صورة رشق إسرائيل بالحجارة تختزل مأساة لبنان

خيرالله خيرالله – العرب

يعطي ذهاب وزيرين لبنانيين إلى نقطة عند الحدود مع إسرائيل في الجنوب ورشق الحجارة في اتجاهها فكرة عن مدى السقوط اللبناني الذي يبدو أنّ لا قعر له. ينتمي الوزيران وليد فياض وهكتور حجار إلى ما يسمى “التيار العوني”، أي تيار رئيس الجمهوريّة ميشال عون الذي يرأسه صهره جبران باسيل. ما الفائدة من رشق الحجارة في اتجاه الأراضي الإسرائيلية؟ هل ذلك يعيد القدس ويحرّر فلسطين أو يحل مشكلة ترسيم الحدود البحريّة والبرّية بين لبنان وإسرائيل؟




كيف يمكن للبنان الذي انهارت كلّ مقومات وجوده الاستفادة من تصرّف من هذا النوع سمته الأساسيّة الرعونة؟ هذا أمر مشكوك فيه. الأكيد أنّ لبنان لم يعد أكثر من دولة مسخ يتسلّى الوزراء فيها بالسخافات، دولة لا علاقة لها، من قريب أو بعيد، بما يدور في المنطقة والعالم.

من مآثر وليد فياض، وزير الطاقة، العجز عن تحقيق أيّ تقدّم في مجال تحسين وضع الكهرباء. زاد وضع الشبكة الكهربائية سوءا منذ أصبح وزيرا للطاقة. تهرّب من استقبال مسؤول في شركة “كهرباء فرنسا” حمل إلى لبنان، بعد تشكيل الحكومة الحالية برئاسة نجيب ميقاتي، خطة للكهرباء. لم يكن مطلوبا من الوزير اعتماد هذه الخطة مقدار ما كان مطلوبا منه الاطّلاع عليها كي يتأكّد من أن العتمة ليس قدرا لبنانيّا. ليس معروفا من منعه من استقبال المسؤول في الشركة الفرنسيّة. لكن تصرفاته، التي تنم عن رغبة في بقاء لبنان يعيش في الظلام، تثير الريبة. أمّا بالنسبة إلى الوزير الآخر، وهو مسيحي أيضا، فإن شهرته الوحيدة تعود إلى قوله بعد تسلمه حقيبة الشؤون الاجتماعية إن العائلات الصينية لا تستخدم الحفاضات الخاصة بالأطفال… وإن على اللبنانيين الاستغناء عن الحفاضات. قد يكون ما قاله الرجل، في مجال الحفاضات المخصصة للأطفال وموقف الصين منها، الجملة المضحكة – المبكية غير الوحيدة التي خرج بها منذ توليه حقيبة الشؤون الاجتماعيّة في حكومة نجيب ميقاتي.

◙ فات الوزيرين “العونيين” مثلما فات ميشال عون وجبران باسيل أن لبنان تغيّر كلّيا، كذلك المنطقة وأنّ المطروح مصير لبنان

يصعب إيجاد تفسير لتصرّف الوزيرين في الحكومة المستقيلة خارج استرضاء “حزب الله” وتأكيد “التيار العوني”، برأسيه ميشال عون وجبران باسيل، أن ما يستطيع أن يفعله له ليس موضع نقاش. فحوى رسالة الحجارة في اتجاه إسرائيل أن لا طرف آخر يمكنه مجاراة “التيّار العوني” في التزلّف للحزب في وقت بات على ميشال عون مغادرة قصر بعبدا في 31  تشرين الأوّل – أكتوبر المقبل، أي بعد أقلّ من شهرين.

تبدو الرسالة التي بعث بها الوزيران في منتهى الصراحة. إنّها تختصر مأساة لبنان في صورة. مطلوب من “حزب الله” فرض جبران باسيل رئيسا للجمهوريّة على غرار فرضه ميشال عون في العام 2016. في النهاية، ليس هناك شخص آخر قادر على منافسة جبران باسيل في خدمة “حزب الله”.

