إلى تداعياته السياسية في هذه اللحظة التي بلغ فيها اللبنانيون مرحلة مشابهة ليس أمامهم إلا القتال لتحصيل حقوقهم”.

يصف الناشط السياسي الاحتجاجات في إيران بـ “فسحة أمل، تحمل رجاء للبنانيين بتغيير ما قد ينعكس عليهم، لاسيما لناحية حزب الله، والدور الذي يلعبه في تقويض أي فعل اعتراضي في لبنان، وبالتالي هذه التظاهرات هي التي يمكن أن تضرب في المكان الصحيح لإحداث تغيير ما في لبنان والمنطقة المتأثرة بالدور السلبي الذي تلعبه إيران.

ويذكر الأستاذ الجامعي بأن بيروت “واحدة من العواصم العربية الأربع التي يهيمن عليها النظام الإيراني بشكل تام، لا بل هي أكثر عاصمة يهيمن عليها كون حزب الله هو الذراع الأقوى لإيران في الخارج، وبالتالي شئنا أم أبينا نحن مرتبطون بالحدث في إيران على المستوى السياسي”.

صالح يشرح الأبعاد التي ينظر منها إلى الاحتجاجات في إيران، والتي تبدأ من “حق الشعب الإيراني في التعبير عن نفسه والمطالبة بحقوقه من جهة، وتأثير هذا الحراك على الوضع الداخلي في لبنان من جهة أخرى، فضلا عن تكامله مع موجة مواجهة الإسلام السياسي المتنامية في المنطقة، ويتضح الأمر من خلال منطلق هذه الاحتجاجات وأساليب التعبير فيها المرتبطة بقضية فرض الحجاب على المجتمع، وصولا إلى البعد المرتبط بالحركة النسوية ووضع المرأة بشكل عام في هذا الجزء من العالم والذي يمتد من لبنان إلى إيران مرورا بالمحيط العربي”.

“إستثمار وضغوط سياسية”

في المقابل يحصر كركي رؤيته لما يجري في إيران بمنظور “الصراع الدولي”، و”الضغط الممارس على إيران من ناحية الولايات المتحدة وحلفائها، كونها قوة في المنطقة تتعارض مع الأجندة السائدة في العالم الأحادي القطب”، معتبرا في حديثه لموقع “الحرة” أنه “ليس هناك إطار آخر يمكن أن يحكى عنه في السياسة، وإلا فإن قضية حقوقية كهذه تساوي في المقابل قضية جورج فلويد، إنما نتيجة وجود أجندة سياسية مقابل أخرى، يتخذ هذا الصراع طابعا مختلفا”.

ويضيف أنه “لو كانت المقاربة حقوقية جندرية لكانت القضية مماثلة، ولما أصبحت قضية سياسية كالتي نراها اليوم، فيما البعد الحقوقي بات هامشيا في الطرح وليس مركزيا”.

كركي يشير إلى أن “الاستثمار السياسي في القضايا الحقوقية ليس حصرا في لبنان، وهناك مبدأ اسمه مبدأ تقاطعية القضايا، على مستوى القضايا وعلى مستوى العالم، وبالتالي ليس هناك في لبنان اهتمام خاص، سوى بسبب وجود امتداد لمحور المقاومة في لبنان، مقابل امتداد آخر لمحور الولايات المتحدة وحلفائها، فضلاً عن تموضع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي وموقف إيران منه، كل ذلك يحتم أن كل قضية ترتبط بإيران أو الولايات المتحدة في لبنان أن تأخذ حيزا كبيرا من الاهتمام”.

رؤية كركي تنسجم مع ما يراه الكاتب والمحلل السياسي غسان جواد، بأن إيران “مستهدفة على الدوام، مستهدفة بذاتها كثورة وكموقع استراتيجي ولأسباب تتعلق بالجغرافيا السياسية التي تمثلها إيران بتحالفاتها”، معتبرا أن قضية مهسا أميني  “يمكن أن تحدث في أي مركز شرطة في العالم”.

جواد يشدد على وجود استثمار سياسي في القضية بأبعاد إقليمية ودولية، ويضيف “هناك عمل على النزعة القومية للفتاة بكونها من أصول كردية، وهناك دعم خليجي أميركي للمتظاهرين جرى التعبير عنه من خلال كلام وزير الخارجية الأميركي ومن خلال محاولة تأمين الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، وبالتالي الاستثمار مباشرة في التظاهرات من أجل الضغط على إيران لتقديم تنازلات في الملف النووي”.

