رفض تكريس “إلغاء” دور الطائفة السنّية!

روزانا بومنصف – النهار

سلّط الاجتماع الذي دعا إليه مفتي الجمهورية #عبد اللطيف دريان النواب من الطائفة السنية في مسعى لتوحيد الموقف السني أو إيجاده بالاحرى في ظل تشرذم #النواب السنة بعد ابتعاد الرئيس #سعد الحريري وتعليقه عمله السياسي وكذلك كتلته، الضوء لا على مدى الغياب الذي تركه الأخير على الساحة السياسية فحسب بل على التحسب لغياب الموقع السني في المعادلة الوطنية واستحقاقاتها المقبلة. فهذا يندرج في إطار تدارك فوضى المواقف التي يمكن أن يطلقها النواب من الطائفة السنية كما تدارك الفوضى في ظل تأكيد الحضور على الساحة السياسية عموماً عبر التمسك باتفاق الطائف. فكلمة دريان اكتسبت أهمية كبيرة وحظيت بثناء كبير لدى أوساط سياسية عدة ولا سيما في تركيزه على أهمية دور رئيس الجمهورية المسيحي وموقعه لا في الركائز الداخلية بل أيضاً في علاقات لبنان مع الدول العربية خاصةً. فهناك مشكلة لدى الطائفة السنية كشفتها الانتخابات النيابية وستكشفها كل الاستحقاقات المستقبلية القريبة ولم يُسلّط الضوء الكافي على ذلك نتيجة الازمات المتدحرجة، وإن بدا الامر واضحاً في إعادة تسمية الرئيس نجيب ميقاتي لتأليف الحكومة بعد الانتخابات. وإعادة استنساخ الحكومة لا يتيح تظهير التضعضع القائم الذي يشبه الى حد كبير ما حصل مع المسيحيين في الاعوام الاولى لبدء تطبيق اتفاق الطائف في عهد الوصاية السورية.




الاشكالية التالية مطروحة على الصعيد المسيحي على خلفية انتهاء ولاية ميشال عون بما عناه سعيه خلال ثلاثين عاماً، لا الى الرئاسة الاولى فحسب بل الى الاستحواذ على كامل الحصة المسيحية في السلطة والتمثيل المسيحي الى جانب زعماء الطوائف الآخرين. انتهاء ولاية عون سيحدث متغيّرات كبيرة على هذا الصعيد ولا سيما أنه استطاع حصر التمثيل المسيحي به خلال فترات طويلة قبل انتخابه في عام 2016 وخلال عهده من خلال تمثيل ضئيل للفرقاء من ضمن المحور السياسي نفسه، وذلك على رغم الحضور القوي لحزب “القوات اللبنانية” الذي فضّل الابتعاد في معظم الاحيان تاركاً الحصة المسيحية للفريق العوني وحده والاستئثار بكل المواقع المسيحية في السلطة. وانتخاب رئيس جديد للجمهورية سيحدث تغييرات كبيرة عبر إدخال لاعب جديد يُفترض أن يكون له فريقه وتأثيره في كل المواقع، ولكن عملانياً وحسابياً على الارض على المواقع المسيحية، فيقتنصها أو يسمح للقوى المسيحية السياسية بمشاركته بها بمقدار طموحه أو قدرته السياسية أو تنفيذه برنامجاً إصلاحياً متقدماً. وهذا ليس سهلاً على عون وفريقه ولا سيما في ظل عدم نجاحه في فرض ترشيح رئيس تياره وصهره خلفاً له في الرئاسة الاولى وإن لم يكن فقد الأمل بعد على الأرجح مراهناً على تطورات إقليمية في زمن الشغور الرئاسي تؤدّي الى ذلك أو في الحد الادنى تسمح له باختيار شخصية للرئاسة تحفظ له هذه الحصة المسيحية في السلطة بكليتها أو على الاقل بغالبيتها ومفاتيحها الاساسية. وتحظى المواقف التي يطلقها فريقه حول ضرورة تغيير النظام بانتقادات كبيرة تقابلها خاصةً تغريدات للسفير السعودي وليد بخاري حول اتفاق الطائف وعدم المساومة عليه وتأكيد الاجتماع النيابي في دار الافتاء في بيروت على ذلك في إطار الرد الضمني والعلني على مساعي لمحاولة إرساء صيغة ثنائية مسيحية شيعية يمثلها عون و”حزب الله” في ظل استضعاف الطائفة السنية أو تكريس إلغاء دورها، فيما الانتقادات الاخرى تنطلق من واقع أن تغيير النظام سيؤدي عملانياً الى خسارة المسيحيين المناصفة على الاقل متى فتح باب أي تغيير من أي نوع كان حتى في ظل التضعضع السنّي وعدم توحّده. وليس عفوياً إطلاقاً أو مجرد مصادفة هذا الإصرار على استحضار التمسك باتفاق الطائف في هذه المرحلة والإيحاء بوضوح بعدم وجود أي تغطية سعودية وتالياً عربية أو فرنسية أو أميركية لأي تغييرات يسعى البعض الى إدخالها على الدستور اللبناني. فهذا يكشف وجود محاولات في الخفاء في هذا الاتجاه فضلاً عن أن الفتاوى الدستورية التي تخرج من قصر بعبدا تستهدف كلها تجاهل دستور الطائف والعودة الى ما قبله تحت ذرائع مختلفة أو الالتفاف عليه بالحد الادنى. وهذا جانب من الازمة الداخلية فحسب، بمعزل عن امتداداتها الاقليمية وانتصارات المحاور الاقليمية في لبنان أو تنافسها، علماً بأنه لا يمكن دحض تداخل العوامل المحلية بالاقليمية والدولية كذلك. ولذلك فإن المواقف الدولية بكافة صياغاتها ترمي الى توجيه رسالة بوجوب مغادرة السلطة لأن انتهاء الولاية الرئاسية يعني المغادرة بدون اجتهادات واحترام المواعيد الدستورية.

وإزاء ذلك ومع التغيير المفترض على الصعيد المسيحي الذي لا يعود الى بداية عهد ميشال عون بل الى تاريخ توقيعه تفاهم مار مخايل بينه وبين “حزب الله” وحصر الحصّة المسيحية به، فإن الطائفة الشيعية تبقى الطائفة الأكبر العصيّة على أي تغيير داخلي بمعزل عن إيجابيته أو سلبيته، في ظل تلاقٍ داخلي وخارجي على إبقاء التوازن موجوداً عبر رئاسة نبيه بري للمجلس النيابي والحوار الذي لا غنى عنه في المرحلة الحالية على رغم كل المآخذ والانتقادات في ظل عدم إمكان الحوار مع “حزب الله”.

وقد تشير عودة سعد الحريري الى بيروت بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية، إذا حصل ذلك في المدى المنظور، وهو أمر غير مستبعد بالنسبة الى البعض، أو واجب الحصول والدفع من جانب المملكة السعودية في الأساس، ولا سيما إذا جرى الحوار السعودي الإيراني على ما يرام، الى مرحلة أخرى بعناوين مختلفة، إذ باتت غالبية من السياسيين تعود الى اعتبار الأزمة في لبنان أزمة سياسية في العمق قبل أن تكون أزمة اقتصادية يمكن حلها إذا حصل الحد المطلوب من التوافق السياسي.