مرشحون غير سياسيين للرئاسة على طريق دمشق

سركيس نعوم – النهار

لا يغيّر الله بقومٍ حتى يغيّرو ما بأنفسهم. ينطبق هذا القول مئة في المئة على ال#لبنانيين. فهم يمضون الساعات بل الأيام وأكثر منها وهم يشتكون من الأوضاع الصعبة التي فيها يعيشون، ثم يحمّلون غيرهم مسؤولية التسبّب بها سواء من مواطنيهم أو من دول شقيقة لهم سواء كانت مجاورة لبلادهم أم بعيدة عنها جغرافياً. لا يترك هؤلاء محطة تلفزيونية تعتب عليهم ولا صحيفة ورقية ولا يوفّرون حتى وسائل التواصل الاجتماعي رغم أن معظمها توزّع على طوائف البلاد ومذاهبها وأحزابها وزعاماتها. فبعضهم صار ضيفاً أسبوعياً عليها وأحياناً ضيفاً لأكثر من مرة في الأسبوع. والهدف معروف وهو ليس لفت أنظار اللبنانيين لكفاءاته وعلاقاته وخبرته السياسية فقط بل أيضاً للفت أنظار الناخبين المحليين الكبار لرئيس الجمهورية ولا سيما بعدما صارت ولاية الرئيس الحالي قاب قوسين أو أدنى من نهايتها. علماً أن الناخبين الكبار المحليين والإقليميين والدوليين بدأوا يستعدون لاختيار خلفٍ له من الطامحين المؤهّلين لهذا الموقع وغير المؤهّلين وما أكثرهم. المضحك المبكي في هذه المسرحية التراجيدية والكوميدية في آن هو أن المواطن اللبناني لا يسمع من هؤلاء الطامحين الى التربّع على كرسي بعبدا سوى الانتقاد حيناً والكلام المعسول حيناً آخر والوعظ والإرشاد حيناً ثالثاً وتحميل مسؤولية الأوضاع الشاذة للجميع ولكن من دون تسمية أحدٌ منهم ومع تجنّب التطرق الى الأسباب الفعلية الداخلية والخارجية لإنهيار لبنان وتحوّله دولةً فاشلة ولإفقار شعبه.




الى من يتوجّه الطامحون الرئاسيون الملمّح إليهم أعلاه؟ بعضهم يتوجّه الى الناخب المحلّي الأكبر والأقوى أي “الثنائية الشيعية” بركنيها “حزب الله” و”حركة أمل”. بعضهم الآخر يتوجّه الى الناخب الإقليمي الأوحد على الأرجح هذه المرة لرئيس لبنان أي الجمهورية الإسلامية الإيرانية. بعضهم الثالث يتوجّه الى ناخبين إقليميين آخرين لهم علاقات مهمة مع الناخبين الدوليين المؤثّرين بل الفاعلين مثل المملكة العربية السعودية وربما مصر من جهة والولايات المتحدة وفرنسا والفاتيكان من جهة أخرى. طبعاً لا يشعر الكثيرون من اللبنانيين اليوم أن سوريا التي كانت شريكاً في “إنتخاب” رئيس جمهورية لبنان حيناً وناخباً وحيداً له بموافقة أميركية حيناً آخر، لا يشعرون أنها استعادت دورها اللبناني هذا. إذ من جهة عطّلت هذا الدور كما الدولة السورية بكل مؤسّساتها ولا سيما الأمنية والاستخبارية منها الثورة الإصلاحية الشعبية التي بدأت عام 2011 فووجهت بقمع واسع جداً حوّلها ثورة مسلحة صادرتها لاحقاً التنظيمات الإسلامية المتشدّدة التي يصفها معظم العالم بالإرهابية. من جهة ثانية خرجت سوريا من لبنان عسكرياً عام 2005 ولكن ليس استخبارياً وبقيت فيه سياسياً عبر تحالفها مع “حزب الله” ومؤسّسته إيران الإسلامية اللذين دافعا عن نظامها بـ”عسكر” الأول وسلاح الثانية وخبرائها العسكريين. سوريا هذه لم تنتهِ حربها الى تسوية كما يُفترض ولا تزال منشغلة بمشكلاتها الداخلية البالغة التعقيد وبمواجهة التعدّي العسكري المستمر عليها. لذا فإن دورها “الرئاسي” اللبناني المباشر غاب أو ضعف كثيراً فنبت العشب على الطريق المؤدية الى عاصمتها #دمشق من بيروت جرّاء ذلك. والسبب “مصلحية” سياسيّي لبنان والطامحين منهم الى الرئاسات الثلاث والمواقع الأولى الأخرى وفي الوقت نفسه إبلاغ دمشق بل حاكمها ونوّابه الأمنيين لكل طامح أن عليه أن يتحدث في هذا الشأن كما في غيره الى “حزب الله” وتحديداً الى أمينه العام السيد حسن نصرالله.

