سمير عطا الله

خطب التقاعد – سمير عطالله – النهار

تقاعد الجنرال #ديغول في رسالة من سطر واحد. وغادر قصر الإليزيه الى منزله الريفي في كولومبي، فصار مجد فرنسا هناك. صار رئيساً فيما فرنسا هزيلة مفكّكة مهدّدة بالحرب الأهلية، ذليلة أمام شركائها الغربيين، وتركها دولة صناعية كبرى، تغلق مقرّ الحلف الأطلسي في باريس وتبني لنفسها “القوّة الضاربة” وتبني موقعاً مستقلاً بين الأميركيين والسوفيات في ذروة الحرب الباردة. عندما تُوفي بعد عام، قال جوج بومبيدو: “فرنسا ترمّلت”، إذا عرضتَ جميع من أتوا بعده، يتبيّن لك أن فرنسا صغرت. ليس في تاريخه سوى معركة ثانوية واحدة. الباقي حروب من أجل استقلال فرنسا ووحدتها وكرامتها والحذف من سرديتها الوطنية العار الذي وصمه بها هنري بيتان.

الجنرال فؤاد شهاب تقاعد في رسالة من أربعة أسطر، تاركاً خلفه اللقاء مع جمال عبد الناصر في خيمة على الحدود، ودولة مؤسسات وجيشاً متقدّماً، وقضاءً محترماً، ودستوراً مقدّساً، لا يمسّه سوى الأنقياء وأهل العلم والضمير.




عاد الجنرال فؤاد شهاب الى منزله الريفي المتواضع، دون معركة عسكرية واحدة، دون تعيينات وعائليات وصفقات وشبهات، أنهى حرب 1958 وأحلّ محلها السلام والدولة. ولم يطلب شيئاً، ولم يقبل شيئاً، ولم يساوم في شيء. وأحاط نفسه بمن هم مثله في عزة النفس وكرامة الذات وليس بينهم غنيّ واحد أو فاسد واحد. الأمانة، بالنسبة إليه، كانت مطلقة، والقَسَم أقدس من الكتاب، وإلّا، فلماذا الجمهوريات إن كانت سوف تسلم لقياصرة الطاقة وسلاطين المحروقات؟

ذهب الفريق سوار الذهب الى #التقاعد في الساعة الأولى من اليوم الأخير من ولايته. وكان يملك الجيش والقوات المسلحة وولاء الناس. ساعة الصباح الأولى صلّى الفجر وتلا “ولَلآخرةُ خيرٌ لك من الأولى”، وعاد إلى منزله جالساً الى جانب سائقه. سبقه الى الحكم الضابط جعفر النميري، وخلفه عمر البشير، أمثلة مضحكة في الفساد ومبكية في الخراب. البشير ذو العصا أفقد السودان وحدته وجنوبه، وكدّس أنواع العملات في قبو القصر. أمّا ضابط الشرطة التونسي زين العابدين بن علي، فكان يخبّئ أوراق العملات بين رفوف مكتبه، والباقي يتولّاه أهل زوجته، وهي “كوافورة” من الدرجة الأولى.

ربح الجنرال دوايت أيزنهاور الحرب العالمية الثانية للحلفاء، وانتُخب رئيساً وعاد الى منزله وعلى كتفه نجمة واحدة وعلى صدره ستة أو سبعة أوسمة، فيما تدندلت الأوسمة على صدور الجنرالات العرب مثل الكرز. وكذلك الأفارقة، وأشهرهم معمر القذافي وعيدي أمين والامبراطور جان بيدل بوكاسا.

لكن من أفريقيا أيضاً جاءنا أرقى وأنبل تقاعد في التاريخ. حدث ذلك يوم غادر أمير الحرّيات نلسون مانديلا مبنى الرئاسة ليمضي بقيّة العمر مع أحفاده. وأول ما فكر فيه هو السجّان الذي قام على حراسته القاسية طوال 27 عاماً. قال أمير الحرّيات في نفسه، هذا السجّان سيمضي عمره خائفاً من انتقامي، والانتقام صَغارة لا تليق بي. هكذا عيّنه مدير متحف السجن الذي أقيم له.