كيف يتأثر لبنان؟

أما في ما يخص لبنان، يؤكد المحلل السياسي أن الانقسام اللبناني حول الاحتجاجات معطوف على الانقسام الإقليمي والدولي، “وبالتالي النقاش في لبنان تقليدي، ولكنه غير واقعي، فالكلام القائل أن هناك انعكاسات مباشرة على لبنان لما يجري في إيران، يفترض أن حزب الله يستمد كل قوته من إيران، وهذا كلام غير صحيح، فقوة حزب الله ذاتية، رغم ان تحالفه مع إيران يعطيه زخما وقوة إضافية”.

وبالتالي التطورات في إيران ستنعكس بالتأكيد على لبنان، وفقا لجواد، “ولكن لا أثر مباشرا لها على الواقع اللبناني، وعلى موازين القوى فيه”، معتبرا أن “بعض اللبنانيين ينساقون في تحليلات غرائزية وعاطفية يخلطون الأمور ببعضها، ويقومون بإسقاطات للأوضاع الدولية على الواقع المحلي بما يخدم طموحاتهم ورغباتهم واصطفافاتهم الداخلية فيما الواقع غير ذلك كليا”.

وعلى الرغم من التعارض في الموقف السياسي، إلا أن كلام جواد يتوافق مع رؤية الأمين العام لـ”المجلس الوطني لرفع الاحتلال الإيراني عن لبنان”، مصطفى علوش، لناحية استبعاد التأثير المباشر على الواقع اللبناني.

“إلا في حال سقوط النظام الإيراني”، يقول علوش في حديثه لموقع “الحرة”، ويستدرك “لكنه أمر ليس بمتناول اليد حاليا، مع العلم أن معظم الأنظمة القمعية تسقط فجأة، وليس بالضرورة ان تنحدر بشكل تدريجي، لكن النظام في إيران لديه أدوات قمعية أوسع بكثير من أن يسقط في هذه اللحظة، وبالتالي أظن أن الأمر لن يغير شيئا في سلوك حزب الله في هذه المرحلة في لبنان، والأمر الوحيد إللي ممكن يغير المعادلة هو أن يتحول النظام الإيراني إلى نظام طبيعي كما كل أنظمة العالم، يحترم حريات الناس ويتعايش مع الدول المحيطة به كأي دولة عادية”.

علوش يحذر من أن الأنظمة القمعية  تلجأ في أكثر الأحيان إلى العنف بأقصى درجاته، “ولا أظن أن الوضع حاليا سوف ينعكس، إلا إذا كان خياره اللجوء إلى مواقف أكثر تشددا في لبنان”، مؤكدا على أن “الأمر متروك إلى كيفية تطور الأحداث في إيران وإذا ما ستحمل مزيدا من تحكم للثوار بمسار الأمور، ولكن بحسب التجربة التاريخية في إيران وبوجود مئات آلاف المناصرين للخمينية السياسية، الأمر سيؤدي إلى حمام دم إذا ما شعر النظام بتهديد لوجوده”.


أما احتمالية التأثير إن وجدت، فقد تكون سلبية أكثر مما قد تكون إيجابية للبنان، وفق ما يحذر صالح من جهته، إذ يرى أن “هناك مجموعة من الناس موهومون بأن إضعاف النظام في إيران وانشغاله بالشأن الداخلي وصولا إلى احتمالية انهياره، قد ينعكس بشكل إيجابي على لبنان وعلى نفوذ حزب الله والعلاقة معه، في حين لا ضرورة في ذلك، من الممكن ان يحصل أمر معاكس، وأن يشعر حزب الله في لحظة كهذه أنه بحاجة إلى حسم سريع في لبنان وتثبيت وجود قد يصل إلى خيارات عسكرية، خاصة وإن المنطقة على أبواب مفاوضات وتسويات سياسية يحتاج فيها حزب الله وإيران إلى حيثية تقوي موقفهم في المفاوضات”.

