“الإخوة الأعداء”.. من الأقوى عسكرياً ميليشيات الصدر أم الحشد الشعبي الموالي لإيران؟ وما دور حزب الله؟

“الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني ناقشا مع الحشد الشعبي العراقي الموالي لطهران مواجهة مقتدى الصدر بالسلاح والهجوم على مقرات قواته، قبل أن يطالب الأخير أنصاره بالانسحاب من المنطقة الخضراء”، تكشف هذه الواقعة أن العراق كان مقبلاً بالفعل على حرب أهلية شيعية، وتثير تساؤلات حول من أقوى: ميليشيات الصدر أم الحشد الشعبي وغيرها من الميليشيات الموالية لإيران من الناحية العسكرية.

وفي منتصف أغسطس/آب الجاري، بينما كان أنصار “التيار الصدري” يجمعون آلاف التواقيع لـ”عريضة قانونية” تطالب المحاكم العراقية بحل مجلس النواب، بعد أن اقتحموا مقره، اجتمع في منزل محصّن قرب المنطقة الخضراء وسط بغداد، أربعة قادة لفصائل شيعية عراقية موالية لطهران مع عنصرين من “الحرس الثوري” الإيراني وحزب الله” اللبناني، لبحث فرضيات قدمها قادة الحشد عما ستكون عليه “المواجهة المسلحة” مع تيار الصدر، بدءاً من إمكانية إخراج المعتصمين “بالقوة” من المنطقة الخضراء، والاشتباك مع أهداف “مختارة” في بغداد ومدن أخرى، حسبما نقل مصدر مطلع لصحيفة الشرق الأوسط السعودية.




يظهر هذا الاجتماع وما دار فيه، وتحفظ حزب الله ووزارتي الخارجية والاستخبارات الإيرانيتين على هذا الطرح إلى أين كادت تصل الأزمة العراقية التي هدأت بإعلان الصدر المفاجئ سحب أنصاره واعتذاره للعراقيين.

وتمثل أي مواجهة بين ميليشيات الصدر والحشد الشعبي ليس كارثة على العراق فقط، ولكنها سوف تمثل تمزيقاً للنسيج الاجتماعي الشيعي العراقي، لأنها لا تعني حرباً أهلية بين طائفتين، بل اقتتال شوارع بين أولاد عمومة وأبناء عشائر واحدة وأصهار.

وقد شهدت ليلة 29 أغسطس/آب 2022، سيناريو مبدئياً لهذه الحرب عندما تحولت عملية اقتحام أنصار الصدر لمقري الرئاسة والحكومة إلى معركة بالأسلحة بين سرايا السلام التابعة للصدر وبين قوات الأمن والحشد الشعبي والميليشيات التابعة للإطار التنسيقي الشيعي الموالي لإيران، لعدة ساعات أسفرت عن مقتل 30 شخصاً، وشهدت مفارقة هي قيام المتحاربين بتصوير القتال بهواتفهم المحمولة ونقلها على مواقع التواصل الاجتماعي على الهواء مباشرة.

ولكن هذا السيناريو يثير تساؤلاً حول من أقوى ميليشيات الصدر أم الحشد الشعبي من الناحية العسكرية، وهل إجابة هذا السؤال لها علاقة برد فعل الحشد الشعبي غير الحاد على تحركات أنصار الصدر، ومسارعة الأخير على الجانب الآخر لسحب أنصاره؟

الصدر أقوى شعبياً

يبدو أن وزن مقتدى الصدر الشعبي أكبر من وزن مجمل الأحزاب الشيعية الأخرى المنافسة وأغلبها من حلفاء إيران، وهو ما ظهر في الانتخابات الأخيرة، التي فاز بها الصدر بأكبر كتلة من المقاعد، فيما تراجعت حصة حلفاء إيران في الإطار التنسيقي بشكل كبير.

