«الحزب» لا يريد باسيل

شارل جبور – الجمهورية

ملفان يعمل العهد و»حزب الله» على إنهائهما قبل انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون في 31 تشرين الأول: تأليف حكومة جديدة وترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل واستخراج الغاز، فهل سينجحان في سعيهما إلى التأليف والترسيم؟




الفارق بين التأليف والترسيم يكمن في انّ التحكُّم بالملف الأول هو في متناول اليد مبدئياً كون قدرة التأثير متوافرة، خلافاً للملف الثاني الذي يرتبط بالموقف الإسرائيلي والحسابات الإسرائيلية. وفي الوقت الذي يبدو فيه انّ التأليف بات محسوماً قبل نهاية الولاية الرئاسية، لا يمكن الجزم بموعد تتويج مفاوضات الترسيم، في ظلّ الكلام عن انّ هذا التطور أصبح بحكم المنجز، ورواية أخرى ترحِّل هذا الإنجاز إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الثاني المقبل.

ويدرك العارفون انّ النصوص الدستورية لا تشير لا من قريب ولا من بعيد إلى عدم جواز تسلُّم حكومة تصريف الأعمال صلاحيات رئيس الجمهورية، ولكن إصرار العهد على التأليف لقي تجاوباً من «حزب الله» لسببين أساسيين: رفض ان يخرج حليفه من القصر الجمهوري مكسور الخاطر، بل يريده خروجاً مشرّفاً لحليف كان داعماً لخياراته الاستراتيجية، وتلافي أي خطوة غير دستورية يمكن ان يلجأ إليها وتُدخل البلاد في بلبلة دستورية قد تستجلب تدخلاً دولياً وتسوية في غير مصلحته.

ولكن تلاقي مصلحة الحزب مع العهد في تأليف حكومة لا يعني انّ التشكيل سيحصل بشروطهما، لأنّ الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي لن يكون في وارد الانتحار سياسياً مقابل تعويم العهد، كما انّ الرئيس نبيه بري لن يُهديه الحكومة التي يطمع إليها، وهو أقرب إلى إجراء جردة حساب معه وليس تعزيز رصيده السياسي، خصوصاً انّه يتوقّع من الآن ان يكون هدفاً للنيران العونية بعد ان يستقرّ الرئيس عون في قصره الجديد في الرابية.

فالحكومة التي ستتشكّل لن تلبّي مطلب رئيس الجمهورية بتوسيعها لتضمّ 6 وزراء سياسيين، إنما سيتمّ الاكتفاء في إعادة تعويم الحالية مع تغييرات طفيفة، أي خطوة لزوم ما لا يلزم ونوع من تعويض معنوي للعهد بعدما تعذّر التعويض له سياسياً وتحديداً رئاسياً من خلال تبنّي ترشيح النائب جبران باسيل الذي يعتبر انّ الفراغ قد يعيد رفع نسبة حظوظه الرئاسية، فيما الحزب الذي لم يدعم ترشيح باسيل لن يدعم غيره من دون التوافق معه، تمسكاً بتحالف لا بديل له عنه اليوم.

وقد أثارت شخصية قريبة من جو 8 آذار السياسي التساؤل الآتي: هل كان «حزب الله» ليتردّد في تبنّي ترشيح باسيل لو كان مقتنعاً بجدوى دعمه وتشكيله استمراراً لعهد الرئيس عون؟ وهل هناك من يعتقد انّ الحزب يُحرج بتحالفاته وصداقاته إذا كان لديه مصلحة في أمر معيّن؟ وهل من يفترض ان ليس لديه الجرأة ليعتذر من النائب السابق سليمان فرنجية لأنّه بحاجة إلى كتلة نيابية يؤمّنها له باسيل، وبحاجة إلى غطاء مسيحي يتأمّن أيضاً عن طريق باسيل؟ وهل من يتوهّم انّ الحزب لا يدعم باسيل بسبب عقوبات أميركية او موقف حليفه بري الذي لم يتبدّل منذ دعمه لعون وقدرتهما على الفصل بين تحالفهما الوثيق وتبايناتهما التي تبقى تحت السقف ومضبوطة؟

ولم تكتف هذه الشخصية بالتساؤلات، بل انتقلت مباشرة إلى الإجابة، قائلة: يُدرك «حزب الله» انّ الهدف الأول للرئيس عون بعد اليوم الأول لدخوله إلى القصر الجمهوري كان خلافته من قِبل باسيل، والخلاف المضمر بين الحزب و»التيار الوطني الحر» انّ الأول لم يتعهّد ترشيح باسيل على غرار تعهده ترشيح عون على رغم انّ العهد لم يخطئ في أي خطوة من طبيعة استراتيجية مع الحزب، ولكنه رغم ذلك ما زال على موقفه لغاية اللحظة، وأعطى أكثر من إشارة بأنّه يبحث عن رئيس توافقي.

