لبنان أمام حكومة أمر واقع أو الذهاب نحو الأسوأ

قالت مصادر سياسية إن لبنان بات محكوما بأحد سيناريوهين مع بدء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للبلاد، وهما إما القبول بحكومة أمر واقع تجنب البلاد الفراغ، أو الذهاب نحو ما هو أسوأ والدخول في فوضى دستورية وقانونية تجهز على ما تبقى من أمل للبدء في الإصلاحات الاقتصادية.

وأضافت المصادر أنّ الشغور في سدة الرئاسة في ظل حكومة تصريف الأعمال هو السيناريو الأخطر الذي ينتظر اللبنانيين، على اعتبار أنه سيكون المقدّمة لأزمة نظام لا أحد يستطيع أن يتكهن بكيفية الخروج منها، لاسيما أنّ الجميع يهدد برفع سقف مطالبه في هذه المرحلة، بينما من المتوقع أن تستخدم فيه كافة الأسلحة السياسية اللازمة لتحسين الشروط.




وقبل أيام ظهرت بوادر انفراجة محتملة لتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة وتفادي سيناريو إدارة حكومة تصريف الأعمال لمهام رئاسة الجمهورية وما أحدثه ذلك من لغط وفتاوى دستورية تساند أو تعارض هذا التمشي.

وعبر رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي عن تفاؤله بقرب تشكيل حكومة جديدة، فيما أكد التيار الوطني الحر (حزب رئيس الجمهورية ميشال عون) على أهمية الإسراع بتشكيل الحكومة وانتخاب رئيس جديد للبلاد خلال المهلة الدستورية.

فراغ منصب رئيس الجمهورية سيكون المقدّمة لأزمة نظام لا أحد يستطيع أن يتكهّن بكيفية الخروج منها

وجاءت تصريحات التيار الوطني الحر مفاجئة ومعاكسة لما يعمل عليه على أرض الواقع، إذ أنه يدعو صراحة إلى استكمال الاستحقاقات الدستورية لكنه يعمل في الخفاء على تعطيلها.

وتشير المصادر إلى أن الإعلان عن تشكيل حكومة لبنانية جديدة ينهي جدلا محتدما بشأن تأويلات إدارة البلاد في ظل حكومة تصريف أعمال وفراغ منصب رئيس الجمهورية بعد انتهاء عهدة عون في الحادي والثلاثين من أكتوبر المقبل.

وأكدت المصادر أن مصير انتخابات رئاسة الجمهورية وإجرائها في موعدها رهن الإفراج عن تشكيلة الحكومة الجديدة التي ظل الرئيس اللبناني يعطل ولادتها بسبب أجندات شخصية تخدم حزبه على حساب مصالح اللبنانيين الذين يعانون من أزمة اقتصادية خانقة أوصلتهم إلى حافة الفقر.

ويأتي الاستحقاق الرئاسي في ظل حكومة مستقيلة منذ إجراء الانتخابات البرلمانية في مايو الماضي، بينما الحكومة الجديدة برئاسة نجيب ميقاتي، الذي أعيد تكليفه في يونيو الماضي، لم تؤلف بعد.

ومنذ اتفاق الطائف عام 1989 الذي أنهى 15 عاما من الحرب الأهلية في لبنان (1975 – 1990)، لم تُنجز غالبية الاستحقاقات الدستورية في موعدها، نظرا إلى التعقيدات والخلافات السياسية المتكررة.

وما يفتح باب التكهنات أكثر حول هذا الاستحقاق الدستوري هو أن أبرز زعماء الأحزاب المسيحيين الموارنة لم يعلنوا صراحة عن ترشحهم للرئاسة بعد، مثل سمير جعجع وجبران باسيل (صهر عون) وسليمان فرنجية.

والمعطيات الواردة من داخل البرلمان تعكس محاولات للتوافق على مرشح، خشية مقاطعة نيابية لجلسات الانتخاب، والحؤول دون انتخاب الرئيس الرابع عشر للبنان منذ استقلاله عن فرنسا عام 1946 ضمن المهلة المحددة.

ويتم انتخاب رئيس الجمهورية بغالبية ثلثي أعضاء البرلمان المؤلف من 128 عضوا، أي 86 نائبا في الدورة الأولى، وبالأغلبية المطلقة في الدورة الثانية أي 65 نائبا.

وترى مصادر سياسية أكثر تفاؤلا أن الشغور في سدة الرئاسة، في حال حصوله، لن يستمر إلى ما بعد نهاية العام الحالي، نظراً إلى أن الكثير من الجهات الدولية ستكون حاضرة للضغط على الأفرقاء المحليين.

وأضافت المصادر أن التأثيرات الخارجية في هذا الاستحقاق هي الأكبر، خصوصاً أن توازنات المجلس النيابي لا تسمح لأيّ فريق بحسم المعركة، بينما التوافق بين المتخاصمين لا يمكن أن يحصل من دون تدخل خارجي.