ورغم أن النتائج التي حققها الصدر في هذه الانتخابات تُعزى بشكل كبير إلى التراجع الشديد في شعبية الإطار التنسيقي والحشد الشعبي في أوساط شيعة العراق، بسبب تبعتيهم الفجة لإيران، وكذلك ممارسات الفساد والبلطجة التي يتهمون بها مقابل خطاب أذكى وأقرب من قبل الصدر للشارع العراقي، مع قدرته على التبرؤ نسبياً من ممارسات الفساد والبلطجة لأتباعه رغم مشاركته في أغلب حكومات العراق، وامتلاكه ميليشيات كانت جزءاً من الحشد الشعبي.

ميليشيات الصدر
الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر/رويترز

ولكن شعبية الصدر تظهر أيضاً في مسيرات أتباعه الكبيرة والحماسية والتي لم ينافسها في الحجم إلا احتجاجات عام 2019، التي نظمها شباب شيعي غير متحزب ورافض للطائفية والمحاصصة والفساد.

ولكن عندما يتعلق الأمر، بمن أقوى: ميليشيات الصدر أم الحشد الشعبي من الناحية العسكرية، فإن الأمر يصبح أكثر تعقيداً، فالمواجهة العسكرية معاييرها مختلفة عن الانتخابات والتظاهرات.

 كيف نشأت ميليشيات الصدر؟

كانت الميليشيات التابعة للصدر واحدة من أوليات المجموعات المسلحة التي تأسست في العراق بعد انهيار حكم صدام حسين عام 2003.

ففي النجف العاصمة الدينية للشيعة تشكلت نواة ميليشيات الصدر، عام 2003 عندما دعا مقتدى أتباع والده إلى تشكيل “جيش المهدي” لمقاومة الاحتلال الأمريكي مستغلاً الفوضى التي دبت في البلاد عقب الغزو الأمريكي.

وتراوحت تحركات الصدريين منذ ذلك الحين بين الاحتجاجات الشعبية والعمليات المسلحة، وهو ما يمثل صعوبة لأي قوة تواجهها أحياناً، فتتردد كثيراً بين التعامل معها كحرب أو عمليات شغب.

وتدريجياً برز جيش المهدي كقوة مؤثرة وأكثر فاعلية من فيلق البدر، وهو الفيلق التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية (تغير اسمه للمجلس الإسلامي الأعلى وانفصل عنه فيلق بدر) وهو الفصيل الذي كان منفياً في إيران ويعد الأقرب لها.

ورغم أن فيلق بدر كان لديه خبرة عسكرية عبر المشاركة في القتال بجانب طهران خلال الحرب العراقية الإيرانية، ولكن رقابة الأمريكيين عليه، ومراعاته لهذه الرقابة وعدم رغبته في إثارة حساسية واشنطن التي لها الفضل في عودته للعراق، إضافة إلى حركية التيار الصدري وشعبويته، جعلته يلعب دوراً عسكرياً مهماً على الأرض أكثر من فيلق بدر، وظهر ذلك في خوضه معركة النجف ضد القوات الأمريكية.

وفي أبريل/نيسان عام 2004، وصف بول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق بعد الاحتلال الصدر بأنه خارج عن القانون، فكان الرد الذي نسب للصدر بأنه فخور بأنه خارج عن قانون الاحتلال.

وأعلن مقتدى الصدر رسمياً عن البدء بقتال الجيش الأمريكي بسبب إغلاق “صحيفة الحوزة” التابعة للتيار الصدري في نيسان/أبريل 2004 ومحاولات اعتقاله شخصياً.

قام مسلحو جيش المهدي بالهجوم على مراكز الشرطة وقواعد القوات الأمريكية في النجف وإحراقها في أغسطس/آب عام 2004، وفرضت قوات التحالف حصاراً تاماً على قوات جيش المهدي، وانتهت الاشتباكات بعقد هدنة.

