الدكتور داود الصايغ

غداً تبدأ المهلة الدستورية: موعدٌ فاصل أم موعدٌ قاتل؟ – داود الصايغ – النهار

لم تسقط الاهراءات عبثاً. إنها كانت إشارةً في الزمان، لعلّها توقظ الذين لم تهزّهم جريمة الرابع من آب. إنها كانت أنين الحسرات ممّن هم تحت التراب وفوقه. ولكن الجالسين على كراسيهم كان شأنهم شأن سلاطين الممالك المتهالكة الذين اكتفوا بنعيم الجلوس، وتركوا الأمور لأهل الحاشية والمقربين.

كان #لبنان في العتمة، بما يتجاوز انقطاع التيار الكهربائي، وهدر المليارات التي لم يُحاسب أحد عليها، ولن يُحاسب. كيف أُهدرت وفي جيوب مَن استقرّت، لأن ذلك كان ولا يزال هو عنوان الأزمات الخانقة كلّها. عتمة القلوب والنفوس الجائعة إلى السلطة والمال حتى لو تهدد لبنان بوجوده.




بَيد أن الذي حصل في السنوات الماضية، في السنوات الستّ تحديداً، أن لبنان استقرّ على صفقة. على صفقةٍ معلَنة جعلت المسؤولين الإيرانيين، في ظروف المواجهات الفلسطينية – الإسرائيلية الأخيرة في قطاع غزة، يُعلنون أن الردّ سيأتي من جنوب لبنان. وكان ذلك تكراراً لتصريحاتٍ سابقة لهؤلاء المسؤولين في شأن قرار الردّ انطلاقاً من لبنان. فبأيّ حقٍ وبأي شُرعةٍ مدّت إيران يدها إلى لبنان، لبنان المقيم على قمم الدهر والمسافات العربية الرحبة، لبنان المُنفتح والمسالم والذي لم يصدر عنه أيّ إيذاءٍ لأحدٍ في تاريخه، فتداول العديدون استباحته والعبث بمساحات العطاء فيه، فضلاً عن العداء الإسرائيلي المستحكم منذ البدء، كون لبنان كان ولا يزال نقيض الكيان العنصري الإسرائيلي.

إذ يكفي التساؤل كيف تحوّل التحقيق في جريمة المرفأ إلى مطالبة البعض المُعلنة بضرورة تغيير قاضي التحقيق، وبذهاب أحد المسؤولين الحزبيين إلى قصر العدل بالذات للمطالبة “بقبعه” وفق ذلك التعبير المبتذل في أيام الابتذال كلّها.

الخلاص. نعم الخلاص كيف يأتي وعلى أيدي مَن سيأتي. هو السؤال المرير والمغلّف أبداً بقوة الحياة والتمرّد على اليأس، بقوة دفعٍ لعلّها آتية من أعماق الأرض والتراب، بما يتجاوز كلّ أنواع العبث والعابثين.

الخلاص كيف، وعلى أيدي مَن؟ يتساءل المخلصون في مناسبة انتخاب رئيسٍ جديد. الجواب واضحٌ وسهل القراءة. على أيدي أشخاصٍ رفعوا كراسيهم إلى حيث يجب أن تكون، ولم تكن الكراسي هي التي رفعتهم. إلى حيث مواقع القرار بشؤون الناس، وفق ما كان عليه صُنّاع تاريخ الشعوب والأُمم، لأن للتاريخ صنّاعاً، والصناعة هي في الإنجاز، وليست في الاستسلام، بدءاً لمغريات السلطة والسعي وراء الوراثة، وتحديد الحقائب الدسمة التي لم يفهم أحد من اللبنانيين لماذا إصرار القيادات على حقائب معيّنة من دون غيرها إزاء فضائح متتالية كان آخرها فضيحة الطحين والخبز بما يُذكّر بأزمنة المجاعة في الحرب العالمية الأولى.

