هل أعلن بوتين الحرب على الغرب؟ – توران قشلاقجي – القدس العربي

في خضم الهجمات التي تشنها روسيا على أوكرانيا منذ 24 فبراير/شباط 2022، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، التعبئة الجزئية في بلاده من قوات الاحتياط، وممن يمتلكون الخبرة في القتال. وقال بوتين إن «الغرب يستخدم الابتزاز النووي ضدنا»، مؤكدا أن روسيا تمتلك ما يكفي من الأسلحة للرد على الغرب، وإن «هذا ليس خداعا». وأعرب الرئيس الروسي عن تأييده لانضمام مناطق دونيتسك ولوغانتسك وخيرسون وزاباروجيا إلى روسيا. ومن المقرر أن يستدعي الجيش الروسي 300 ألف جندي احتياط في هذا الإطار.
من جهته قال وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، إن بلاده لم تعد تحارب أوكرانيا، وإنما تحارب الغرب ككل، وزعم مشاركة مستشارين عسكريين من حلف شمال الأطلسي (الناتو) في قيادة الجيش الأوكراني. وكشف أن عدد قتلى الجنود الروس في أوكرانيا بلغ 5 آلاف و937 لغاية اليوم. وبعد فترة وجيزة من تصريحات بوتين وشويغو، انتهت جميع تذاكر السفر من موسكو إلى إسطنبول، وبدأ الناس يطالبون بإطلاق رحلات إضافية.

إعلان الرئيس الروسي للتعبئة الجزئية يتضمن رسالتين للغرب؛ الأولى تنادي بالاعتراف باستفتاء دونباس لإنهاء الحرب، والثانية توسيع نطاق الحرب لتشمل العالم




من الواضح أن الزعيم الروسي بعث العديد من الرسائل إلى الغرب عبر تصريحاته الأخيرة، والتي تهم تركيا والعالم العربي أيضا، وليس الدول الغربية فقط، لأنه إذا اتسع نطاق الحرب من المجال الإقليمي إلى العالمي (لا قدر الله)، فإن هناك كوارث كبيرة جدا تنتظر العالم بأسره والمنطقة التي نعيش فيها. يمكن قراءة قرار بوتين الاستراتيجي على أنه خطوة ردع وتحد، فضلا عن كونه بمثابة استكمال للنواقص. ويبدو جليا أن إعلان الرئيس الروسي للتعبئة الجزئية في بلاده يتضمن رسالتين للغرب؛ الأولى تنادي بالاعتراف باستفتاء دونباس لإنهاء الحرب، والثانية هي توسيع نطاق الحرب هذه لتشمل العالم، لاسيما أوروبا الشرقية. يقول بوتين إن الحرب في أوكرانيا هي حرب مع الغرب، ويدعي أن هدف الدول الغربية هو القضاء على روسيا، وإن الأخيرة ستدافع عن وحدة أراضيها، وإن الغرب الذي يزود أوكرانيا بالسلاح، لا يتصرف بطريقة سلمية. وأشار إلى أن الجيش الروسي سوف يستدعي 300 ألف جندي جديد للخدمة بسبب التعبئة، مشددا على أن تصريحاته ليست خداعا. ويمكن أن نفهم من ذلك، أن بوتين ألمح إلى أن روسيا يمكنها استخدام جميع أنواع الأسلحة، بما في ذلك السلاح النووي. يرى بعض الخبراء العسكريين في تركيا، أن إعلان التعبئة لا يكفي، وإنما هناك حاجة لأن تكون الأجهزة الإدارية والعسكرية المعنية بالتنفيذ جاهزة بصورة تامة، لكن هذا الأمر يعد المشكلة الأهم بالنسبة إلى روسيا لأنها لا تمتلك أجهزة تعبئة منتظمة ومحكمة. ويشير الخبراء إلى أن بوتين عندما شن الحرب على أوكرانيا كان يظن بأنه سيحقق النصر بسرعة، وأنه شارك في الحرب بيد واحدة مقيدة، لأنه لم يستطع وصف الحرب باسمها الحقيقي بسبب التكلفة المترتبة على السياسة الداخلية. ويقول الخبراء إن بوتين يحاول الآن ابتكار صيغ من شأنها أن تساعده على تجاوز العقبات السياسية والقانونية بذريعة التعبئة الجزئية. وكانت التصريحات التي أدلى بها بوتين أمس بمثابة حجر زاوية جديد وحاسم بشأن الحرب في أوكرانيا. يجب النظر جيدا إلى توقيت خطاب بوتين. لأن الولايات المتحدة مقبلة على انتخابات نصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وبات من الممكن في هذه المرحلة ممارسة الضغوط على إدارة جو بايدن. كما أن التصريحات تأتي بعد نحو أسبوع من إعلان بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ، عن اتفاقهما حول قضايا معينة، وذلك خلال لقاء جرى بينهما على هامش قمة منظمة شانغهاي للتعاون في سمرقند. تعتقد روسيا أنها لا تمتلك الإمكانية لاستخدام القوة ضد الناتو، لكنها تستطيع توسيع نطاق الظروف العالمية القائمة (مثل مخاطر الحرب والاقتصاد والطاقة) بما يتماشى مع هدفها. ومن المعلوم أن أوروبا بدأت تشعر بقلق عميق إزاء أزمة الطاقة والاقتصاد مع حلول الشتاء. وفي هذا الصدد، قالت وزيرة الخارجية البريطانية، جيليان كيجان، في بيان لها، إن تصريحات بوتين تبعث على القلق ويجب أخذها على محمل الجد. بدوره قال رئيس الوزراء الهولندي مارك روته، في تصريحات لوكالة رويترز، إن إعلان التعبئة الجزئية دليل على ذعر بوتين.
خلاصة الكلام؛ من الواضح أن خطوة بوتين الاستراتيجية سوف تثير جدلا واسعا. وتظهر لنا هذه الأيام التي تشهد تشكل النظام العالمي الجديد أن الأشهر والسنوات المقبلة ستكون مؤلمة أكثر. ذلك، يجب على تركيا والدول العربية تنحية صراعاتها الداخلية جانبا وطرح شراكات واستراتيجيات من شأنها تعزيز وجودها في النظام العالمي الجديد.