رائحة الموت تفوح.. مأساة لبنانيين محاصرين منذ أيام وسط الأمواج

أسرار شبارو – الحرة

حملوا أحلامهم، وصعدوا إلى قارب على أمل الوصول إلى بلد أوروبي، يؤمن لهم الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم، قبل أن يتعطل بهم في عرض البحر، وتصبح حياتهم وأحلامهم في مهب الرياح، والأمواج التي تتقاذفهم منذ أيام، لتعلوا صرخة عائلاتهم في لبنان، مطالبين بإنقاذهم قبل فوات الأوان.




“نحو 70 شخصاً يصارعون الموت في عرض البحر، بعدما نفذ الطعام والشراب والحليب من على متن قاربهم المعطّل”، بحسب ما يؤكد “أبو أيمن” المشمشاني، الذي يترقب كما يقول لموقع “الحرة” مصير نحو 18 من أفراد عائلته، معبّراً عن خشيته من أي يصيبهم أي مكروه، إذا لم يتم التحرك بسرعة لإنقاذهم، حيث طالب الدولة اللبنانية بتحمل مسؤولياتها لوضع حد للمأساة التي يعيشونها.

بعد حوالي مرور 4 أشهر على حادثة غرق، أو إغراق، قارب هجرة غير شرعي شمال لبنان، على متنه بحسب الأمم المتحدة ما لا يقل عن “84 شخصاً من نساء ورجال وأطفال”، حيث تمكن الجيش من إنقاذ 45 شخصاً بعد الحادثة، وانتشال ستة جثامين، ليبقى نحو 39 ضحية في أعماق المياه، فإن قارب هجرة جديدا مهدد بأن يلقى المصير نفسه.

والأمس ناشد النائب اللواء أشرف ريفي، إيطاليا، من خلال تغريدة عبر صفحته على” تويتر” أن تبادر لإنقاذ اللبنانيين العالقين “بمركبهم البدائي والمعطل قبالة السواحل المالطية والسواحل الإيطالية، بعد أن رموا أنفسهم في البحر هرباً من لبنان”، مطالباً وزارة الخارجية وسفارة لبنان في روما أن تقوم بالاتصالات السريعة لتفادي مأساة جديدة.

وكان اللواء ريفي، أشرف على وصول غواصة من إسبانيا لتعويم “قارب الموت” الذي غرق في 23 أبريل الماضي، وانتشال جثث الضحايا، إلا أن طاقم الغواصة أنهى مهمته من دون أن يتمكن من ذلك، حيث اقتصر الأمر على العثور على القارب، والتقاط بعض الصور له.

خياران.. أحلاهما “مميت”

لم يطلع أيمن المشمشاني والده، بقراره المجازفة مع زوجته الحامل وأولاده الخمسة، إضافة إلى عدد من أقاربه، بحسب ما يؤكد “أبو أيمن”، ويشرح “صعد إلى القارب مع آخرين وانطلقوا نحو الحلم الذي يراود عدد كبير من اللبنانيين، وهو الهجرة من وطن أصبح مقبرة لمواطنيه، لأصدم بعدما تلقيت اتصالاً منه، أطلعني خلاله أنه وعائلته عالقون في عرض البحر، نتيجة تعطّل القارب بهم في المياه بين إيطاليا ومالطا”.

اليوم، تواصل أيمن مع والده، وأبلغه أن الأمواج تتقاذف القارب، وهم على بعد نحو 90 ميلاً من المياه الإقليمية اليونانية، ويقول “أبو أيمن” أطلعنا رئيس الهيئة العليا للإغاثة، اللواء محمد خير على ذلك، وهو على تواصل مع السفير اللبناني في اليونان، ونحن بانتظار ما ستؤول إليه الاتصالات”، مضيفاً “وضع الركاب سيء جداً، لا يحتمل المماطلة، لا سيما أن الأرصاد الجوية تشير إلى أن سرعة الرياح نحو 80 كم / الساعة، وعلو الموج بين ٦ إلى ٧ أمتار”.

وسبق أن صرّح رئيس المنظمة الدولية للهجرة في لبنان، ماتيو لوتشيانو، أن الأزمة الاقتصادية في لبنان تسببت بواحدة من أكبر موجات الهجرة في تاريخ البلد، وقال “تدفع الظروف الاقتصادية اليائسة المتزايدة، بعدد متزايد من الأفراد في لبنان إلى المغادرة بطرق غير آمنة. هناك حاجة ماسة إلى بدائل آمنة وقانونية للهجرة غير النظامية، وإلى دعم سبل العيش وتحسين الوصول إلى الخدمات في المجتمعات المعرضة للخطر”.

ولو لم يكن الوجع كبيراً، والحرمان لا حدود له، لما خاطر أيمن كما يقول والده “ورمى نفسه وعائلته في البحر لكي يحدد مصيرهم، لكن في بلدهم لا شيء مؤّمن، فابني مزارع بالكاد يتمكن من تأمين قوت أطفاله، فإن مرض أحد أولاده لا قدرة له على علاجه، إذ كما يعلم الجميع أصبح الدخول إلى المستشفى مقتصراً على الأغنياء، كذلك العلم، فالفقير لا يملك المال لتسجيل أولاده في المدرسة، عدا عن عدم توفر الماء والكهرباء وكل ما يحتاجه الإنسان ليعيش ولو بالحد الأدنى من مقومات الحياة”.

باع ابن بلدة ببنين العكارية كل ما يملك، واستدان باقي المبلغ المطلوب لدفع تكاليف رحلته إلى المجهول، ويقول “أبو أيمن” “فبين الموت على البطيء في لبنان، والموت مرة واحدة في البحر، فضّل الخيار الثاني، فإما أن يعيش وعائلته حياة كريمة أو أن يموتوا جميعاً، حتى أنا ورغم أنني أبلغ من العمر 62 عاماً، لن أتردد في اتخاذ ذات القرار لو كنت أملك المال لدفع تكاليف الرحلة”.

