نصرالله من محاربة إسرائيل إلى “هندسة” الحدود معها

يقول الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصرالله إن نتائج محادثات إحياء الاتفاق النووي الإيراني في فيينا لن يكون لها تأثير على محادثات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. ولكن لأن نصرالله يقول ذلك، فهذا يعني أن الحقيقة هي العكس تماما.

يهدّد نصرالله هذه المرة، ليس بقصف “حيفا وما وراء حيفا” بالصواريخ في حال قامت إسرائيل بأي عمل عسكري، بل بتصعيد من نوع ما إذا لم يتم ترسيم الحدود سلمياً مع “العدو”. وكلما نسي اللبنانيون صلته الوثيقة مع نظام الولي الفقيه في طهران، عاد نصرالله وذكّرهم بالقول “إن موضوع ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل وحقل ‘كاريش’ لا علاقة له بالاتفاق النووي مع إيران لا من قريب ولا من بعيد سواء وقّع من جديد أو لم يوقّع”.




يتعامل نصرالله اليوم مع أعداء الأمس، ويثق بوساطة الأميركيين، وأكثر من ذلك يريد أن يبدو داعماً للدولة اللبنانية، بعد أن تحوّل إلى مرشدها الأعلى، بإقصاء كافة الخصوم وإضعافهم والهيمنة على ما تبقى من المؤسسات المدنية فيها، يقول “في حال جاء الوسيط الأميركي وأعطى للدولة اللبنانية ما تطالب به فنحن ذاهبون إلى الهدوء”.

الحرب التي حذّر منها نصرالله قبل فترة، حرب من نوع غير مسبوق، فهذه المرة يراه العالم مصرّا على توقيع اتفاقية هي في حقيقتها لا تثبت الحق اللبناني بقدر ما تثبّت حدود وشرعية الطرف الآخر؛ إسرائيل.

ذلك التحوّل الجوهري في موقف “مقاوم” الأمس، ما كان له أن يتم لولا السنوات الملتهبة الماضية التي أخرجته من عباءة المناضل التحرري، بطل الجنوب، ومحبوب الشعوب العربية والإسلامية، إلى صيغة الميليشيوي المسلح زعيم المجموعات التي تأمرها إيران وتحرّكها لدعم مشروعها التوسعي في المنطقة، في سوريا والعراق واليمن كما في لبنان، حامي تجار المخدرات ومصانع الكبتاغون وملاذ المطلوبين الجنائيين في جرائم كبرى.

المكان الذي شهد إطلاق نصرالله تصريحاته الأخيرة وحده يحمل دلالات لا عد ولا حصر لها، فقد وضع حزب الله حجر الأساس لـ”معلم للسياحة الجهادية” في أول معسكر أسّسه الحرس الثوري الإيراني في هذا البلد لتدريب مقاتلين من الحزب في منطقة جنتا.

التحول إلى السياحة الجهادية

يقول “سيد المقاومة” عن هذا المكان إنه “أول معسكر تدريب للمقاومة الإسلامية في لبنان، وأول دورة عسكرية لتدريب وتخريج مقاتلين للمقاومة الإسلامية في لبنان”. وكان الحرس الثوري الإيراني قد سيطر على هذا المعسكر بعد أن سلمته إياه حركة “أمل” عام 1982، وقام بتوسيعه وجعله منطلقاً لتأسيس حزب الله توعويا وعسكريا، فكان أول المشاركين في دورته الأولى الأمين العام السابق لحزب الله عباس الموسوي الذي اغتالته إسرائيل بعد عشر سنين من ذلك التاريخ. وقصفت إسرائيل معسكر جنتا عدة مرات من قبل، حتى قرّر الحرس الثوري وحزب الله تحويله إلى معلم من معالم ما أسماها بـ”السياحة الجهادية”، بمناسبة اختتام احتفالات الحزب بالذكرى الأربعين لانطلاقته.

مشكلة لبنان مع إسرائيل وسوريا معاً على حدودها الجغرافية السياسية، برياً وبحرياً، وفي الملفين كان نصرالله طرفاً، فهو من رفض ترسيم الحدود البرية مع سوريا والتي لم يتبق منها سوى مزارع شبعا، التي يعرف الجميع أنها تعود إلى سوريا، لكن النظام السوري ونصرالله لا يريدان قول ذلك، فبقاؤها في الالتباس اللبناني يجعلها ورقة “مقاومة” بينما إذا تم الاعتراف بتبعيتها لسوريا فإنها ستلحق بقصة الجولان المنسية. وهكذا يفقد نصرالله ملفاً يمكن تبرير استمرار حزبه مسلحاً بسببه، وهذا ما لا يريده لا هو ولا طهران.

◙ نصرالله يتعامل اليوم مع أعداء الأمس، ويثق بوساطة الأميركيين، وأكثر من ذلك يريد أن يبدو داعماً للدولة اللبنانية، بعد أن تحوّل إلى مرشدها الأعلى

المنطقة الخلافية بين لبنان وإسرائيل هي منطقة بحرية تبلغ مساحتها 860 كيلومترًا مربعًا وهي غنية بالنفط والغاز، سبق للبنان الدخول بمفاوضات عبر وسطاء حولها في الماضي، عبر الأميركيين والأمم المتحدة، شملت خمس جولات في مقر الأمم المتحدة بمنطقة الناقورة جنوبي لبنان، انطلاقاً من أكتوبر عام 2020 ثم مايو 2021.

