الحكومة تؤلَّف والرئيس لن يُنتخَب

سابين عويس – النهار

لأن البلد يفتقد الى رجال دولة يحملون رؤية أو مشروعاً إنقاذياً يخوضون به معاركهم لمواجهة مشروع سقوط الدولة وانحلال مؤسساتها كما هو حاصل راهناً، فإن حال التخبط التي شهدتها البلاد الأسبوع الماضي بين همروجة اقتحام المصارف والمسرحية الهزلية في ساحة النجمة حيث سجلت الشعبوية والمزايدات اعلى نسبة في تاريخ جلسات مناقشة الموازنات العامة، هذا التخبط سيستمر ويتفاقم وسينتخب على ما تبقى من الولاية الرئاسية.




وفي الوقت الذي يفترض ان يشكل الاستحقاق الرئاسي أولوية الاولويات على قاعدة احترام الدستور ومهله المتصلة بهذا الاستحقاق، وعلى قاعدة ان المسار الأمثل يقضي بإجراء انتخابات رئاسية، ينبثق عنها حكومة جديدة، فإن المشهد السياسي بما حمله من مواقف ومحطات ومؤشرات يشي بأن الجهود منصبة لتأليف حكومة جديدة او ربما الأصح تعويم الحكومة المستقيلة مع اضفاء تعديلات طفيفة عليها لا تخل بتوازناتها، ولا تكسر كلمة رئيس ضد رئيس، طالما ان المطالَب المطروحة من قبل رئيسي الجمهورية والحكومة المكلف لن تُلبَّى. ما يعني عملياً، وكما بات واضحاً ولا سيما بعد اعلان الأمين العام لحزب الله كلمة السر الحكومية ان الاولوية لن تكون لانتخاب رئيس، وأن أي من الافرقاء المعنيين بالاستحقاق ولا سيما على الضفة المسيحية ليس في وارد ان يولي هذا الامر أهميته وأولويته، ما دام لكل فريق اجندته الرئاسية التي يشعر من خلالها ان ظروف وصوله الى قصر بعبدا لم تنضج بعد.

باتت الحكومة المعوٓمة المخرج الوحيد المتوافر داخلياً لاحتواء سقوط البلاد في المحظور، على قاعدة ان هكذا حكومة يمكن لها ان تتولى إدارة الشعور في موقع الرئاسة، ولا تتيح في حال تشكيلها امام فريق العهد اللجوء الى الفوضى الدستورية التي هدد بها النائب جبران باسيل. وتأليفها سيجعل بالتالي يوم الواحد والثلاثين من تشرين الاول المقبل يوماً عادياً ، نازعاً من يد الرئيس كل الذرائع للجوء الى خطوات غير دستورية مستندة الى اجتهادات جهابذة بعبدا.

وبات واضحاً ايضاً ان الوصول الى هذا المخرج كان نتيجة تعذر التفاهم على الرئيس المقبل. قالها رئيس المجلس نبيه بري صراحة في رده على سؤال النائبة بولا يعقوبيان، انه لن يدعو الى جلسة انتخاب رئيس قبل حصول التوافق حوله. لم يحدد بري عن أي توافق تحدث وبين من ومن، ولكن الاكيد ان هذا التوافق يجب ان يشمل الكتل المعارضة ولا سيما المسيحية منها، من اجل عدم تعريض جلسات الانتخاب الى التعطيل، كما حصل في جلسة اقرار مشروع قانون الموازنة العامة، حيث حملت الاعتراضات والتعطيل رسالتين واضحتين، احداهما في ما بين القوى المعترضة لاختبار مدى تماسكها والتفافها حول موقف واحد، بما يتيح التعويل عليها في جلسات الانتخاب المقبلة، وثانيها في اتجاه “حزب الله” وحلفائه لتأكيد تماسك هذه القوى وقدرتها التعطيلية، بعدما فقدت أكثريتها بفعل تشتت أعضائها، ولكنها لم تخسر الثلث اضامن لتعطيل اي نصاب لجلسة انتخاب رئيس مواجهة، سيما وان اكثر المرشحين الجديين حتى الآن هو زعيم تيار “المردة” سليمان فرنجية، الموضوع في خانة مرشحي المواجهة، فيما حظوظ قائد الجيش العماد جوزيف عون كمرشح توافقي لن ترتفع في شكل جدي الا بعد انتهاء الولاية الرئاسية، ودخول البلاد في مرحلة الفراغ والفوضى حتماً مع ما ترتبه من مخاطر أمنية، كانت ابرز تجلياتها الاقتحامات التي شهدتها بعض الفروع المصرفية في مختلف المناطق اللبنانية، في رسالة تهديد واضحة ان كل لبنان معرض للاهتزاز.

عدم التوافق على رئيس سيدفع رئيس المجلس الى انتظار المهلة الدستورية الاخيرة، اي الأيام العشرة الاخيرة التي يتحول معها المجلس حكماً الى هيئة ناخبة، من دون أن يعني ذلك، وفق المعطيات الراهنة، وما لم يطرأ مستجد خارجي يدفع نحو إتمام الانتخاب، ان البلاد ذاهبة نحو الفراغ، وكل فريق يسعى الى تحصين تموضعه في حكومة إدارة الصلاحيات الرئاسية. واذا كان رئيس الجمهورية فشل في ادخال ستة وزراء دولة سياسيين، إن رئيس المجلس سينجح في ان يشمل التعديل الوزاري وزير المال بحيث قرر كما بات معلوماً استبدال الوزير الحالي يوسف الخليل بالنائب السابق ياسين جابر، بعدما قرر اخراج الوزارة من عباءة المصرف المركزي، كما ان الظروف الاستثنائية المقبلة على البلاد تتطلب وزيراً ذَا خلفية سياسية.

إذن، قطار تشكيل الحكومة انطلق، كما قطار اقرار الموازنة في جلسة السادس والعشرين من الشهر الحاري بعدما انتهت العارضات السياسية. اما انتخاب رئيس الذي يشمل اول الاولويات فلا يزال مصيره في مهب التسويات.