بدوره يعبر كركي عن ثقته بأن ما يجري في إيران لا يمكن أن يؤثر على لبنان، “والدليل أن ما حصل خلال الحرب السورية كان أكبر بكثير، لاسيما لناحية استهداف حزب الله وبيئته وصورته، وصلت إلى حد العمليات الانتحارية والتفجيرات، ومع ذلك حافظ حزب الله على قوته، واليوم لن يحصل ما يفوق ذلك”.

ويضيف أن “الوصول إلى تأثير حقيقي في لبنان، يعتمد على حصول تغيير كبير وجذري في إيران، وهذا أيضا ليس بالضرورة أن يؤثر، فمنذ تأسيس حزب الله كانت إيران ضعيفة جدا ولكنها كانت تولي اهتماما خاصا لحزب الله، وحتى لو تعرضت اليوم لشيء ما، فعلى الأرجح ستبقي على رأس أولوياتها الحفاظ على العلاقة مع حزب الله”.

“النظام القاتل واحد”

ويرى لبنانيون أن هناك دورا على الساعين في لبنان للتخلص من الهيمنة الإيرانية أن يلعبوه بموازاة الاحتجاجات في إيران، وانطلاقا من هنا جاءت دعوة للتظاهر أمام السفارة الإيرانية في بيروت، تحت عنوان “من طهران إلى بيروت النظام القاتل واحد”، يوم الأحد المقبل تضامنا مع الإيرانيين ورفضا للقتل وقمع الحريات وحقوق الإنسان.

وفي هذا السياق يرى علوش اللبنانيين ليس لهم دور مؤثر في هذه اللحظة يمكن أن يغير في مسار الأمور، “قد يكون مجرد تأييد على المستوى العام”، معبرا عن خشيته “من ردود فعل”، على التحرك أمام السفارة الإيرانية، مذكرا بقضية الشاب اللبناني هاشم سلمان الذي قتل عام 2013 خلال احتجاج أمام السفارة الإيرانية على المشاركة في الحرب السورية، حيث شن أنصار حزب الله هجوما على المعتصمين ما أدى إلى وقوع قتيل وعشرات الجرحى.

في المقابل يقلل كركي من وقع التحرك المتوقع الأحد، معتبرا أن  “الدعوة تأخذ طابعا عاطفيا ورمزيا مفهوما، ولكن استبعد أن يحصل أي مواجهة حيث لا يوجد داعٍ لأي مواجهة، وهي فعالية بسيطة يجري تضخيم وقعها، وردة الفعل على هذا التحرك قد تكون في تعبيرات رمزية مماثلة في مكان آخر.

مضيفا “لا اعتقد أن قضية ما جرى مع هاشم سلمان يشبه بأي شكل من الأشكال ما هو مطروح اليوم، فتلك القضية لم تحصل على خلفية سياسية وانما حصلت على أثر اشكال فردي، وفي النهاية لابد للقوى الأمنية التي تعلم أين ومتى ستحصل هذه المظاهرة أن تلعب دورها في حماية المشاركين أو تمنع التحرك إن كانت عاجزة عن حمايتهم.

من ناحيته يؤكد صالح أن “مواجهة النظام اللبناني نفسه، الذي يمسك حزب الله بقراره ويتعهد بحمايته، ستكون مواجهة غير مباشرة للنظام الإيراني ونفوذه، ولدى اللبنانيين آلاف الأسباب لمواجهة النظام اللبناني في ظل ما يعيشونه من أزمات”.

ويشدد الناشط السياسي على أن حزب الله “لا يعتبر شأنا إيرانيا خارجيا فقط، وإنما يلعب دورا في المعادلات الداخلية في إيران أيضا، حيث كان واضحا استخدام حزب الله وتوظيف أثره الخارجي في الداخل الإيراني لإطالة عمر النظام وهو أمر لعب فيه حزب الله دورا بارزا في لحظات ومفاصل تاريخية معينة، لاسيما في سوريا أو في اليمن أو في العراق.

في الوقت نفسه من الممكن، بحسب صالح، الضغط عبر تحركات رمزية، بحيث أن يساهم في الإضاءة على ما يجري في إيران وتذكير الناس به ومتابعته، “لاسيما في ظل محاولات النظام الإيراني قمع الأصوات وقطع وسائل التواصل وحجب الاتصالات والإنترنت، لذا فإن نشر أي صورة أو فيديو أو خبر ممكن أن يساعد هذا الشعب في إيران، ولكن أكثر من ذلك لا إمكانية”.