عدم سداد “اليوروبوندز” “خطيئة” متعمّدة أم سوء تقدير؟

سركيس نعوم – النهار

متابع #لبناني للأوضاع الاقتصادية المالية والنقدية والسياسية لبلاده راكم فوق “العلم والمعرفة” اللذين أخذهما من المدارس والجامعات خبرة عملية استقاها من التعاطي المباشر مع المتعاطين معها من مسؤولين حكوميين كبار ومع مرجعيات نيابية مهمة، كما مع أصحاب القرار في القطاع المصرفي بشقيه العام والخاص بما في ذلك مصرف لبنان، المتابع هذا بذل كل ما يستطيع من جهد مع كثيرين من هؤلاء لتصحيح الوضع المالي باقتراحات علمية تناولت المشكلات كلها في القطاعات المذكورة ومنها تسديد سندات “#اليوروبوندز” أو الإمتناع عن تسديدها. كان رأيه أن التسديد لم يعد ممكناً وقد شرح ذلك لـ”الموقف هذا النهار” بالنقاط الآتية:




1 – أصبح لبنان فعلياً خارج الأسواق الإئتمانية (Fixed Income MarKets) منذ 2017. إذ أن آخر إصدار لـ”اليوروبوندز” كان في آذار من ذلك العام وبعد التدهور بالمالية العامة وفي الإحتياطي الصافي لمصرف لبنان. في تلك المرحلة وبظروفها المشار إليها أصبح من الصعب جداً إقناع المستثمرين الأجانب بالإكتتاب في سندات “يوروبوندز” جديدة.

2 – يكون الحل عادةً في حالة كهذه استعادة الثقة على نحو جذري بتنفيذ إصلاحات عميقة وجدّية بل جذرية، وبإعادة هيكلة السندات المستحقة أو جدولتها بشراء الوقت ريثما تمكّن الإصلاحات من توفير العملة الصعبة وبكميات كافية.

3 – ما حصل في لبنان كبديل من المُقتَرح في الفقرة السابقة التي تحمل الرقم 2 هو أو بالأحرى كان استعمال حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أموال المودعين لتسديد الإستحقاقات المالية أي تسديد سندات “اليوروبوندز”، وذلك بتنفيذه عمليات مصرفية سمّاها “هندسات” استُخدمت فيها الفائدة المرتفعة والوهمية لإغراء المودعين من أصحاب الإيداعات الكبيرة بالدولار خارج لبنان بتحويلها الى مصارفه. من خلال هذه “الهندسة” كان مصرف لبنان يُغري المصارف بوضع الدولارات “العائدة الى الوطن” سواء من مغتربيه في أصقاع العالم أو مستثمرين عرب وأجانب في المصارف اللبنانية “الخاصة” ولمدة طويلة أصغرها سبع سنوات، أو بشراء سندات “اليوروبوندز”. وهدفه من ذلك كان إخفاء عدم قدرة الدولة على تنفيذ إصدارات جديدة. والمقابل لذلك كان إعطاء فائدة خيالية كانت في البداية 40 في المئة ثم انخفضت الى 20. كان معظمها يُدفع بالليرة اللبنانية. شجّع ذلك المصارف على إغراء المودعين بدورهم بتحويل مبالغ مهمة من أموالهم بالدولار الأميركي إليها في مقابل التشارك في الفائدة المرتفعة التي يدفعها لها مصرف لبنان في مقابل إيداع دولاراتها كلها عنده. طبعاً استفاد من هذه العمليات من استفاد من كبار المودعين وأصحاب المصارف، ثم حوّلوا الفوائد المقبوضة الى دولار ثم أخرجوها من لبنان الى مصارف العالم في الدول التي تحترم قوانينها، كما الى الدول المسماة “جنّات ضريبية”، وكان أحد أبرز تخصصاتها المالية إستقطاب إيداعات مالية مهمة ناجمة عن نشاطات غير مشروعة وعن فساد واسع ومتأصّل. ولم تقتصر تحويلاتهم المُشار إليها على أموالهم بل أخذوا معها دولارات مودعين آخرين وطبعاً أموال أصحاب البنوك. دافعهم الى ذلك كان تحقيق الأرباح الضخمة، وكان أيضاً حاجتهم الى هذه الدولارات لأن لبنان لا “يطبع” دولارات إذ لا يستطيع ذلك كما أن لا حق له في ذلك.

