السنّة يفتشون عن مرجعية

غسان الحجار – النهار

أدى غياب الرئيس #سعد الحريري عن الساحة السياسية الى فراغ كبير في الوسط السنّي تحديدا، لم يتمكن أيّ من السياسيين الموجودين من ملئه. يقال إن البعض منهم لا يريد ذلك، وهذا يجافي الحقيقة، اذ إن كل من عمل في الشأن السياسي يطمح الى زعامة ما، تجعله قادرا على التأثير في مسار الامور، لان السياسة عندنا تقوم على جمع السلطة بالامتيازات، وايضا بالمنافع والمحاصصة الطائفية والمذهبية.




أما الراغبون، فقد تنقصهم الامكانات أو الوسائل أو البيئة الحاضنة لطموحاتهم أو الكاريزما وما اليها.

الرئيس #نجيب ميقاتي لم “يطحش” في الانتخابات النيابية الاخيرة، وليس في الامر تعفّف، بل له حساباته الاكيدة التي ربما أراد من خلالها الابتعاد عن زواريب عاصمة الشمال والدخول في منافسات حرجة مع المتنافسين والمتخاصمين، بعد “انتفاضة 17 تشرين” وتبدّل الكثير من المعطيات في الشارع. ولا شك في ان ماكينته، وإنْ بغير الاندفاع والزخم المعتادَين، ساهمت في دعم مرشحين وتزكيتهم.

أما الرئيس #فؤاد السنيورة فـ”جرَّب حظه” في بيروت، وكانت حركته لملء بعض الفراغ، جيدة في منطلقها، لكنها لم تبلغ الغاية المرجوة لاسباب عدة، اولها عدم القبول بالسنيورة شخصيا من اهل بيته ومن أفرقاء 8 آذار، وثانيها عدم مباركة الحريري و”تيار المستقبل” حركته، وثالثها عدم توافر الامكانات المالية للنشاط الانتخابي. وقد أدت التجربة الفاشلة الى انكفائه مرحليا لانه يتمتع بصفات الرجل الذي لا يتعب ولا يستسلم.

ومثله النائب #فؤاد مخزومي، الذي رسمت له ماكينته، ومستشاروه، مسالك زهرية، كان لها ان تحوّله مرجعا بيروتيا، لكن حسابات البيدر لم تتناسب وحسابات ما قبل الاستحقاق، حتى بات يفتش عن حلفاء لإثبات الوجود وتفعيل الدور. وقد عمل على تحجيمه الاقربون والابعدون.

أما المحاولة البائسة للسيد بهاء الحريري، فقد توقعتُ لها الفشل قبل الانتخابات بكثير، وتلقيت هجوما لاذعا من مستشاريه، اذ كتبتُ آنذاك “ان دور السيد بهاء الحريري، وهو دور معلوم مجهول، لم يتبلور بعد، ولم يتضح مساره. البعض يرى انه خفت الى درجة يصعب معها القيام من جديد، وان المحاولة أثبتت فشلها الذريع، ويروّج لتفرّق العشاق (من المحيطين به والمرشحين بدعم منه) قبل بلوغ موعد 15 أيار، ليُكتب لتلك المحاولة نهاية غير سعيدة، فيما يرى آخرون من المؤيدين ان الانتخابات لم تكن هدفاً في ذاتها، وان المرحلة المقبلة ستشهد تبلور حركته “الوطنية” لا السياسية لانه لا يطمح الى منصب. لكن القراءة الاخيرة تبقى مثار جدل، اذ لا يمكن فصل “الوطني” عن السياسي، ولا يمكن تنفيذ مشروع كبير بالريموت كونترول، وان ما ظهر الى اليوم، لا ينبىء بأن ثمة رؤية لها ركائزها الثابتة”.

يبقى ان النواب السنّة الآخرين، وإن كان لهم حضورهم، وربما ادوارهم الفاعلة مناطقيا، فان أحجامهم تبقى في الحدود القائمة، ولا يمكنهم التحول زعامات حقيقية تفعل فعلها في الازمة القائمة وتؤثر في الخيارات المصيرية.

لذا تتجه الانظار حاليا الى دار الفتوى، التي لم تقرر حتى الساعة، التحول الى “بكركي ثانية”، بل تعمل على لمّ الشمل فقط، تحت مسميات مختلفة، اولها اتفاق الطائف، والدفاع عنه، كأنه مكسب سنّي يكاد يتبخر، والاجتماع حول رئاسة مجلس الوزراء، في ظل شعور بالغبن اللاحق بالموقع. ولا تبدو النية لدى مفتي الجمهورية الى “تكبير الحجر” من اللقاء السني المقرر في 24 الجاري، لئلا يحوّل الدار متراساً لمواجهة الآخرين الى أي مذهب انتموا.