أنشط “مكتب” في الجمهوريّة! – رامي الرّيس | نداء الوطن

«يعطيهم العافية» جميع «الزملاء» في مكتب الإعلام في رئاسة الجمهوريّة. يصلون الليل بالنهار، يتابعون صحف الكرة الأرضيّة من نيويورك وباريس ولندن وصولاً إلى أصغر موقع مغمور يتناول الرئيس في لبنان. يسطّرون بيانات بليغة في الأدب ولا تخلو أحياناً من نكهات مسمومة يوحي بها، أو يخطّها بقلم مرصّع بالذهب، جهابذة العهد من كبار الدستوريين الذين يجعلون الدستور مطواعاً بين أيديهم كـ»العجين».

من بين جميع غرف القصر الرئاسي التي تنعم بالتكييف البارد في آب اللهّاب وبالتدفئة الحميمة في برد كانون الثاني القارس، يبقى مكتب الإعلام- بإدارة الجهابذة إيّاهم- الأكثر نشاطاً من بين جميع المكاتب المضاءة ليلاً نهاراً (قيل إن الكهرباء في القصر ومحيطه متوفرة على مدار 22 ساعة يومياً وطبعاً ثمة مولد كهربائي كبير خزانه ممتلئ بشكل دائم بالمازوت يغطي الوقت المتبقي من النهار).




أساساً، من الضروري أن يبقى القصر مشعشعاً لسكانه. هو إفتقد كبار الضيوف والشخصيات. الرؤساء والملوك والأمراء قطعوا فوق عتباته في هذا العهد. باستثناء زيارتين للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فرضتهما اللياقات والبروتوكول، لبقي القصر شاغراً من الزوّار. حتى أن رئيس الجمهوريّة لم يرافق ماكرون في زيارته إلى أحياء الأشرفيّة والمدور لتفقّد السكان بعد انفجار مرفأ بيروت الذي قال إنه علم بوجود «النيترات» فيه، ولكن لا صلاحيّات له في هذا الملف. غريب، مع أنه «الرئيس القوي».

سكون غرف القصر المبرّدة لا تقطعه سوى مواظبة مكتب الإعلام على إصدار البيانات. بياناتٌ إتهاميّة في كل الإتجاهات. يُصنّف فيها الناس بين «أولاد حرام» و»أولاد حلال»! مخاطبة تُذكّر بخطابات وأدبيّات «أشرف الناس». النهج ذاته والطريقة ذاتها. كل من هو ليس معي هو ضدي، وتحلّ عليه صفات العمالة والخيانة ويصبح إنزال الشتائم بحقه مباحاً صبحاً ومساءً.

ترى، ماذا كان ليفعل رئيس الجمهوريّة لولا ألهمه الله الإستعانة بمكتب الإعلام وأن يُكلّف «جهبوذ» (يحق للصحافي ما لا يحق لغيره!) الجمهوريّة والدستور الإشراف عليه وسكب قدراته اللغويّة الرفيعة على بياناته وتطويع الكلمات لتلميع صورة الرئيس أمام الرأي العام حتى ولو اقتضى الأمر نفي كلام سابق نُشر مكتوباً في وسائل الإعلام، وتلي من على منبر القصر الجمهوري الذي تزيّن خلفيته صورة القصر ونافورة مياهه بما يزيد الحضور أمام عدسات الإعلام مهابة ووقاراً؟

نادراً ما يغادر الرئيس القصر الجمهوري. لا زيارات خارجيّة، ولا جولات داخليّة. حتى المشاركة الرئاسيّة التقليديّة في القداديس الإلهيّة لم تكن منتظمة. وإذا حصلت، فكان تُعدّ مسبقاً لدخول الرئيس إلى الكنيسة مجموعة من المصفقين الذين كانوا يحلمون أن يحملوا الرئيس على الأكتاف لولا عناصر الحرس الجمهوري المولجة بحماية الرئيس، وبعضها قادر على الدوس على البشر لتأمين مرور سلس لفخامته.

لم يُفكر الرئيس يوماً في زيارة وزارة أو إدارة عامة، قبل أن تخلو من موظفيها طبعاً بفعل الإنهيار الذي حصل في عهده. لم يُبادر لـ»كبسة» معيّنة على طابور المعاينة الميكانيكيّة مثلاً، أو على محطة بنزين كانت تُخزّن في باطنها مئات الآلاف من الليترات فيما الطوابير أمامها كانت تمتّد على مئات الأمتار.

حلم الرئيس بدخول القصر منذ أيّام قيادة الجيش. وعندما تولّى رئاسة الحكومة العسكريّة سنة 1988 (التي إفتقدت للميثاقيّة تذكيراً) لم يقم بتنظيم الانتخابات الرئاسيّة لأنها لم تكن لتفضي إلى بقائه في بعبدا. وفي العام 2016، وبعد تعطيل دام نحو عامين ونصف، دخل الرئيس إلى القصر وتحقق الحلم.

المهم الآن، بالإذن من أنشط مكتب في الجمهوريّة، مكتب الإعلام، أن يغادر الرئيس في 30 تشرين الأول 2022، دون فلسفات وهرطقات من «جهبوذ» الجمهوريّة أو سواه!