غداً تُفتح المهلة الدستورية، لما بقيَ من علاماتٍ في الدستور بالنسبة إلى مَن يحترمه، يُقابلها احتمال الفراغ بالنسبة إلى الذين لم يَعبأوا يوماً بما دعا إليه الدستور.

الموعد المقبل المفتوح إما هو فاصل وإما هو قاتل. يعود الدستور إلى ذاته مع عودة لبنان إلى ذاته، ومعه عودة السؤال المرير: كيف تَرَكَنا العالم كلّه وصبَّ جام غضبه على مَن وصفهم بالطبقة السياسية، إذ لم يبقَ من مسؤولٍ شرقي أو غربي أو روحي إلا ووجّه أقسى الانتقادات لهؤلاء؟!

ولكن مهلاً قليلاً. لماذا نحن إذاً ننتظر التغيير على يد رئيسٍ جديد؟

كان في الدول رأسٌ ولا يزال. حتى في المجتمعات البدائية والقبلية هنالك رأس. والرأس عندنا هو الذي جعله الدستور رأس الدولة. كان يتمتع بصلاحيات واسعة في الدستور القديم، وقُلّصت هذه الصلاحيات في الدستور المُعدّل عام1991. لم تَحل الصلاحيات السابقة دون أحداثٍ عديدة على طول التاريخ الاستقلالي، أكان في ما يعود لأزمة 1952 واستقالة الرئيس بشارة الخوري، أم لأحداث 1958، أم لدخول كامل الثورة الفلسطينية إلى لبنان في خريف 1970، أم إلى المواجهات معهم عام 1973 ثمّ إلى بداية الحروب عام 1975.

ولكن بقيَ هنالك الرأس، وهو رأس الدولة. ومهام الدولة الأساسية مرتبطة بوجوده. بوجود شخصٍ يُدرك أن وصوله إلى تلك السدّة في بلدٍ مثل لبنان نشأ على التنوع البشري بفعل الأقدار وتقلّبات الأزمنة، إنما يعني كلّ شيء ما عدا الانتصار أو المكاسب العائدة لذلك المركز. هنالك ديموقراطيات عديدة في العالم أُصيب قادتها بما يُشبه الجنون عند استحقاق الخروج من السلطة، آخرهم ما حصل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2021، ومثلما حصل مع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في الآونة الاخيرة. هذا في أعرق الديموقراطيات، حتى لا نذكر أنظمة العالم الثالث التي من الصعب جداً على حكّامها أن يُغادروا بسهولة.
في لبنان كان الطموح الرئاسي قاتلاً ولا يزال، حُصر في الطائفة المارونية منذ عام 1936 بقبول ورضى من الجميع، في عملية توزيع مراكز المسؤوليات الكُبرى في الدولة وفي الحكومة ومجلس النواب والإدارات. لبنان بلدٌ متعدد الطوائف وسوف يبقى كذلك إلى أمدٍ طويل، وهذا موضوعٌ تَمّ بحثه مراراً في هذه الصفحات وفي غيرها. ولكن يبقى السؤال الأساسي: ماذا ينتظر لبنان والعالم من الرئيس الجديد، أو بالأحرى من التغيير؟ موضوعان أساسيان تحكّما بلبنان بصورة خاصة في السنوات الأخيرة: طغيان المحاصصة والفساد المُعلنين، وإحكام القبضة الإيرانية على القرار السيادي من خلال ذراعها اللبنانية، من مسألة ترسيم الحدود البحرية إلى إمكان تعطيل الانتخابات الرئاسية، كما حصل بين انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان وفرض انتخاب الرئيس ميشال عون، أي لمدّة سنتين ونصف سنة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعا القادة السياسيين في أيلول 2020 إلى فصل مسألة سلاح “حزب الله” عن الإصلاحات المطلوبة أقلّه حتى يُفرج عن مبلغ الأحد عشر مليار دولار الذي أُقرّ في مؤتمر “سيدر” في نيسان 2018 في باريس. ومذذاك، بالطبع، لم يحصل شيء.
لم يحصل شيء على صعيد الإصلاح. لا شيء سوى محاولة ملاحقة حاكم مصرف لبنان، وطرح قضية التدقيق الجنائي، والرجوع بالمسؤوليات إلى السنوات الثلاثين الماضية، في محاولة للهروب، مثل جميع الذين يعجزون عن تحقيق أي إنجاز. كلّ ذلك على خلفية مُعلنة هي تأمين الاستمرار بعد الولاية الحالية، لأن ما حصل خلال السنوات الستّ لهذه الولاية لم يحصل من قبل في تاريخ لبنان، وهو وجود أحد أقرباء رئيس الجمهورية في موقع القرار أو التعطيل، ولو على خلافٍ عميق مع جميع القوى السياسية الأخرى في لبنان. هذا لم يحصل من قبل. لماذا أُعطيَ هذا الشخص كل هذا النفوذ المُعلن، هو موضوعٌ توقّف عنده الكثيرون ولم يجدوا له جواباً حتى الآن. ماذا سيحصل في كلّ ذلك عند انتهاء الولاية، هو سؤالٌ يبقى في المجهول. ولكن ما يجدر قوله أن عمليات تأليف الحكومات، على نحو ما درجَ من عرفٍ في إعطاء رئيس الجمهورية حصة وفقَ اتفاق الدوحة لعام 2008، والذي كان وُفقَ ما ذُكر في مطلع ذلك الاتفاق أنّه وُضع لظرفٍ استثـنائي أي لمرة واحدة، زادت مع الرئيس الحالي حصة حزبه السياسي، فانفتح الباب أمام الحصص للمراجع كلّها، من دون استثناء، وتحوّل مجلس الوزراء، أي السلطة التنفيذية، إلى مجلس مندوبين، وانسحبت الحصص على قطاعات الدولة كلّها، وبات من المُتعذّر حتى تعيين حرّاس للأحراج، فضلاً عن احتجاز مراسيم التعيينات القضائية في الأدراج. من حرّاس الأحراج إلى حرّاس القانون أخذت الدولة في السنوات الأخيرة صورة الحصص والحصص وحدها.