وأضافت الشخصية: لن يكون «حزب الله» في وارد تحويل الاستحقاق الرئاسي إلى مناسبة خلافية مع عون وباسيل وتؤدي إلى قطع العلاقة معهما، ولذلك سيترك المبادرة الرئاسية بيد باسيل من دون ان يقدِّم له اي دعم معلن او مضمر، وهو قد يكون أسرّ له بأنّ عليه ان يخوض معركته، وفي حال نجح بتأمين ظروفها الوطنية بإقناع أكثر من كتلة بدعمه، سيكون الحزب آخر الداعمين له، وبالعربي الدارج أبلغه التالي: «موقف الحزب لاحق عليه»، ولكن هذا الموقف سيكون هذه المرة آخر المواقف لا أولها.

وختمت الشخصية: «حزب الله» لا يريد باسيل رئيساً للجمهورية، ولو كان خلاف ذلك لما تردّد بدعمه علناً غير عابئ بأي انعكاسات لموقفه، وقد دلّ هذا الاستحقاق انّ الحليف الثابت الوحيد للحزب هو الرئيس بري الذي لا نقاش في رئاسته لمجلس النواب، فيما العلاقة مع عون وباسيل مفتوحة على أكثر من نقاش. وما تقدّم يعني انّ البلاد مقبلة على فراغ، لأنّ باسيل لا يريد التخلّي عن فرصته الرئاسية، ولأنّ الحزب لن يُقدم على أي خطوة بمعزل عنه، وسيراقب كيفية تبلور الموقف الخارجي والداخلي ليبني على الشيء مقتضاه وصولاً إلى الرئيس الذي يُطمئن الخارج ويريِّح الداخل ولا يمسّ بعناصر قوته الاستراتيجية.

وبالتوازي مع التعويض الحكومي المعنوي لرئيس الجمهورية، يبحث «حزب الله» عن تعويض معنوي وعملي في الوقت نفسه، من خلال الترسيم الذي يريده إقراراً بأنّ سلاحه حقّق هذه الخطوة التي كانت مستبعدة لولا دخوله على هذا الخط مهدّداً بالحرب، فتحرّكت الديبلوماسية الأميركية تلافياً لحرب لا تريدها، وذلك تبريراً للاحتفاظ بسلاحه بعد ترسيم سيكون بمثابة إحياء لاتفاقية الهدنة وسقوط المبرِّر لسلاحه، واستباقاً لنقاش جديد يُفتح حول جدوى هذا السلاح بعد تسوية الترسيم، والحزب ليس في وارد تسليم سلاحه طبعاً والذي يرتبط قبل أي شيء آخر بعقيدته الدينية.

وأما التعويض العملي الذي يبحث عنه، فهو ان يشكّل استخراج الغاز مناسبة لتعويم منظومته السياسية التي تشكّل الغطاء لسلاحه ودوره، وهو يريد ان يتعامل مع الغاز بكونه الـATM التي يموِّل من خلالها هذه المنظومة وينفِّس التعبئة الشعبية ضدّه ويحوِّر الأنظار عن سلاحه وتحميله مسؤولية الانهيار، كما انّه يريدها لتكون بديلاً عن الـATM السعودي والدولي، والتي يعتبرها سيفاً مصلتاً على رأسه بربطها المساعدات للبنان بتسليم سلاحه وإنهاء دوره.

ولكن سيكون من الصعوبة او الاستحالة على الحزب ان يتعامل مع الغاز كـATM لتمويل منظومته، لأنّ القوى السياسية المعارضة ستضع قيوداً صارمة على استخدام الثروة النفطية، من خلال قوانين تنشئ بموجبها صندوق سيادي يحظِّر استخدام هذه الأموال التي ستكون كالذهب خميرة للبنان والأجيال اللبنانية، وما يُستخدم منها فقط هو الجانب الاستثماري، اي انّ الأصول ستبقى على ما هي عليه وسيمنع المساس بها، فضلاً عن انّ المجتمع الدولي الذي يرفض تقديم المساعدات إلى اللبنانيين عن طريق الدولة تجنباً لهدرها من قِبل منظومة الحزب، سيتشدّد في مراقبته وسيصرّ على إصدار القوانين التي تمنع هذه المنظومة من استخدام الثروة النفطية لأغراضها السياسية.