عون أمام إمّا محاسبة وإمّا فحص ضمير وإمّا انفتاح على أعدائه!

سركيس نعوم – النهار

ما فعله رئيس الجمهورية #ميشال عون في ولايته الرئاسية التي تنتهي بعد شهرين بالتمام والكمال لا يمكن أن يمرّ من دون محاسبة أو بالأحرى من دون إظهاره للناس بكلّ موضوعية وبعيداً من روح الثأر والانتقام. ذلك أن شعب #لبنان الذي صار شعوباً أو الذي أخفقت منظوماته السياسية في جعلها واحداً مع احتفاظ كل منها بخصوصياته غير المتناقضة مع وحدته الوطنية، يجب أن يعرف بعيداً من أيّ ديماغوجية أو بروباغندا من بدأ إنزال لبنان الى جهنّم عام 1969 ومن أوصله الى قعرها عام 1990، ومن أخرجه منها عام 1990 ثم وضعه على طريق النزول إليها ثانيةً بين 1990 و2005، وأخيراً من أعاده الى قعرها بين عامي 2016 و2022 ثم أنزله الى جهنم الثانية باعتبار أنها قد تكون مجموعة طبقات كل واحدة أكثر إيلاماً وأشدّ حرقاً من التي قبلها. طبعاً لا يشك بعض اللبنانيين في أن نيّات عون كانت على العموم طيّبة وربما لا تزال كذلك وأنه حظي بمحبّة لبنانيين كثيرين ولا يزال يحتفظ بمحبّة قسم مهم منهم. لكن غالبية هؤلاء تفيد أن وقت محاسبته أو محاسبة من دفعه وشعوب لبنان كلها الى “جهنم” قد حان، إذ إن القلب الطيّب والنيّة الحسنة لا يكفيان لبناء وطن ولإزالة انقساماته وتوحيد شعوبه، علماً بأن بين اللبنانيين من لا يؤمن بالصفة الأبوية المُشار إليها أعلاه فيه أي في الرئيس عون، ولا يرى إلا شخصية حاقدة ومستبدّة وصاحبة شهوة دائمة الى السلطة ولا تعرف إلا المصالح الخاصة. المحاسبة أو بالأحرى المساءلة تقتضي سؤال الرئيس عون: أين الكهرباء التي من فرط حرصك على إعادتها 24 على 24 سلمتها الى الحائز الأول والأخير على ثقتك أي صهرك ووريثك الوحيد في “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل؟ وأين ذهبت عشرات المليارات من الدولارات الأميركية التي أنفقت عليها فزادت العتمة في عيون اللبنانيين وقلوبهم وأسهمت في إفقارهم وانهياراتهم المتنوّعة؟ تقتضي المحاسبة أو على الأقلّ المساءلة أيضاً سؤال عون: أين صار القطاع المصرفي؟ ولماذا صار في الأرض أو تحتها بعدما كان على مدى سنوات طويلة “رمزاً” لازدهار البلاد؟ هل يكفي لوم الذين تسلّموا السلطة بعد “الطائف” وتحميلهم مسؤولية انهياره وفي مقدّمهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري و”رفيقه” الرئيس الياس الهراوي، وتبرئة الذين حكموا لبنان فعلياً أي سوريا الأسد منذ 1989 حتى 2005 وحلفائهم بل وكلائهم اللبنانيين تلافياً لاستعمال وصف أكثر ملاءمة وقسوةً في آن واحد؟ ألا تكفي الإخفاقات التي واجهها مشروع السدود المائية الذي أوهم باسيل رئيسه بل والده بالتبنّي أنه سيحلّ مشكلة مياه الريّ ومياه الشفة في لبنان، ألا تكفي لإقناع هذا الرئيس بأن خطأً كبيراً يُرتكب، وبأن الإصرار الأكبر على الاستمرار فيه يُخفي إمّا عجزاً عن الاعتراف بخطأ وإمّا عجزاً عن مقاومة الشهوة الى النجاح وحتى الى المال عند الذين نفّذوا أجزاءً منه جزئياً وباءت بالفشل. وأبرزها وأكثرها وضوحاً للعيان “سدّ المسيلحة” الذي صار يشبه مجاري الأنهر الأوروبية التي أصابها الجفاف في الصيف الحالي من جرّاء الحرارة المرتفعة جداً وتوابعها.




