التعويم تجنّباً لـ”ترؤس” باسيل الحكومة

وليد شقير | نداء الوطن

إبّان حكومة الرئيس تمام سلام في ظلّ الفراغ الرئاسي الذي امتدّ سنتين وخمسة أشهر وزهاء ثلاثة أسابيع والتي كانت تمارس صلاحيّات الرئاسة في ظلّ هذا الفراغ، دخل وزير الخارجية آنذاك جبران باسيل إلى إحدى جلسات مجلس الوزراء في السراي الحكومي، وقبل افتتاح الجلسة توجّه إلى سلام طالباً الكلام، لكنّ الأخير أبلغه أنه سيعطيه الكلام بعد افتتاح الجلسة. أصرّ باسيل وقال إن كلاً من الـ24 وزيراً الموجودين على الطاولة هو رئيس للجمهورية، مستنداً إلى نص الدستور أن الحكومة تتولّى صلاحيات رئاسة الجمهورية في حال شغورها.




حصل هرج ومرج في حينها وردّ عليه سلام بقوة، ثم تمّ إخراج الصحافيين والمصوّرين الذين كانوا يغطّون افتتاح الجلسة. بعدها تكرّر السجال وقال باسيل إن المادة 53 من الدستور تنص على أن يترأس رئيس الجمهورية مجلس الوزراء عندما يشاء ونحن نريد أن نترأس الجلسات. فردّ عليه وزير الشؤون الإجتماعية في حينها المحامي والقانوني رشيد درباس بأن الدستور يتحدث بصيغة المفرد وليس بصيغة الجمع، بحيث إن هذه الصلاحية محصورة بشخص رئيس الجمهورية… وتولّى وزير الداخلية آنذاك نهاد المشنوق دعوة باسيل إلى حديث جانبي ومسك يده إلى خارج قاعة مجلس الوزراء قائلاً له: ما الحكمة من أن تفتعل مشكلة مع الجانب السنّي بأفكار كهذه؟ فافتعل باسيل استغرابه كأنه لا يدرك مفاعيل انتزاعه صلاحيات رئيس مجلس الوزراء وتجريده منها، ومضاعفات ذلك على الصعيد الطائفي، قائلاً: ألهذه الدرجة؟

بفعل الإصرار على انتخاب العماد ميشال عون دون غيره في حينها لم يكن فريقه يعدم وسيلة ومنها تشويه وتطويع الدستور بهرطقات من النوع الذي ابتدعه باسيل بأن يترأس أحد الوزراء جلسة مجلس الوزراء بدلاً من رئيسه وفق الدستور: إما عون رئيساً، أو يتمّ إلغاء الرئاسة الثالثة. وكان ذلك يحصل في سياق الضغط على المكون السنّي بزعامة رئيس تيار «المستقبل» سعد الحريري كي يقبل بانتخاب عون. وواكب هذه الممارسات الضاغطة التي رافقتها تحركات في الشارع، رفع شعار عدم شرعية البرلمان بحجّة أنه ممدّد له، للضغط على الرئيس نبيه بري الذي كان رافضاً خيار عون في الرئاسة. وهو البرلمان الذي عاد فانتخب عون بعد بضعة أشهر.

لا يمكن فصل الشروط التي يضعها باسيل والفريق الرئاسي على تشكيل الحكومة الجديدة عن هذا السياق، وإن اختلفت الظروف والشخصيات المعنية والوضعية العونية. فالمطروح خروجها من الرئاسة بينما في العام 2016 كانت تريد الدخول إليها. والمطروح أن تسلّم أختام الرئاسة لمن ينصّ الدستور على أن يتسلّمها، إما رئيس منتخب أو حكومة تحلّ مكانه، حتى لو كانت حكومة تصريف الأعمال، تنطبق عليها في هذه الحال ما يجري ممارسته حالياً وهي حال الإستقالة. يوقّع الرئيس عون مع رئيسها ووزرائها المراسيم والقرارات والقوانين التي تصدر عن البرلمان ومشاريع القوانين التي تحيلها الحكومة إليه لإقرارها. وإذا كان من تشكيك بشرعية دورها كحكومة تصريف الأعمال فهذا يعني أن ما يقوم به الرئيس عون بالتعاون معها غير شرعي.

ليس الموضوع بالنسبة إلى الفريق العوني صلاحية حكومة تصريف الأعمال أو عدم صلاحيتها لتولي الصلاحيات الرئاسية في ظل فراغ رئاسي، بل هو أن يتقدم باسيل، وكيل عون، في إدارة المرحلة الانتقالية بين الفراغ وملئه. وبدلاً من المطالبة بترؤس جلسات مجلس الوزراء من قبل الوزراء بات المطلب تعيين وزراء الدولة الستة في الحكومة الجديدة، إضافة إلى الوزراء الـ24 الموجودين، من دون استبعاد أن يكون باسيل أحدهم بحيث يكون ذلك وسيلة الغلبة السياسية في قرارات مجلس الوزراء، ووضع رئيسه في خيار بين القبول بما يريده «التيار» من قرارات أو شلّ عمله رغم الحاجة إليه في التعاطي مع توالد الأزمات المعيشية جرّاء المزيد من التدهور الإقتصادي والمالي.

الصيغة الحكومية التي يسعى إليها الحزب تفادياً لتكرار السيناريو المعروف، هي إعادة تفعيل خيار تعويم الحكومة المستقيلة مع تغيير في بضعة وزراء، ومراعاة مطلب عون بأن يسمّي الوزيرين السني والدرزي اللذين سيتمّ استبدالهما من تركيبة الـ24 وزيراً الحالية، في الأيام العشرة الأخيرة من الولاية الرئاسية. فـ»حزب الله» الذي يجنح نحو التشدد في اختيار الرئيس العتيد وسيدقق في خياراته، يفضّل أقلّ قدر من الفوضى والمراعاة في قرارات السلطة في ظل الشغور الرئاسي.

بتشكيل الحكومة ينسى الفرقاء قصة الفراغ الآتي، فيجري تشريعه كي تتحمّل الحكومة المكتملة الصلاحيات مسؤولية المزيد من التوترات على الأرض.