ما لا يفهمه الوزيران أنّه يتبيّن كلّ يوم أكثر أنّ إعادة تركيب لبنان مهمة شبه مستحيلة. لم تكن فائدة من الانتخابات النيابيّة الأخيرة في ظلّ القانون الانتخابي المعمول به. أمّن هذا القانون لـ”حزب الله” احتكار التمثيل الشيعي احتكارا شاملا. لا يمكن الكلام عن أيّ إصلاح من أيّ نوع كان عندما تكون طائفة بكاملها ممثلة في المجلس النيابي بمجموعة من النواب ترى في النظام الإيراني مثلها الأعلى.

ما لم يفهمه الوزيران أيضا أنّ لا فائدة من الانتخابات الرئاسيّة عندما يكون “حزب الله” قادرا على تعطيل المجلس النيابي وإغلاق أبوابه في غياب اتفاق يوصل مرشّحه إلى قصر بعبدا.

سقط لبنان. كان سقوطه مريعا. سقط البلد فيما رئيس الجمهوريّة مجرّد شاهد زور لا يتجرّأ على قول كلمة عن تدخّل “حزب الله” في الحرب التي يتعرّض لها الشعب السوري منذ أحد عشر عاما وأكثر.

كيف تمكن إعادة تركيب بلد تتحكّم به ميليشيا مذهبيّة لا تعترف بوجود حدود للبنان. ألغى “حزب الله”، ومن خلفه إيران، الحدود بين لبنان وسوريا. حدث ذلك فيما رئيس الجمهوريّة يتفرّج ولا يجرؤ على قول كلمة، كون الأمر يتعلّق بقرار إيراني يفرض على “حزب الله” التدخل في سوريا. أخطر ما في الأمر أن الحدود بين دولتين، يُفترض أنّ كلا منهما تتمتع بالسيادة على أرضها، زالت من منطلق مذهبي بحت. صار الرابط المذهبي، الذي برّر به الحزب تدخله في سوريا، أقوى من الرابط الذي يجمع بين المواطنين في دولة اسمها لبنان.

◙ الأكيد أنّ لبنان لم يعد أكثر من دولة مسخ يتسلّى الوزراء فيها بالسخافات، دولة لا علاقة لها، من قريب أو بعيد، بما يدور في المنطقة والعالم

بات مستحيلا الجمع بين عالمين يختلف كلّ منهما عن الآخر على أرض لبنان.

فات الوزيرين “العونيين” مثلما فات ميشال عون وجبران باسيل أن لبنان تغيّر كلّيا، كذلك المنطقة وأنّ المطروح مصير لبنان.

سيكون السؤال في المرحلة المقبلة، في انتظار ما سيحلّ بسوريا والعراق على وجه التحديد، هل يمكن إعادة تركيب لبنان من جديد؟ كلّ ما تبقّى خارج هذا السؤال مجرّد تفاصيل ليس إلّا. في لبنان حاليا عالمان ليس ما يجمع بينهما بعدما عجّل “العهد القوي”، الذي ليس سوى “عهد حزب الله”، في انهيار كلّ المقومات التي قام عليها البلد منذ ما قبل الاستقلال في العام 1943. لم يعد مطروحا انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة لا يستطيع أن يفعل شيئا ما دامت هناك سلطة عليا تهيمن على كلّ السلطات الأخرى. تهيمن السلطة العليا على السلطات التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة. أكثر من ذلك، تسيطر هذه السلطة العليا على منافذ البلد وعلى  قرار الحرب والسلم فيه.

تقول الصورة التي يظهر فيها الوزيران فياض وحجار وهما يرشقان الحجارة في اتجاه إسرائيل، كلّ ما يمكن قوله عن المأساة اللبنانيّة بكلّ أبعادها. لم تعد في لبنان مرجعيّة سياسية على علاقة بمصالح البلد. صار كلّ شيء فيه مستباحا، بما في ذلك رمي وزيرين الحجارة لعلّ ذلك يجلب لهما ولـ”التيار العوني” رضا “حزب الله” ومن خلفه رضا إيران. هل من سقوط أكبر من هذا السقوط للبنان؟