انتخاب رئيس جديد مع المهلة الدستورية التي ستُفتح منتصف ليل غد هو موعدٌ يتطلّع إليه العالم كلّه. العالم المهتم بلبنان. وهو موعدٌ للخلاص من المفاوضات الخارجية ومعرفة ماذا سيحصل للبنان بعد المفاوضات الأميركية – الإيرانية. هو موعدُ إعادة الربط مع الدول العربية والخليجية تحديداً التي نجحت في رفع الأبراج في الأماكن الصحراوية وباتت مقصد العالم. إنه موعد الأزمنة العائدة مع أمثولتين: لا لاستحضار الحنين والماضي الذهبي، ولا بالتبشير بقرب الزوال وتجميع الأزمات بعضها على البعض الآخر. فاللبنانيون سئموا تعداد المآسي، ولفظوا المتسببين بها لأنهم أصبحوا معروفين من شدّة ما فضحوا أنفسهم. هؤلاء أيامهم إلى زوال وليس أيام اللبنانيين.

هل هذا سيحصل على يد الرئيس الجديد والرئيس الجديد وحده؟ بالطبع كلا. ولكن في أبسط الأوصاف هل من الصعب على الأيام المقبلة أن تُفرج ولو عن عشرة أشخاصٍ يمتلكون الاستقامة والكفاءة والشجاعة ليقفوا صامدين في وجه جدران الفساد والحصص والاستسلام للخارج ولطروحاته العقائدية؟ في لبنان المئات من هؤلاء. صدّتهم حتى الآن من جهة الأيدي التي تحكّمت بالقرار، ومن جهةٍ ثانية النفوس الجشعة الساعية إلى مصالحها وحدها. فلكل شيء نهاية، والروائي الأميركي ارنست همنغواي لم يكتب عن عبث روايته الشهيرة “غداً تُشرق الشمس” لمن خيّم عليهم الظلام طويلاً.