4 – بذلك أصبح تمويل سندات الدولة بالدولار أي “اليوروبوندز” يتم إصطناعياً من خلال الهندسات المالية. إذ صار معروفاً أن مصرف لبنان كان المكتتب الأساسي فيها منذ عام 2016، ثم صار المُكتتب في الإصدارات الجديدة التي تمّت بعد 2017، فجيّرها الى المصارف. وفي الحالين كانت أموال المودعين هي أداة التحويلات سواء برضاهم أو من دونه أو برضى بعضهم وعدم معرفة البعض الآخر.

5 – نتيجة ذلك أصبح تدهور الإحتياطي الصافي لدى مصرف لبنان خطيراً ومكشوفاً لشركات التصنيف الإئتماني والأسواق العالمية عام 2019، كما أصبحت تغطية إستحقاقات عام 2020 البالغة 4,7 مليار دولار أميركي عملاً مستحيلاً. فالإحتياط الصافي لمصرف لبنان الذي يُحكى عنه كان في حينه في حدود 30 مليار دولار ويُصبح 45 ملياراً إذا أُضيف الذهب ثروة لبنان الممنوع التصرّف بها بقانون من مجلس النواب. وعليك في هذا المجال أن تحسب ما لّكّ وما عليك. صارت معظم الأموال بالدولار “محبوسة” عند مصرف لبنان وكانت قيمتها 90 مليار دولار (مودعين) تقريباً كما كان محبوساً مبلغ 20 مليار دولار عند وزارة المال. الإحتياط الصافي 90 ناقص 30 لأنهم لا يحسبون الذهب وقت الأزمة فانكسر مصرف لبنان على 60 مليار دولار. يقول هو إذا كان الإحتياط الصافي سلبياً وقد اطلعت عليه شركات التصنيف مثل “فيتش” منذ سنة 2015 التي تصنّف المصارف فإنزلت مرتبة لبنان جرّاء ذلك بحيث أصبحت C إذ أنها اعتبرت الإحتياطي الذي كان يتحدّث عنه مصرف لبنان غير صحيح. والـ4,7 مليار دولار كانت مجموع الإستحقاقات عام 2020. وكانت ستزيد لو تابع مصرف لبنان تسديد السندات اللاحقة وطبعاً من أموال المودعين.

6 – عند التوقف عن دفع مستحقات السندات كان مصرف لبنان والمصارف مفلسين (in default) إذ توقّفت تلبية المودعين. كما كانت الليرة اللبنانية تنهار إذ وصلت قيمتها الفعلية في السوق السوداء الى 3000 ليرة أي تدهورت مئة في المئة. وما تبقّى هو التوقّف عن الدفع في شكل منظّم أي بعد تعيين شركة (Lazard) لازارد والإعلان عن هيكلية الدين بمساعدة صندوق النقد الدولي IMF.

في اختصار لم يُنجزوا بعد أي اتفاق مع صندوق النقد وحالوا دون الإصلاحات والمقصود هنا كل المستفيدين من هذه الأعمال غير الشرعية التي خسّرت اللبنانيين والمودعين غير اللبنانيين من عرب وأجانب كل ما وفّروه واستمروا بعدم الدفع علماً أنه كان يُفترض بدء العمل وسريعاً لإعادة هيكلة النظام المصرفي واتخاذ إجراءات أخرى يعرفها المصرفيون ولو تمّ ذلك لكان انتهى أو بدأ ينتهي كل شيء في سنة واحدة والمقصود هنا أنه كان يمكن دفع السندات المستحقة سنة 2020 والإنطلاق بعد ذلك في الإصلاحات المطلوبة. لكنهم أي المصارف ومصرف لبنان ووزارة المال والدولة كلها و”الضمير المستتر” أعطوا الأموال للتجار بواسطة “سياسة الدعم” التي مكّنت هؤلاء بعد بيع ما استوردوه وهو مدعوم من تحويل أرباحهم وربما رساميلهم الى مصارف في الخارج. ويختم المتابع نفسه بالقول “بدل أن يفعلوا ما كان يجب أن يفعلوه أعطوا الأموال للتجار الوهميين فهرّبوها الى الخارج”.