جيش المهدي يتورط بمذابح ضد السنة بعدما كان حليفهم في بداية الاحتلال

بعد الغزو الأمريكي للعراق، وقبل الحرب الأهلية بين السنَّة والشيعة، ظهر نوع من التضامن المتبادل بين المقاومة التي نظمها الصدريون ضد الاحتلال والمقاومة السنيَّة خاصة في مدينة الفلوجة “60 كم شمال غرب بغداد”، معقلها الأهم، حيث تبادل الطرفان الخبرات والسلاح والغذاء.

ولكن الأمور سوف تتغير؛ بعد أن حدثت بعض الاعتداءات من بعض المجموعات المتطرفة من المقاومة السنية على مناطق أو شخصيات شيعية لأنهم رأوا أن القوى السياسية الشيعية تتعاون مع الاحتلال الأمريكي (وهذا حدث بالفعل باستثناء الصدر).

ميليشيات الصدر
أنصار الصدر يرفعون صوره على خلال تظاهرة مؤيدة له/رويترز

ووصلت الأمور إلى ذروتها بعد تفجير أحد أهم المراقد المقدسة لدى الشيعة في العراق، وهو مرقد الإمامين العسكريين بسامراء عام 2006، وتبعته سلسلة اعتداءات على نحو 30 مسجداً سنياً، الأمر الذي أشعل فتيل الحرب الطائفية في العراق؛ ما تسبب في مقتل الآلاف من الطرفين.

في سبتمبر/أيلول 2006، لاحظ مسؤول استخباراتي كبير في التحالف الغربي الذي يحتل العراق، حسبما قال للصحفيين كيف كانت هناك انقسامات سياسية داخل ميليشيات الصدر احتجاجاً على مسار عمله السياسي المعتدل نسبياً، حيث ادعى مسؤول استخباراتي غربي أن ستة قادة رئيسيين على الأقل لا يستجيبون لقيادة الصدر وما يصل إلى ثلث الجيش أصبح الآن خارج سيطرته المباشرة.

وألقى قادة عسكريون وزعماء سنة باللائمة على جيش المهدي في جانب كبير من أعمال العنف وسفك الدماء في الصراع الطائفي عامي 2006 و2007، حتى إن سمعته تلوثت حتى بين الشيعة، بعد سلسلة من المواجهات الدموية في عام 2007.

ولذا تبرأ مقتدى الصدر من العناصر المتورطة في عمليات قتل وتهجير العراقيين، وأعلن في أغسطس/آب 2007 تجميد جيش المهدي لمدة ستة أشهر لإعادة تنظيمه، ثم أمر من جديد بعد انتهاء المدة بالتجميد لمدة ستة أشهر أخرى، قبل أن ينشط من جديد عام 2008.

الحرب ضد الحكومة والفصائل الشيعية الأخرى

وكان واحداً من أبرز التحولات في مسيرة “جيش المهدي” ما حدث في أغسطس/آب 2008، حين دخل في مواجهات عنيفة في كربلاء مع كتائب بدر الشيعية، والتي سقط فيها 50 شيعياً، وألقي باللوم على “جيش المهدي” في سقوط الضحايا.

وفي أعقاب تلك الحادثة، أمر الصدر جيش المهدي بإلقاء أسلحته، لكن بعضهم لم ينصع لأوامره وبدأوا في العمل بشكل مستقل عنه، وانقسم جيش المهدي إلى قسمين “جيش المهدي” وما يسمى “الخلية السرية” أو “المجموعات الخاصة”.

ولكن بأوامر من الصدر استأنف “جيش المهدي” نشاطاته العسكرية، وهو ما أدى إلى شن قوات الحكومة التي كان يترأسها نوري المالكي، عملية عسكرية كبيرة ضده في محافظة البصرة، في 28 مارس/آذار 2008 شارك فيها نحو 30 ألف جندي عراقي، حسبما ورد في تقرير لموقع بلومبرغ الشرق.

