الصدى الفرنسي لفوز ميلوني في إيطاليا – محمد كريشان – القدس العربي

فرنسا التي لم تفز فيها سيدتها الشقراء اليمينية مارين لوبين بانتخاباتها التشريعية في يونيو/ حزيران الماضي تبدو اليوم ربما الأكثر اهتماما برصد فوز الشقراء اليمينية جيورجيا ميلوني بانتخابات إيطاليا الأخيرة.
حفلت الصحف الباريسية بمختلف التحليلات والمقابلات التي تحاول فهم الظاهرة واستشراف تداعياتها القريبة منها والبعيدة وكأنها تحاول استقراء امكانية أن تكون في مستقبل ليس ببعيد في نفس هذه الوضعية.
«إنه تغيير أساسي على الصعيد القاري يستحق أن يُفهم في فرادته بالتخلّص مما يكون في بعض التحليلات من تعسف ما، ومن لهجة نهاية العالم التي تحول دون فهم الآفاق والمخاطر الحقيقية لما جرى» هكذا كتب في صحيفة «لوموند» جيل جريساني مدير مجلة «لوجران كونتينون» (القارة الكبرى) ورئيس مجموعة الدرسات الجيوسياسية وهو مركز تفكير سياسي في المدرسة العليا للمعلمين في فرنسا يهتم بالقضايا الأوروبية.
ومع أن جريساني لا ينكر حنين ميلوني ومحيطها إلى الحقبة الفاشية مع بينيتو موسيليني الذي حكم إيطاليا من 1922 إلى 1943 إلا أنه من الخطأ، حسب رأيه، الاعتقاد بأن ميلوني استطاعت أن تفرض هيمنتها على اليمين الإيطالي بطرحها العودة إلى الفاشية، مشيرا إلى أن ديناميكية التوجه يمينا نحو «أوروبا بيضاء ومسيحية» ليست جديدة فمنذ سنوات هناك خطاب من أقصى اليمين الأوروبي يحاول التموقع حول مشروع يتضمن قيما حضارية معينة على غرار ما يفعله رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان بغرض خلق نوع من القومية الجديدة الدولية على الصعيد القاري بهدف تغيير موازين القوى وتقديم أوروبا جديدة. ولهذا يرى جريساني أن المنعرج الإيطالي يفرض وبسرعة قضية تقديم جواب مهيكل من قبل كل القوى التقدمية التي عليها «ألا تتوقف عند مجرد ترديد التعويذات وإنما تعلم كيفية الانخراط في مشروع جديد للقارة الأوروبية».
وفي مقابلة مع يومية «لوفيغارو» اليمينية يرى ثيبو ميزارغ مدير البرامج المختص في أوروبا في «المعهد الجمهوري الدولي» الأمريكي أن جورجيا ميلوني وإن سبق لها في شبابها التعبير عن إعجابها بميسوليني إلا أنها تخلّت عن الفاشية بشكل واضح، وبالتالي فوصف حزبها «فراتيلي ديتاليا» بالفاشيين الجدد أو ما بعد الفاشية «لم يعد له أي معنى» حسب رأيه. وحين سئل ميزارغ المختص في رصد خطاب وسياسات الأحزاب اليمينية في أوروبا عما إذا كان فوز ميلوني ومن معها مهدّد للديمقراطية الإيطالية، أجاب بأن هذه الديمقراطية كانت مهددة أكثر بالفعل عام 2018 حين جاء الناخبون الغاضبون واليائسون بحزبين شعبويين إلى الحكم هما حزبا «رابطة الشمال» و «النجوم الخمسة» ومع ذلك استطاع النظام السياسي في إيطاليا أن يدير بنجاح هذه الاندفاعة الشعبوية.

اليمين استخلص العبر من ذلك سواء من حيث الشكل فلم يعد إشكاليا أو صداميا كالسابق أو من حيث العودة إلى أسس اليمين الكلاسيكي سواء في المجال الاقتصادي برؤيته الليبرالية، التي تعود لفرض نفسها من جديد، أو في مجال العلاقات الدولية




ويضيف أن ميلوني لم تقدم نفسها كمرشحة مناهضة للنظام في بلادها حتى أن رئيس الوزراء الحالي وصفها خلال الحملة الانتخابية بأنها، وهي زعيمة للمعارضة، بدت أكثر إخلاصا من بعض الوزراء في حكومته. وبالتالي فهذه السيدة، كما يراها الباحث، غير قادرة على إرساء ديكتاتورية في إيطاليا، ليس فقط لأنها شخصيا غير مناهضة لـ «السيستام» بل وكذلك لأن معدل عمر الحكومات في بلادها لا يتجاوز 14 شهرا لا غير.
ولا يرى الباحث الإيطالي أن هناك أي تهديد لأوروبا جراء صعود اليمين في بلاده لا سيما أن هذا اليمين يريد «مزيدا من إيطاليا في أوروبا ومزيدا من أوروبا في العالم» وأن هذا اليمين سيجد هامش تحركه محدودا بالأوضاع الاقتصادية وبالضرورة الملحة لإرساء خطة للنهوض الاقتصادي. أكثر من ذلك، لا يرى ثيبو ميزارغ في ما جرى في إيطاليا شيئا مختلفا جوهريا عما جرى في السويد مع صعود الديمقراطيين هناك، أو حتى في بريطانيا بشكل من الأشكال مع قدوم ليز تراس خليفة لبوريس جونسون. وفي كل هذا المشهد يرى الباحث «يمينا أوروبيا ركب موجة الشعبوية لكنه لم ينجح في أن يصل إلى السلطة بالكامل أو يستقر فيها وأن هذا اليمين استخلص العبر من ذلك سواء من حيث الشكل فلم يعد إشكاليا أو صداميا كالسابق أو من حيث العودة إلى أسس اليمين الكلاسيكي سواء في المجال الاقتصادي برؤيته الليبرالية، التي تعود لفرض نفسها من جديد، أو في مجال العلاقات الدولية مع الخيار الأطلسي الذي يزداد قوة كما هو الحال مع المحافظين البريطانيين والديمقراطيين السويديين».
وإذا كان الطابع العام في تعاليق الصحف الفرنسية هذين اليومين هو غياب أي جزع أو تخويف لافتين للانتباه من هذا الفوز الإيطالي لليمين المتشدد، مع لمسات تفيد بنوع من التفهّم والقبول، كما تابعنا في ما سبق، فإن صحيفة مثل «ليبراسيون» اليسارية لم تستطع على ما يبدو التخلي عن إرثها التقليدي لسنوات طويلة وعن حذرها من صعود خصومها العقائديين والتاريخيين. هي لم تكتف بتغطيتها الإخبارية النقدية للحدث وإنما أيضا بإفساح المجال لمقال كتبته ميكالا مارزوني الفيلسوفة والكاتبة الإيطالية والنائبة السابقة في البرلمان وجاء تحت عنوان « لا تدعوا جورجيا ميلوني تخدعنا».