قال الوزير السابق وئام وهّاب، من منطلق محبّته لرئيس الجمهورية، إن العهد أضاع الوقت منذ البداية في الثأر من خصومه. وهذا يشغل الرئيس عن القضايا الكبرى، وعن آماله وطموحاته، ويغرقه المحيطون به في شؤون تحطّ من مشاغله التاريخية، التي كان ينوي صادقاً العمل عليها. هكذا ضاعت السنوات الست في الجدل، وتركّزت كلها حول هموم لا علاقة للناس بها. وبدا أن ليس في البلد سوى اسم واحد ورجل واحد وقضيّة واحدة، فيما تداعى كل شيء وانهارت الدولة وتهاوى كل أمل بالعودة الى صفوف الدول ومقام الشعوب.
تلحق البطانة الأذى بصاحبها، غالباً من دون أن تدري. وجميع البطانات عبر التاريخ مجموعة انتهازيين وعدميين مبدأهم الوحيد استغلال اللحظة لأنها لا تدوم. لذلك، كان اختيار المساعدين نوعاً من الحصانة الكبرى وراحة الضمير. وكان سوء الاختيار درب التهلكة ومتاهة الضياع وزوال الأمم.

ولا وقت لدى التاريخ. إنه مسؤول عن الجماعة وزمنها ومستقبلها، ولا يتوقف عند ضلال الأفراد. تلك هوامش، مهما طال تسلطها. ولا شيء يعيد إليها الهدى بعد التوغّل في الظلام. والظلام ظلم وليس ظلمة فقط.

سألت أستاذاً في الترجمة كيف نعرّب عنوان رواية جوزف كونراد:

HEART OF DARKNESS، قلب الظلمة أم قلب الظلام؟ قال: يقصد كونراد قلب الظلام لأن الظلمة محدودة. التقاعد موعد صعب. ليس من السهل أن يتقبّل صاحب الشأن فكرة الإخلاء وإعادة المأجور الى ملكيته. وكلما دخل الجنرال عون مكاناً أو خرج منه، حدث اضطراب وطني خطير. فالرجل يؤمن بالشرعية الشعبية لا القانونية، ويعمل بموجب الشرعة القائلة “وما نيل المطالب بالتمنّي وإنّما تؤخذ الدنيا غِلابا”. لذلك، لم يتردّد لحظة في حلّ مجلس النواب، والبقاء في القصر الجمهوري، وقصف جميع الفرقاء بمدافع الجيش الوطني.

هناك من يؤمن من مريدي الجنرال بأنه هبة إلهية. وهذه لا تتكرّر. ولذا يجب ألّا يغادر القصر الذي أعلن يوم دخله أنهم عرقلوا وصوله طوال 28 عاماً، ذهبت سدى من تاريخ الجمهورية. وأكد الصفة الإلهية خلفه في التيّار عندما ركع أمامه شاكراً، معلناً “إنني أسجد لك”.

سوف يكون من الصعب الفصل بين الإلهي والزائل في هذه المرحلة. خصوصاً على الجماعة المؤيّدة للجنرال. هناك رجال لم يخلقوا للتقاعد. خمسون عاماً الى الأمام بلا توقف. نصف قرن من قصور الوطن والمنفى. الرئيس القوي لا يتقاعد. وإن هو رضي بحتمية النهايات، فالأنصار لا يرتضون. لا بدّ للجنرال من أن يستكمل عهده وأن يفي بوعده: بلد أفضل من الذي تسلمه، وجمهورية أجمل من التي أعطيت له.

أيضاً على البطانة الساخطة من غدر الروزنامة أن ترأف بـ”أحبّاء” الجنرال. أليس لدى خطبائها الألى، ما يعدون به اللبنانيين سوى “البكاء دماً”. ما هذه اللغة التي ترافق درب الآلام منذ نصف قرن؟ لا شك في أن بين الأنصار من يجيد غير هذه اللغة البطيخية في وداع العهد. دعهم يعدوا جماهير الأحباء بما يليق بالشعب العظيم، خصوصاً وهو في أسوأ حال!