وحصد القتال أرواح 600 مدني ومقاتل خلال يومين، ومع وصول القتال إلى طريق مسدود، وافق الصدر على اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية إيرانية في 31 مارس/آذار 2008، ومع نهاية القتال كانت خسائر “جيش المهدي” بلغت نحو 2000 ضحية.

انتهت العملية بنجاح نسبي للقوات الحكومية ولكن لم يضعف التيار الصدري على المدى البعيد بل سوف تزداد قوته (حتى لو تراجعت قوته العسكرية).

وفي 2009 أعلن الصدر عن تجميد جيش المهدي بشكل كامل، وطرد المتورطين في عمليات “تطهير طائفي” أو القتل على الهوية قبل انخراطه في العملية السياسية بشكل رسمي.

سرايا السلام التي أسسها الصدر بديلاً لجيش المهدي سيئ السمعة

في يونيو/حزيران 2014 بعد استيلاء تنظيم داعش على مناطق واسعة في شمال العراق وتهديدها لبغداد، أعلن الصدر ولادة “سرايا السلام”، وحدد الصدر مهمة “سرايا السلام” في بيان موقعه الإلكتروني، بالقول: “مهمتنا هي الدفاع عن المقدسات فقط لا عن حزب أو جهة أو حكومة أو تيار أو تنظيم. سمة السرايا هي الدفاع ويمنع الهجوم منعاً باتاً”.

ورأت ورقة بحثية نشرتها جامعة “ستانفورد” الأمريكية بشأن الميليشيات في العراق، أن تغيير تسمية “جيش المهدي”، إلى “سرايا السلام” يؤشر إلى أن الصدر أراد أن ينأى بالسرايا الجديدة عن سمعة “جيش المهدي” والتي تلوثت جراء النزاع الطائفي في العراق بين 2006 و2007.

ورغم دورها “الدفاعي” الذي حدده الصدر مبدئياً، أشارت “خريطة الميليشيات في العراق” الصادرة عن جامعة “ستانفورد” الأمريكية، إلى أن “سرايا السلام” عملت مع القوات الأمنية العراقية في القتال ضد “داعش”، واستطاعا استعادة منطقة “جرف الصخر” والتي تبعد 60 كيلومتراً عن بغداد، وأمنا سامراء وصلاح الدين ضد هجمات “داعش” في شتاء (2014 – 2015).

ولكن الورقة أشارت أيضاً إلى أن الصدر سحب قواته من خطوط القتال عقب ارتكاب ميليشيات شيعية عدة مذابح ضد المدنيين السنة في فبراير/شباط 2015. وقالت إنه لا يوجد دليل على أن “سرايا السلام” شاركت في القتل الطائفي.

مناطق نفوذها

أقامت الميليشيات الشيعية مناطق هيمنة ونفوذ مختلفة في بغداد وبقية العراق، وداخل هذه المناطق، تخضع معظم المعاملات العقارية والشركات التجارية للضرائب والإتاوات من قبل الميليشيات المهيمنة.

في بغداد مثلاً، تسيطر كتائب حزب الله على  شارع فلسطين، وعصائب أهل الحق، وبدر وكتائب الإمام علي الكرادة والجادرية، وهي كلها ميليشيات موالية لإيران.

أما مدينة الصدر وهي ضاحية مليونية شيعية فقيرة، فالسيطرة لسرايا السلام التابعة لمقتدى الصدر، إضافة لمناطق متعددة في بغداد والجنوب العراقي، وبصفة عامة نفوذ ميليشيات الصدر بارز في المناطق الشيعية الشعبية.

وتتواجد ميليشيات الصدر كغيرها من الميليشيات الشيعية في مناطق سنية، حيث  تسيطر سرايا سلام، بشكل حصري على مدينة سامراء (التي يوجد بها ضريح الإمامين العسكريين الذي أدى تفجيره لحرب أهلية)، ومعسكر سبايكر، وهو قاعدة عسكرية كبيرة غير مستخدمة غرب تكريت حيث تم أخذ 1700 طالب شيعي منها قبل أن يذبحهم تنظيم الدولة الإسلامية في  يونيو/حزيران 2014.