هل لا يزال “العشب النابت” على الطريق الموصلة الى دمشق أم أُزيل بحيث أفسح لها في مجال استرداد الدور اللبناني أو بعضه بالتعاون مع الحليف الأول “حزب الله” أم لا؟ المعلومات المتوافرة عند حلفاء سوريا الأسد في لبنان بل عند أولهم وأبرزهم وأقواهم والأكثر تأثيراً فيها تفيد أن سوريا لم تتعافى بعد من الذي أصابها جرّاء ثورة شعبها وقمع السلطة لها وتدخل العرب والعالم فيها الأمر الذي يبقيها ثابتةً على الموقف الذي أبلغته دائماً ولا تزال تبلغه الى أصحاب المصالح السياسية وغير السياسية من اللبنانيين. وهو “شوفو السيد حسن نصرالله” الأمين العام لـ”حزب الله”. من هؤلاء زعيم “تيار المردة” سليمان فرنجية الذي حقّق شبه إجماع عند الناخبين الدوليين والإقليميين ووكلائهم في لبنان قبل إنتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، إذ سمع النصيحة المذكورة نفسها وتقيّد بها رغم أنها لم تكن في مصلحته. لكن هناك معلومات حديثة تفيد أنه سيكون لسوريا موقف جدّي وصلب وحاسم من الاستحقاق الرئاسي اللبناني القريب، وأن “حزب الله” ومن ورائه راعيته إيران سيكونان شريكين فيه. يعني ذلك أن تحالف دمشق و”الحزب” ولا سيما في لبنان غير قابل للفك وأن التفاهم الذي توصلا إليه على هذا الصعيد صامد وهو: “حزب الله جاهز لتأمين مصالحكم في لبنان ومطالبكم منه”. وهذا يريح سوريا إذ أنها لم ترتح بعد من الذي مرّ بها منذ 2011 ولا تزال نهائيته غير واضحة وغير ثابتة.

لماذا إثارة دور سوريا في لبنان الآن واحتمال تجدده وتأثيرها في انتخابات رئيس جمهوريته خلال الشهرين الحالي والمقبل؟ لأن عادة زيارة مرشّحين رئاسيين وأصحاب مصالح سياسية وغير سياسية لسوريا من دون إعلان عادت الحياة إليها. وليس سليمان فرنجية المقصود بذلك لأنه لم ينقطع يوماً عن زيارة دمشق رغم العشب الكثير الذي نبت على طريقها. بل المقصود أصحاب شهوة الترشّح والوصول في آن الذين لا يمتلكون القوة السياسية والشعبية الفعلية في بلادهم لبنان ولا العلاقات النافذة جداً مع الناخبين الكبار لرئيس لبنان ويتمنون أن يفتح لهم تعثّر وصول “الكبار” الى بعبدا باب وصولهم هم إليها. في هذا المجال تجدر الإشارة الى أن وزيرين لبنانيين سابقين كانا في سوريا منذ مدة قريبة جداً وتحديداً دمشق. واحدٌ منهم يسعى الى الرئاسة بهدوء مستعيناً بـ”مؤهلات دولية”، وآخر يسعى إليها من خلال تلفزيونات لبنان التي يجول عليها دورياً ويظهر على شاشاتها ولكن من دون أن يشهر بشهوته الرئاسية ولا بمشروعه الإنقاذي إذا كان له مشروع كهذا.