في هذا المجال يتوجّه لبنانيون عقدوا الآمال على الرئيس عون بعدما خيّبها من وضع ثقته الحصرية فيهم بالقول له: في مجلس النواب 128 نائباً، وداخله كما في الحياة السياسية لك حليف واحد هو “حزب الله” ساعدك كثيراً مع “تيّارك” ووريثك “الشرعي”. وهو سيستمرّ في الاهتمام بك وبـ”التيار” من جرّاء الحاجة إليكما ولن يتخلّى عنكما. لكنّه مضطر أيضاً للاهتمام بمصالحه. كان السنّة معك و”حزب القوات اللبنانية” المسيحي الماروني، ورئيس مجلس النواب الشيعي نبيه بري لم يقرّر التصدّي لك لو لم يلمس منك ثمّ من وليّ عهدك استهدافاً مباشراً له ورغبةً في تحميله مع صديقه الشهيد رفيق الحريري ورمز الجنبلاطية مسؤولية الممارسات السلبية التي أوصلت البلاد الى الانهيار الشامل الحالي. لماذا تركوك رغم محاولات فاشلة للتصالح معك؟ لأنك قرّرت تكسير بل تحطيم سمير جعجع ووليد جنبلاط ونبيه برّي ولاحقاً سعد الحريري. لكن ماذا تستطيع أن تفعل الآن؟ طبعاً قرارك الذي صار رسمياً أو شبه رسمي أخيراً بمغادرة قصر بعبدا بعد انتهاء ولايتك الرئاسية جيّد لأنه ينسجم مع الدستور، وربما يفتح باب العمل الجدّي والسريع لتلافي فراغ أو بالأحرى فراغين رئاسي وحكومي، إذ إن الوقوع فيهما يعني إنجاز تدمير “الصيَغ” التي حكمت لبنان منذ تأسيسه بالكامل وأهمّها قبل أكثر من ثلاثة عقود اتفاق الطائف، والتمهيد لبناء دولة جديدة بصيغة جديدة لا يعرف أحدٌ ما إن كانت كل شعوب لبنان قادرة على العيش فيها بحرّية وعدل ومساواة و…

أما عن بطريركي أنطاكيا وسائر المشرق للموارنة فإن اللبنانيين يتساءلون عن أسباب العلاقة الملتبسة بين الجيدة والسيئة للرئيس عون معه. علماً بأن مسؤولية علاقة كهذه يتحمّلها معاً المرجعان السياسي والديني للموارنة. ولا ضرورة لتفصيل الأسباب فالناس يعرفونها. وينطلقون من ذلك للقول إن الوضع اللبناني ومعه الوضع المسيحي يحتاج الى ترتيب لهذه العلاقة، ثم يضيفون “ليس خطأً يا فخامة الرئيس أن تقوم أنت بزيارة البطريرك الراعي وحتى “عدوّك” ومن أنت “عدوّه” منذ عام 1988 أي سمير جعجع “حكيم القوات” وسليمان فرنجية زعيم “المردة” وسامي الجميّل رئيس “الكتائب” وأن تسعى معهم الى توحيد الصف المسيحي ولكن من أجل مصلحة لبنان وشعوبه كلها لا من أجل استعادة مجد بائد وسلطات لم تعد هناك ديموغرافيا كافية لفرضها وحمايتها، كما لا بدّ من الدفع نحو اتفاقات ثنائية مع أيّ من الشعوب الأخرى أي السنّة والشيعة والدروز”، إذ من شأن ذلك تكريس الغبن والعدّ ونهايتها لا بدّ أن تكون عودة الحروب الأهلية التي لا يبدو أن أحداً من قادتها علّمته حروب 1975-1990 أي دروس إيجابية وواقعية. وللمسيحيين على الرئيس عون أن يقول “صهري النائب جبران باسيل ليس مرشحاً ل#رئاسة الجمهورية. وإن لم تقل ذلك فإن قبول قادة المسيحيين الاجتماع معك بثقة ورغبة في التوصّل الى تسوية جيدة ستكون حظوظه ضئيلة جداً.

أيّ دور على الرئيس الذي تنتهي ولايته بعد شهرين أن يؤدّي أيضاً؟