ما هي أسلحة سرايا السلام وأعداد أفرادها؟

كانت المجموعة التابعة للصدر مسلحة بأسلحة خفيفة مختلفة في البداية، بما في ذلك العبوات الناسفة. حيث استخدمت العديد من العبوات الناسفة البدائية أثناء الهجمات على قوات الأمن العراقية وقوات التحالف بقيادة أمريكا، كما استخدمت أجهزة استشعار تعمل بالأشعة تحت الحمراء كمحفزات، وهي تقنية استخدمها الجيش الجمهوري الأيرلندي على نطاق واسع في أيرلندا الشمالية في أوائل إلى منتصف التسعينيات.

ويعتقد أن تسليح جيش المهدي ثم سرايا السلام قد ازداد كثافة مع استمرار الفوضى في البلاد، خاصة أن الجيش العراقي المنحل خلف كميات هائلة من الأسلحة.

ويشمل تسليح سرايا السلام على الأغلب أسلحة رشاشة وصواريخ محمولة على الكتف، وبعض الأسلحة الثقيلة والمتوسطة التي ظهرت في عروضها العسكرية، ولكن في الأغلب تسليحها لا يصل لمستوى بعض الفصائل الموالية لإيران.

عدد مسلحي سرايا السلام كان يصل إلى 20 ألفاً في عام 2014، وفقاً لتقدير ورد بموقع جامعة ستانفورد الأمريكية، ولكن من المرجح أن العدد زاد منذ ذلك الوقت وتصل بعض التقديرات بالعدد إلى 50 ألفاً.

وأعلن الصدر تجميد أو حل ميليشياته مراراً، ولكن في الأغلب على أرض الواقع هذا لم يحدث.

الحشد الشعبي قوة متفرقة لا يجمعها سوى الولاء لإيران

حتى بداية الحرب السورية، وبعد ذلك الحرب على داعش، كانت ميليشيات مقتدى الصدر في الأغلب هي أقوى ميليشيات شيعية في العراق، وفي بعض المراحل قد تكون أقوى ميليشيات في العراق، في فترة تراجع المقاومة السنية بسبب هجمات القوات الأمريكية.

لكن تضخم حجم الميليشيات الموالية لإيران في العراق بشكل كبير جراء الحرب السورية، ثم الحرب العراقية على داعش، فلقد زاد عددها (دون فيلق بدر) من 4000 فرد في عام 2010 إلى أكثر من 60 ألفاً في عام 2014 عندما تم ربطها بتمويل حكومي من خلال قوات الحشد الشعبي التي تم جمعها لمحاربة تنظيم داعش، وخاصة بعد فتوى للسيستاني تشجع على تشكيل الحشد، حسب تقرير لموقع أكاديمية West Point الأمريكية العسكرية.

بينما كان عدد أفراد فيلق بدر نحو 20 ألفاً الموجود أصلاً، فهو أول فيلق موالٍ لإيران يدخل العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003.

كتائب حزب الله العراقي التي واحدة من أقوى الميليشيات الموالية لإيران/رويترز

ومن أهم هذه الميليشيات الجديدة حسب التقرير كتائب الإمام علي وحزب الله اللذان برز قادتهما كمنافسين لزعيم الحشد الذي اغتالته واشنطن أبو مهدي المهندس.

ويعد قيس الخزعلي قائد ما يعرف بعصائب أهل الحق أشهر المنشقين عن الصدر الذين أصبحوا من الموالين لإيران.

وطرد قيس الخزعلي من صفوف جيش المهدي في عام 2004، بعد رفض الاستجابة لأمر الصدر بالالتزام بوقف إطلاق النار مع القوات الأمريكية.