لدى “أبو أيمن” 12 ولداً، واحد منهم لم يتزوج بعد، وابنة أرملة، ويشرح “أعاني وزوجتي من أمراض عدة، ورغم ذلك ما زلت أعمل في الزراعة كي أساعد أبنائي على مصاريفهم، وعندما رآني أيمن أتقاسم رغيف الخبز مع عائلته، قرر الانتفاض على هذا الواقع المرير”.

ويشهد لبنان منذ صيف 2019  أزمة اقتصادية حادة، صنفها البنك الدولي بين الأسوأ في العالم منذ عام 1850، حيث فقدت الليرة نحو 90 بالمئة من قيمتها، نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار.

متابعة رسمية

يتابع اللواء خير قضية القارب، ويوليها كما يقول لموقع “الحرة” أهمية قصوى، إلا أنه يشدد في ذات الوقت “ليس باستطاعتنا أن نفرض على الدول الأخرى ما نريد، فلا السلطة سلطتنا ولا الجيش جيشنا، من هنا نحن نطلب منها التعامل مع حالة إنسانية، لا سيما كما علمنا أن باخرة مرت من أمام القارب، من دون أن تحاول مساعدة من هم على متنه”.

بداية تواصل اللواء خير مع سفيرة لبنان في إيطاليا، التي بدورها تواصلت مع السلطات الإيطالية، فكان الرد كما يقول أن “القارب اتجه إلى اليونان”.

ويضيف “نتواصل الآن مع السفير اللبناني في اليونان، بهدف تحرك خفر السواحل اليوناني للتحديد مكان القارب وإنقاذه”، وفيما إن كان تواصل مع ركاب القارب أجاب: “نعم، وذلك من خلال جهاز الثريا، وقد طلبت منهم عدم استعماله لوقت طويل كي لا يفرغ شحن بطاريته، وذلك كي نبقى على إطلاع على إحداثيات مكان تواجدهم”.

ويشرح “قبل ثلاثة أيام انطلقت ثلاثة قوارب من شواطئ لبنان الشمالية باتجاه أوروبا، فيما يتعلق بالقارب الأول تواصلنا مع مالطا، فاستقبالهم خفر السواحل التابع لها، أما القارب الثاني أعتقد أنه وصل إلى شواطئ تركيا، وبقي القارب الثالث العالق بين إيطاليا ومالطا واليونان، حيث أن كل دولة منها تنفي وجوده في مياهها الإقليمية”.

تكمن المشكلة الأساسية، كما يقول رئيس الهيئة العليا للإغاثة، في أن “الدول الأوروبية تعتبر هذه الهجرة غير شرعية، أما ردنا على ذلك، فهو أن من يلقون أنفسهم في البحر يبحثون فقط عن لقمة عيش في ظل وضع اقتصادي صعب يعاني منه بلدهم، لا سيما أبناء طرابلس وعكار شمال لبنان” متمنياً على الاتحاد الأوروبي أن يتعامل مع هؤلاء من الناحية الإنسانية، “فكما يتم استقبال الأوكرانيين نتيجة معاناتهم من الحرب في بلدهم، فإن اللبنانيين كذلك يعيشون حرباً وحصاراً وجوعاً”، ويشدد “نعم قانونياً نحن ضد ذلك، لكن إنسانياً جميعنا نركع أمام هؤلاء”.

من جانبه، يشدد رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، على ضرورة إنقاذ القارب بأسرع وقت ممكن، “قبل وصول الكتلة الهوائية إلى مكان تواجده” ويشرح في حديث لموقع “الحرة” أن “القارب تعطّل وتسللت المياه إلى داخله، وقد فشلت محاولات بعض الركاب في إصلاحه، في حين عمل من على متنه على إفراغ المياه منه”.

وفي الوقت الذي يشير “أبو أيمن” إلى أن القارب عالق في المياه منذ 12 يوماً، يؤكد اللواء خير أن الحادثة بدأت قبل ثلاثة أيام، كما أن “أبو أيمن” يشير إلى وجود 18 شخصاً من عائلته وأقاربه على متن القارب، في حين أن المختار الكسار يلفت إلى أن 14 شخصاً من ببنين جازفوا بحياتهم على متن هذا القارب.

ويضع مختار ببنين، مسؤولية مجازفة اللبنانيين بأرواحهم، “برقبة السياسيين” ويشدد “للأسف أوصل المسؤولون الشعب اللبناني إلى الجوع، بعدما سرقوا أمواله وتقاسموها فيما بينهم، حرموه حتى من رغيف الخبز لإطعام أولاده، ومن المحروقات لتدفئتهم، ومن الدواء لعلاجهم، ومن المال لإدخالهم إلى المستشفى، حتى وصل إلى مرحلة فضّلوا فيها مواجهة الموت في البحر على العيش هكذا حياة”.

ورأى المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان، أوليفييه دي شوتر، في تقرير نشر في مايو الماضي أن “الأعمال المدمرة للقادة السياسيين والماليين في لبنان هي المسؤولة عن دفع معظم سكان البلاد إلى الفقر، في انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان”.

كل ما يصبو إليه أبو أيمن الآن، هو سلامة جميع من هم على متن القارب، أما المختار الكسار فدعا إلى ضرورة عدم الاستهتار بأرواح الناس، “فرائحة الموت لا تزال تفوح من البحر بعدما تم إغراق قارب في أبريل الماضي، من دون أن تكلف الدولة اللبنانية نفسها عناء انتشال الضحايا، وكأنهم ليسوا مواطنيها، أو كأنهم مواطنون درجة ثانية”.