وفي الوقت الراهن لا يبدو أن لبنان على جدول أعمال القوى الدولية المؤثرة في الساحة المحلية، نظراً إلى انشغالها بملفات أكثر أهمية أبرزها أزمة الطاقة على المستوى العالمي.

ولم تعد أيّ من القوى السياسية تستحوذ على غالبية البرلمان بعد أن فقد حزب الله (مدعوم من إيران) وحلفاؤه الأكثرية، وبقاء قوى قريبة من السعودية والولايات المتحدة في البرلمان، ووصول قوى مناوئة لأحزاب السلطة.

ووفقا لنتائج الانتخابات الأخيرة، أصبح البرلمان يضم نوابا “سياديين” (يدعون إلى تحرير البلاد من الهيمنة الخارجية لاسيما الإيرانية)، و”تغييريين” يتبنون شعارات الشارع.

والسبت أطلق تكتل نواب قوى التغيير “المبادرة الرئاسية الإنقاذية” حول استحقاق انتخاب رئيس الجمهورية المقبل.

في الوقت الراهن لا يبدو أن لبنان على جدول أعمال القوى الدولية المؤثرة في الساحة المحلية، نظرا إلى انشغالها بملفات أكثر أهمية أبرزها أزمة الطاقة

وعن رؤية المبادرة أوضح النواب أن “الخطوة الكبرى الفاصلة الحاسمة التغييرية هي في الاستحقاق الرئاسي المقبل، بانتخاب رئيس جديد للجمهورية على قدر آمال وتطلعات اللبنانيات واللبنانيين. مسار التغيير يبدأ من هنا، ومن خلال هذا الرئيس الجديد نبدأ صفحة جديدة وننطلق معه في استرداد الدولة بمفاهيمها الواسعة. إن هذا الاستحقاق يُرتِّب علينا كنواب تغييريين المسؤولية الجمّة لمواكبة هذا الاستحقاق بشكل حثيث وبكلّ تفاصيله ومراحله”.

وشدّدوا على ضرورة أن “يتحول هذا الاستحقاق من كونه لحظة تسويات بين أطراف السلطة إلى مناسبة للتفكير في أي بلد نريد وكيف نريده، ومحطة من محطات حماية الجمهورية واستعادة الدولة، ومناسبة للنواب لكي يختاروا رئيسًا في ظل فرصة جدية هذه المرة لاختيار رئيس بناءً على إرادة الناس وتقليص دور القوى الإقليمية كما جرت العادة في الاستحقاقات الماضية”.

وأشاروا إلى أنه “ثمة حل وطني واحد لا مفر من التوصل إلى عقلنته. هذا الحل يحتاج إلى حماية مطلقة بتضافر جهود العقلانيين من كل صوب، وبتخلي جميع الأطراف عن المشاريع الفئوية أو الاستئثارية. إذا أردنا خلاص لبنان، فما علينا إلاّ بالدستور، وبتطبيقه وفق معاييره وآليّاته”.

وأشار نواب التغيير إلى أنه “ليس هناك حلٌّ آخر للبنان سوى هذا الحلّ من خلال تطبيق الدستور، وبه، للخروج من قعر الهاوية الأخلاقيّة والوطنيّة والسياسيّة والقانونيّة والوجوديّة والاقتصاديّة والمعيشيّة، هاوية احتقار الكرامة والسيادة والاستقلال والقانون والحقّ والعدل والحرّيّة والديمقراطيّة والاستقامة”.

وأكدوا أنه “من أجل ذلك، سوف نبدأ بعقد سلسلة من المشاورات الشعبية والسياسية لعرض هذه المبادرة في لبنان وفي الاغتراب، بدءًا بالأحزاب والمجموعات والشخصيات التي تؤمن بمرجعية 17 تشرين، وصولاً إلى كافة القوى، بهدف الوصول إلى اتفاق على اسم الشخصية الإنقاذية التي تتوافر فيها المعايير والشروط المطلوبة، وتحظى بأوسع دعم نيابي ممكن، وبالتالي تحظى بفرصة جدية للوصول إلى سدة الرئاسة وإنقاذ الدولة والوطن والناس. ونحن على أتمّ الاستعداد للتواصل مع الشخصيات التي تتوافق مع المعايير والأهداف التي حددتها هذه المبادرة. في أيّ حال، سنقيم مؤتمراً صحافياً آخر بعد فترة لمفاتحة الناس بنتيجة المشاورات التي سنجريها مع جميع الفرقاء، وبما حقّقناه من خلال هذه المبادرة”.

وهدد نواب التغيير باللجوء إلى “وسائل الضغط الشعبية المشروعة بكلّ أشكالها وأساليبها لفرض انتخاب رئيس الجمهورية قبل انتهاء ولاية الرئيس عون في الحادي والثلاثين من أكتوبر القادم”.