وشكل الخزعلي عصائب أهل الحق في عام 2006، وأعلن التنظيم مسؤوليته عن أكثر من 6000 هجوم في جميع أنحاء العراق ضد قوات الاحتلال بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها. وعصائب أهل الحق موالية لإيران ومرشدها الأعلى علي خامنئي، واتُّهمت بالتورط في قمع وقتل المتظاهرين خلال احتجاجات 2019 المناهضة للحكومة في العراق.

بفضل الدعم الإيراني، ثم الحصول على أموال الحكومة بعد ضم الحشد الشعبي شكلياً للقوات الحكومية، توسعت عصائب أهل الحق من ميليشيا صغيرة منشقة عن الصدر قوامها أقل من 3000 عضو في 2011 إلى ما يعادل قوة من ثلاثة ألوية يبلغ قوامها نحو 10 آلاف مقاتل.

وبالمقارنة مع حليفه في إطار التنسيق هادي العامري قائد فيلق بدر، فقد تبنى الخزعلي ومنظمة عصائب أهل الحق المسلحة التي يرأسها نهجاً أكثر تصادماً مع الصدر.

أسلحة الحشد وأعداد أفراده

ويمكن القول إن كثيراً من الميليشيات الأصغر والأحدث الموالية لإيران هي أقرب إلى الحرس الثوري الإسلامي من الميليشيات الأكبر والأقدم مثل فيلق بدر وعصائب أهل الحق (موالية لطهران أيضاً).

وتتهم مصادر عراقية وغربية هذه الميليشيات بجني الأموال الفاسدة، والسيطرة على الحدود العراقية السورية، وانتهاكات حقوق الإنسان، وفرض السيطرة على قواعد ومناطق حصرية خارج سلطة الدولة العراقية، وهي ممارسات تقوم بها أيضاً سرايا السلام، وإن كانت الممارسات المستفزة للعراقيين من قبل سرايا السلام تبدو أقل فجاجة.

المجموعات الأحدث التابعة لإيران لديها، حسب إحصاء الأرقام المقدمة من جهات الاتصال العراقية، 22 ألف موظف مسجل، وفقاً لتقرير الأكاديمية العسكرية الأمريكية.

ويقدر التقرير أن هذه الميليشيات والمجموعات الخاصة لديها حالياً 63 ألف فرد مسجل، إضافة إلى ما يتراوح بين 18000 إلى 22000 مسلح في فيلق بدر الأكثر استقلالية عن طهران والأكثر اعتدالاً في مواقفه من الصدر.

أي أن إجمالي أعداد أفراد الميليشيات الموالية لإيران وفقاً لهذا التقدير الأمريكي الذي صدر عام 2019، يتراوح بين 80 و85 ألفاً، والعدد في الأغلب قد زاد خلال السنوات الماضية، (بعض التقديرات تصل به لمئة ألف)، علماً بأن أغلب تمويل هذه الميليشيات يأتي من الدولة العراقية عبر دمجها في الحشد الشعبي أو عبر الإتاوات التي تفرضها الميليشيات سواء على الأنشطة الشرعية في مناطق هيمنتها أو أنشطة التهريب التي قد تفرض عليها إتاوات أو تشارك فيها مباشرة.

وزودت إيران الفصائل الموالية لها بطائرات مسيرة بأعداد يبدو أنها ليست قليلة، حتى إنه قيل إنها بدأت تستخدمها بدون موافقة طهران (استهدفت بها الكاظمي)، إضافة لقطع مدفعية ومدفعية صاروخية وصواريخ قصيرة المدى (سلاح مفضل لديها لاستهداف الأمريكيين).

من أقوى ميليشيات الصدر أم الحشد الشعبي من الناحية العسكرية؟

تظهر المقارنة تفوقاً عددياً واضحاً لصالح الميليشيات الموالية لإيران التي قد تتراوح بين 80 إلى مئة ألف مقابل ما يتراوح بين 20 ألفاً لسرايا السلام التابعة للصدر إلى نحو 50 ألفاً في أقصى تقدير (والأخير تقدير يميل للمبالغة على الأرجح).

