لا للرئيس “الممسحة” ولا للرئيس “الببّغاء”

سركيس نعوم – النهار

يعترف مسيحيون لا يتعاطون رسمياً الشأن العام في #لبنان ويعيشون براحة ورفاهية من أعمال مهمة في القطاع الخاص، ولا يحتاجون للنجاح فيها الى “السطو” على أموال الدولة باستغلال صداقاتهم مع رجالها على تنوّعهم السياسي والديني والمذهبي، يعترف هؤلاء بأن “الدكتور” سمير جعجع رئيس “حزب القوات اللبنانية” يمتلك صفة مهمّة جداً أثبتتها الأحداث الكبرى والصغرى في لبنان منذ تولّيه التدريجي والمتصاعد للقيادة في القوى العسكرية لـ”حزب الكتائب” ولاحقاً في “قواتٍ لبنانية” أسّسها الراحل بشير الجميّل الابن الثاني لمؤسّسه الراحل الشيخ بيار. الصفة هي التنظيم والبراعة فيه. وقد ظهر ذلك جليّاً جداً يوم تسلّم جعجع قيادة “القوات اللبنانية” بعد سلسلة التقلبات داخلها والحركات الانقلابية التي تعرّضت لها ولا سيما يوم اشتغلت سوريا حافظ الأسد لاستمالتها من داخلها ونجحت في ذلك ولكن لوقت قصير جداً، إذ أعاد إليها التنظيم السياسي والأمني والعسكري الذي وضعه بشير ثم أعادها قوة عسكرية نظامية ذات تدريب جيد وتجهيز سلاحي مهم وهيكلية عسكرية تنظيمية. وقد ظهرت أيضاً الموهبة التنظيمية لجعجع بإدارته الناجحة لمعركتيه الانتخابيتين النيابيتين في أثناء الولاية الرئاسية للعماد ميشال عون. الأولى كانت في مطلع عهده والثانية أُجريت قبل أشهر قليلة من انتهائها، إذ حقّق في الأولى نجاحاً مهماً بإيصال 15 “قوّاتياً” الى مجلس النواب رغم أنه لم ينجح في أن يؤلّف الكتلة المسيحية النيابية الأكبر، فقد احتلّ الموقع الأول هذا “التيار الوطني الحر” المستند الى الشعبية المسيحية الواسعة لمؤسّسه رئيس الدولة عون، كما المستند الى قوة حليفه الشيعي الأول في بيئته وفي البيئات التي له حضور وازن فيها أي “حزب الله”. أما في الانتخابات الثانية أي الأخيرة في العهد العوني فقد نجح جعجع في احتلال الموقع الأول في التمثيل المسيحي داخل مجلس النواب. ربما كان في إمكانه أن يجعل الفرق كبيراً بين التمثيل الشعبي لـ”قوّاته” والتمثيل الشعبي لعون وتياره والنائب باسيل لو لم يبادر “حزب الله” الى مد يد العون إليه تلافياً لخسارة حليف مسيحي يحتاج إليه رغم تجاربه المريرة معه وعدم إمكانه (أي “الحزب”) تعويضه بتحالفات مع قوة أو قوى مسيحية أخرى. ذلك أن الواسعة التمثيل منها تسود علاقتها معه حال عداء مطلقة على الأقل حتى الآن، كما تسود الحال نفسها مع جهات مسيحية حزبية ذات تاريخ عريق عجز من ورث قيادتها عن استعادة مجدها التليد. فضلاً عن أن المسيحيين الآخرين المرتبط “الحزب” معهم بتحالف وثيق ودائم افتقروا ولا يزالون الى الانتشار في عمق المناطق المسيحية.




إلا أن النجاحين التنظيمي الحزبي المدني السياسي المكشوف وربما الأمني والعسكري المستتر والنيابي التمثيلي للمسيحيين لم يرافقهما نجاح مماثل في العمل السياسي، إذ رافقه فشل من جرّاء خطوات اتخذها “الدكتور” جعجع في المجالات السياسية ظنّ أنها ستكرّسه قطباً ثانياً أو مساوياً للقطب المسيحي الأول بغضّ النظر عن طريقة حصول الأخير على هذا “الامتياز”، وذلك بعد دوره البارز في تكريس الزعامة العونية الأولى أولاً بـ”اتفاق معراب” مع تياره ورئيسه باسيل وثانياً بعد ترشيحه عون للرئاسة ونجاحه في تأمين تأييد مسيحي شبه جامع له وسنّي أيضاً أسهما مع تأييد “حزب الله” في جعله يتمتّع برصيد سياسي وشعبي قوي. لكن ذلك كله لم يؤمّن لجعجع أيّ مكسب سياسي وخدماتي في أثناء الولاية الرئاسية العونية الذي أسهم بقوة في جعلها حقيقة، بل جعله مستهدفاً من العهد وحلفائه الأساسيين كما من “بقايا” مجموعة 14 آذار.

قد يكون اللوم الشعبي المسيحي وغير المسيحي الأبرز أو على الأقل العتب على جعجع هو أنه بإيصاله والآخرين عون الى الرئاسة أدخل البلاد حال انهيار شامل وحوّل الدولة فاشلة وقضى على غالبية مؤسّساتها وأفقر اللبنانيين بالفساد الشامل وسوء إدارة الماليْن العام والخاص الذي ضرب قطاع المصارف وحرم المودعين أموالهم.

انطلاقاً من ذلك يقول المسيحيون الذين لا يتعاطون الشأن العام أنفسهم ويعيشون براحة ورفاهية من أعمال خاصة لا يحتاجون فيها الى “السطو” على أموال الدولة، يقول هؤلاء إذا تمسّك رئيس “القوات” “الدكتور” جعجع بسياسته المشروحة أعلاه التي ألحقت به ثم بلبنان الأذى الكبير بل الأكبر فإنه سينتقل من فشل الى آخر وقد لا يستطيع المحافظة على شعبيته. الأخطر من ذلك هو أن اليأس قد يطغى على المسيحيين ويدفعهم الى الهجرة رغم اقتناع جعجع بأن ذلك غير صحيح. فضلاً عن أن الاستمرار في “السلبية” قد لا يكون مجزياً. حتى أنصار “القوات” في الاغتراب اللبناني الذين أعطوا جعجع و”قواته” في الانتخابين العامين في عهد عون أكثر من غيره وبكثير قد ييأسون من جرّاء التطورات الحاصلة والتي قد تحصل مستقبلاً كما قد يدفعون المقيمين الى يأس مماثل يجبرهم على الهجرة. انطلاقاً من ذلك يرى هؤلاء أن على جعجع أن يدرك أن المتغيّرات الكثيرة في الداخل والخارج لم تعد تسمح بوصول فؤاد شهاب آخر أو بشير جميّل آخر الى رئاسة الدولة. وعليه أيضاً إن كان يريد تخليص البلاد من مآسيها أن يسهم في إيصال رئيس مقبول وفهيم يرفض أن يكون “ممسحة” لأيّ أحد أو ببّغاء لأيّ أحد يردّد ما يقوله له الذين أجلسوه على كرسيّ الرئاسة.