ما خلفيات انفجار الصراع بين جناحَي “القومي” وإلى أين يمضي؟

ابراهيم بيرم – النهار

معظم التوقعات كانت تشي بأن ثمة جهوداً شرع الطرفان المتنازعان في #الحزب السوري القومي الاجتماعي ببذلها في سبيل استيعاب مفاعيل الانشقاق والافتراق الذي تكرّس قبل أكثر من عامين بينهما والانتقال الى مربّع فتح أبواب حوار وتفاوض يرمي الى إعادة رأب الصدع ووصل ما انقطع، وفي خضمّ كل هذه المناخات الواعدة هبّت الرياح خلاف كلّ التوقعات، وانفجر التباين صراعاتٍ على الأرض، ما أعاد الى الأذهان صراعات السبعينيات والثمانينيات التي انتهت بجولات عنف وتصفيات متبادلة سقط ضحيّتها مئات الكوادر والقيادات على مدى أعوام. وإن كان الصراع الأحدث ما انفك محصوراً في حدود احتلال مكاتب ومراكز في العاصمة وخارجها فإن السؤال المحوري حيال هذا المشهد: ما الذي استجدّ حتى تبدّدت كلّ المؤشرات التفاؤلية في لحظة واحدة؟




يروي قيادي مخضرم في الحزب خرج منذ سنوات الى دائرة الخارجين عن الاصطفافين وآثر الانضمام الى الفئة الحزبية المبتعدة وهي وفق تقديرات تكاد توازي الطرفين عدداً، أنه التقى قبيل أسابيع في مأتم زوجة أحد القياديين في الحزب في إحدى البلدات المتنيّة بمعزّين من جناح أسعد حردان وما لبثوا أن تمنّوا عليه الشروع فوراً بدور وساطي كاشفين له أن هذا هو توجّه “رئيس الحزب” ولسان حاله أنه مستعدّ لبحث كلّ الأمور. وما زاد في تفاؤل الرجل أنه تلقى بعيد أيام اتصالاً من “رئيس الحزب جناح مركز الروشة” ربيع بنات يتمنّى عليه اللقاء للبحث في مهمة إعادة جسور الثقة بين الطرفين. وعبر لقاءت جانبية أجراها مع قيادات من الطرفين استشعر الرجل أن الجميع يعاني من آثار الهزيمة المدوّية والشنعاء التي لحقت بكلا الطرفين في الانتخابات النيابية الأخيرة التي انتهت كما هو معلوم الى خروج الحزب كلياً من المجلس النيابي وهو الذي تمثّل في أول انتخابات جرت بعد اتفاق الطائف بثمانية نواب وتمثل في الانتخابات ما قبل الأخيرة بثلاثة وهو “انحدار وتراجع لا يمكن تبريره” إذ يكاد يكون خروجاً من المشهد السياسي.

فضلاً عن ذلك، فإن أرقام نتائج الفرز بدت كارثية لكلا الطرفين اللذين كان لهما نحو ثمانية مرشحين إذ تبيّن لهما بالدليل القاطع حجم تقهقر شعبية الحزب في معقليه الأساسيين في المتن والكورة.

وأكثر من ذلك، دار في دوائر النقاش داخل الحزب والدوائر المحيطة حديث يقرب من الشكوى من جراء أن الحزب لم يعد موحّد المرجعية السياسية إذ إنه يبدو موزعاً على ثلاث مرجعيات. فدمشق حليف الحزب التاريخي قصرت اعترافها على أسعد حردان وفريقه بعدما قطعت كلّ خيوط علاقتها سابقاً بالجناح الآخر وأبطلت محاولات التوحيد، فيما “حزب الله” حسب كلّ المعلومات يقدّم الدعم المفتوح لجناح الروشة، وبالموازاة يشكّل الرئيس نبيه بري وحركة أمل السند التقليدي التاريخي لحردان وإن كان الملاحظ أخيراً أن هذا السند أصيب بنوع من التراجع أو بمعنى آخر نوع من الفتور.

وإن كان معلوماً أن الأزمة والانشقاق والتصارع في داخل القومي ليس مستجداً على مسيرة الحزب الذي يعود تأسيسه رسمياً الى عام 1932، بل إن التفسّخ والانقسام باتا لصيقين بهويّة الحزب وشخصيته، فإنه كان في ما مضى حالة واعدة ممتدّة تستأهل الصراع عليها وفيها بعكس المرحلة الراهنة حيث لا يمكن أحداً من داخل الحزب وخارجه إنكار أنه في أسوأ أوضاعه وأخفّ أوزانه بفعل الانقسامات من جهة وبفعل “النزوح والنزف المستمرّ” لمئات الكوادر المثقفة والواعية كردّ فعل على ما يُسمّى “هيمنة الجناح العسكري” على القرار في كلا الطرفين منذ الحرب الى اليوم. حتى إن في الحزب من يرى أن الصراع الحالي هو عبارة عن صراع بين الذراع العسكري المعاند والرافض لكل محاولات “تحديث” الحزب وتحسين صورته التاريخية وجذب الجالسين على قارعة الانتظار عبر عدم التجاوب مع الجهود الرامية الى جعله يخلي الصدارة ويخفّف من قبضته على القرار السياسي.

الى أين يمكن هذا الصراع المتجدّد أن ينتهي؟
بصرف النظر عن بيانات الطرفين التي يحمّل فيها كلٌ منهما الآخر مسؤولية إضرام شرارة الانفجار الحالي، فالثابت أن “الرجل القويّ” والتاريخي في الحزب قياساً بقادة الجناح الآخر المغمورين، أسعد حردان، ما انفك يراهن على إمكان استرداد “ملك سياسي” لم يعد قابضاً على زمامه كما في الأعوام الخوالي مستغلاً بطبيعة الحال مكانته السياسية في المشهد السياسي وقبله في ظلّ الوجود السوري الذي عدّه واحداً من أذرعه على الساحة. ولكن يتبدّى واضحاً أن دون هذه الرغبة عقبات حقيقية ووقائع عنيدة هذه المرّة.

وثمة من يتّهم حردان بأنه يحاول التعويض عن خسارته المدوّية في الانتخابات الأخيرة التي أفقدته المقعد النيابي الذي يحتله في دائرة الجنوب منذ نحو ثلاثة عقود، من خلال “ضربات وشطارات” تفقد من يعتبرهم “خوارج عليه” القدرة على التحدّي. وبمعنى آخر، يسعى حردان الى استنساخ تجربة النصف الثاني من التسعينيات في إعادة توحيد الحزب، إذ بعد وفاة الرجل التاريخي المنافس أي إنعام رعد، نجح حردان في جذب الباقين الى شروطه فعدّ نفسه يومها الرابح. لكن الأمر مختلف في هذه التجربة الجديدة، فالسند السوري غائب، فيما “حزب الله” ليس في وارد التخلّي عن فريق الروشة إضافة الى واقعة أساسية هي أن الفريق الحزبي الآخر ليس رقماً سهلاً فهو يجمع بين صفوفه “كل المتضرّرين” من حردان والناقمين عليه، وهم على أتمّ الاستعداد للمواجهة وعدم الانصياع هذا على رغم أن حردان نجح في الأسابيع الماضية في استعادة بعض “المتمرّدين عليه والخارجين عن طاعته” في بعض المنفذيات.