ومن حيث نوعية التسليح فعل الأقل بعض الوحدات التي يمكن أن توصف بالنخبوية من الميليشيات التابعة لإيران قد تتمتع بتسليح أعلى كثيراً من سرايا السلام (قياساً أيضاً على تسليح طهران لحزب الله الذي يتضمن بعض الأسلحة الخفيفة شديدة التقدم يتم الحصول عليها من السوق السوداء الدولية)، مع توفير الإيرانيين لها تدريباً شبه نظامي.

كما اكتسبت الميليشيات الموالية لإيران خبرة إضافية مقارنة بسرايا السلام من خلال مشاركتها في الحرب السورية، عكس سرايا السلام التي شاركت في الحرب ضد داعش فقط (وقبلها حروب متعددة ولكن بشكل فوضوي نسبياً).

ولكن على الجانب الآخر، هناك نقاط قوة لسرايا السلام التابعة للصدر، وهي الشعبية النسبية للصدر مقارنة بالأحزاب الموالية لإيران، والطابع الحماسي الذي تتسم به، وكذلك السمعة شديدة السوء للحشد الشعبي فيما يتعلق بالفساد، تحديداً مقارنة بسمعة سرايا السلام التي ترتبط سمعتها أكثر بالفوضوية (وإن كان هناك مؤشرات أن الفوضوية تراجعت قليلاً).

كما أن ميليشيات إيران منقسمة بشكل كبير، وهناك مؤشرات على التنافس فيما بينها وغياب قيادة مركزية بعد قتل الأمريكيين لقائد الحشد الفعلي أبو  مهدي المهندس (نائب رئيس هيئة الحشد)، والأهم فقدان إيران نسبياً للسيطرة على هذه الميليشيات، بعد اختفاء شخصية قاسم سليماني المركزية والذي كان يعرف دقائق الحالة العراقية إضافة لمؤشرات على تنافس بين الجهات الإيرانية على الملف العراقي بما فيها توجيه الميليشيات الشيعية.

وهناك مؤشرات قوية على تفاوت مقدار ولاء الحشد الشعبي لإيران، والأهم تفاوت لافت في درجة تطرفه سواء في الموقف من  الصدر أو الأمريكيين أو السنة أو الحكومة العراقية (يعتقد بتورط أحد فصائله في محاولة لاغتيال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي)، بين المجموعات القديمة الأكثر اعتدالاً مثل فيلق بدر والمجموعات الجديدة الراديكالية مثل حزب الله.

ولكن تظل المعادلة واضحة: هناك تفوق عسكري وعددي نسبي للحشد وغيره من الميليشيات الموالية لإيران، ولكن هذا التفوق لن يترجم على الأرض، إلا لو توحدت كل الفصائل الموالية لإيران ضد ميليشيات الصدر (وهو أمر ليس محسوماً).

في المقابل، تتسم ميليشات الصدر بأنها أقل انضباطاً، ولكن مع تفوق شعبي للتيار الصدري، مما يوفر له حاضنة شعبية في كثير من المناطق خاصة مدينة الصدر (التي تمثل ما يقرب من نصف سكان بغداد)، وسيجعل هذا أي معركة حرب شوارع مريرة، لن يكون فيها التفوق على الأرجح للأكثر تسليحاً، بل في الأغلب الأكثر ارتباطاً بالمجتمع ومعرفة لجغرافية الأحياء والأزقة الضيقة، وهي في كل الأحوال نوعية حروب صعبة وخادعة، ودمرت أقوى الجيوش مثلما حدث للجيش الألماني في ستالينغراد خلال الحرب العالمية الثانية.

وقد تكون كل هذه العوامل وراء تراجع الصدر، ودفعت أيضاً كثيراً من أعضاء الإطار التنسيقي الشيعي لعدم السير في دعوات التصعيد ضده من قبل أجنحته الأكثر ميلاً للعنف.