“قرار سياسي”.. دلالات الإعلان الروسي بوقف خط “نورد ستريم”

تثير خطوة روسيا المتعلقة بخط أنابيب نورد ستريم لنقل الغاز، الكثير من التساؤلات بشأن ما إذا كانت موسكو تستخدم الطاقة كسلاح ضد الغرب أم أن حججها التي أوردتها بشأن وجود أعطال في الخط الحيوي، حقيقية ولا تحمل أبعادا سياسية.

وكانت شركة غازبروم الروسية أعلنت، الجمعة، قبل يوم من حلول أجل استئناف تدفقات الغاز الطبيعي عبر خط الأنابيب نورد ستريم 1 الذي يوصل الغاز الروسي إلى ألمانيا، أن الخط سيخضع لمزيد من أعمال الصيانة، في خطوة من شأنها أن تعمق المصاعب التي تواجه أوروبا في الحصول على احتياجاتها من الوقود.




وكانت غازبروم تنفذ بالفعل أعمال صيانة في الخط في الفترة من 31 أغسطس إلى الثاني من سبتمبر، مما أثار مخاوف بشأن الإمدادات لأوروبا قبل بداية فصل الشتاء إذا تم تمديد وقف الضخ.

وقلصت روسيا التدفقات عبر الخط إلى 40 في المئة في يونيو و20 في المئة في يوليو. وقطعت أيضا الإمدادات عن عدة دول أوروبية مثل بلغاريا والدنمرك وفنلندا وهولندا وبولندا، وخفضت التدفقات عبر خطوط أنابيب أخرى منذ إطلاق ما تسميه “عملية عسكرية خاصة” في أوكرانيا.

اللافت في الخطوة الروسية أنها جاءت بالتزامن مع إعلان مجموعة الدول السبع رسميا فرض حد أقصى لسعر النفط الروسي بهدف تقليص العائدات لحرب موسكو مع الحفاظ على تدفق النفط إلى الأسواق العالمية.

ويرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة نصر محمد عارف أن الإجراء الروسي “بالتأكيد لم يحصل نتيجة خلل فني، بل هو محاولة من روسيا للضغط على الأوربيين”.

ويضيف نصر في حديث لموقع “الحرة” أن “الحرب في أوكرانيا انتقلت اليوم من حرب عسكرية إلى اقتصادية”، مبينا: “لا يوجد عطل او أي شيء آخر وإنما القضية سياسية تحت غطاء مشاكل فنية”.

ويشير نصر إلى أن الحرب في أوكرانيا وما تبعها من إجراءات عقابية غربية أثبتت أن “أوروبا لا تستطيع الاستعاضة عن الغاز الروسي سريعا، بالتالي هذا سيؤثر سلبا على الأوضاع الداخلية في أوروبا”.

وتخشى الحكومات الأوروبية أن تمدد موسكو الانقطاع ردا على العقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب غزو أوكرانيا، واتهمت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستخدام إمدادات الطاقة “كسلاح حرب”. وتنفي موسكو ذلك.

لا يعتقد الكاتب والباحث السياسي الروسي يفغيني سيدروف أن روسيا تريد استخدام الغاز كسلاح في الحرب، لإنها “تمتلك وسائل أخرى أكثر فعالية لممارسة الضغط على أوروبا والغرب”.

يقول سيدروف في اتصال هاتفي مع موقع “الحرة” من موسكو إن “السبب فني محض، وهو ضرورة إصلاح عدد من التوربينات التي تعطلت نتيجة استخدامها لفترة طويلة في خط نورد ستريم”.

ومع ذلك يشير سيدروف أن من “الواضح تماما أن العقوبات الغربية تسببت في عدد من ردود الأفعال التي أقدمت عليها موسكو”.

ورفض سيدروف فكرة أن الخطوة الأوربية المتعلقة بتحديد أسعار النفط الروسي قد استفزت موسكو، وقال إنها لن تؤدي لنتائج ينتظرها الغرب”.

ويرى المحلل الروسي أن الخطوة قد “تؤدي لنتائج عكسية ومنها ارتفاع في الأسعار، ومضاربة في الأسواق وشراء بعض الدول للنفط بأسعار تحددها روسيا من أجل الالتفاف على العقوبات”.

ومن شأن زيادة القيود على إمدادات الغاز لأوروبا أن تفاقم أزمة الطاقة التي أدت بالفعل إلى ارتفاع أسعار بيع الغاز بالجملة أكثر من 400 بالمئة منذ آب العام الماضي.

تسبب ذلك في أزمة مؤلمة بتكلفة المعيشة للمستهلكين وزيادة التكاليف على الشركات وأجبر الحكومات على إنفاق المليارات لتخفيف العبء.

يقول نصر إن “الأوربيين يدركون أن العقوبات ضد روسيا كانت انفعالية عاطفية وشعبوية في معظمها ولم تكن مدروسة”.

ويضيف: “حتى الآن الخطوات الروسية المقابلة للعقوبات، هي أكثر فعالية مقارنة بخطوات الغرب”.

ويرى أن “استهداف الأوربيين للاقتصاد الروسي، وخاصة القضايا المتعلقة بالغاز والطاقة وباقي السلع، لم يكن مدروسا، لأنه لا توجد لديهم بدائل، وحتى البدائل الموجودة الحالية كقطر ومصر لا تكفي لتعويض النقص”.

بالتالي يعتقد نصر أن هذا “سيؤثر سلبا على الأوضاع الداخلية في أوروبا”، مبينا أن “الضغط الروسي بدأ يمس حياة الناس العاديين في أوروبا وهذا خطير للغاية، ويؤثر على الناخبين”.

والسبت، قالت الشركة المنظمة لشبكة الغاز في ألمانيا إن وضع إمدادات الغاز في البلاد آمن حاليا لكنه غير مستقر ولا يمكن استبعاد حدوث مزيد من التدهور.

وقالت الشركة المنظمة الألمانية في تقريرها اليومي عن وضع الغاز “العيوب التي يزعم الجانب الروسي وجودها ليست سببا فنيا لوقف التدفقات”.

ودعا مفوض الاقتصاد في الاتحاد الأوروبي باولو جنتيلوني، السبت، روسيا الى احترام عقود الطاقة التي أبرمتها، لكنه مستعد لمواجهة التحدي إذا لم تفعل ذلك.

وقال البيت الأبيض، الجمعة، إن موسكو تستخدم الطاقة أداة للضغط على أوروبا، معربا عن أسفه لاستمرار روسيا في “استخدام الطاقة كسلاح ضد المستهلكين الأوروبيين”.