سرّب الأتراك خبراً مطلع أغسطس الجاري، ينقل عن مسؤولين لبنانيين بارزين قولهم إن لبنان أبلغ المبعوث الأميركي أموس هوكستين أنه متمسك بالخط 23 الحدودي وكذلك بحقل قانا النفطي كاملًا، إضافة إلى موقف جديد يكشف ما كان قد تم الحديث عنه سراً من قبل، وهو التشارك مع الإسرائيليين في استخراج الغاز من هذا الحقل.

لكن إسرائيل ما زالت تقول العكس، وتسرّب أخباراً عن اقتراب الإعلان عن اتفاق رسمي مع لبنان يقضي بترسيم نهائي للحدود البحرية، دون أن ينسى وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس تحذير نصرالله من أي هجوم على حقل “كاريش” حين قال “إن دولة إسرائيل على استعداد لحماية مقدراتها والتوصل إلى اتفاق مع الحكومة اللبنانية بوساطة أميركية”.

يقول نصرالله معلّقاً “كلنا ننتظر، والإسرائيلي يتحدّث كثيراً هذه الأيام ومن انتظر عشر سنوات ينتظر بعض الأيام، فلننتظر الرد الإسرائيلي وليس لدينا ما نضيفه”.

أصبح زعيم المقاومة ينتظر الرد السياسي من الإسرائيليين كي يبني عليه ردّه السياسي، فهل كان تحوله من ميليشيا مسلحة إلى حزب سياسي مسلّح رفض التخلي عن سلاحه من أجل أن يفرض بنفسه الاتفاقيات مع العدو بنفسه على اللبنانيين، كما كان ولا يزال يفرض قرار الحرب عليهم؟

حدود الاستثمار السياسي

وبعد أن كان الطريق إلى القدس، عبارته الشهيرة التي صدع بها رؤوس اللبنانيين والعرب طويلاً، أصبحت العين وفقاً لكلام نصرالله مصوّبة نحو مكان آخر، يقول حسب ما نقلت عنه قناة المنار التابعة لحزب الله “العين يجب أن تكون على ‘كاريش’ والحدود اللبنانية والجنوب اللبناني وشمال الكيان، العين على الوسيط الأميركي”.

فما الذي حدث مؤخراً، وجعل من نصرالله مستعجلاً على حسم هذا الملف، أو على الأقل متحمساً للحصول على فعل مؤثر من الوسيط الأميركي ومن الإسرائيليين؟

في لبنان، لا فرق اليوم إن قلت كما قال نصرالله إن قرار ترسيم الحدود هو قرار الدولة اللبنانية، أو إذا قلت بطريقة أخرى كما يعرف جميع اللبنانيين إن القرار صحيح أنه بيد الدولة لكن الدولة بيد حزب الله. النتيجة واحدة.

وتلك الدولة اللبنانية كانت قد قرّرت قبل عشرين عاماً في بلد كان يسيطر عليه الجيش السوري المضي بمسار ترسيم حدودها البحرية فكلّفت مركز “ساوثمسون” لعلوم المحيطات بالتعاون مع المكتب الهيدروغرافي البريطاني، بإعداد دراسة لترسيم حدود مياه لبنان الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة، بهدف إجراء مسح جيولوجي للتنقيب عن النفط والغاز فيها.

◙ زعيم المقاومة ينتظر الرد السياسي من الإسرائيليين كي يبني عليه ردّه السياسي، ليفرض بنفسه على اللبنانيين الاتفاقيات مع العدو، كما كان ولا يزال يفرض عليهم قرار الحرب

لم يجد المركز المذكور وثائق أو خرائط تساعده، بل إن ما تم تسليمه له مجرد خرائط بحرية غير دقيقة لجنوب لبنان وشمال فلسطين، فكان ما خلص إليه نتائج غير دقيقة أيضاً.

بعد اغتيال الحريري بسنة واحدة عاد حديث ترسيم الحدود، وذلك على وقع حرب تموز 2006، فعادت الحكومة اللبنانية وكلفت المكتب الهيدروغرافي البريطاني نفسه بإجراء دراسة جديدة لترسيم الحدود البحرية فقدّم نفس الدراسة السابقة.

وعلى الرغم من توصل الحكومة اللبنانية إلى اتفاقية أولية مع قبرص لترسيم الحدود، إلا أنها تراجعت عنها بعد أن وقعت الأخيرة اتفاقية ترسيم حدود مع الإسرائيليين. خلق هذا مشكلة للبنان، فالاتفاقية القبرصية – الإسرائيلية حسب اللبنانيين تسببت بخسارة بلادهم مساحة مائية تزيد على 860 كيلومترا مربعا غنية بالنفط والغاز.

وبينما كان حزب الله ينقل مقاتليه إلى سوريا واليمن، جاء فريدريك هوف مبعوثا أميركيا خاصا لحل هذا النزاع، فنشأ ما يعرف اليوم بـ”خط هوف” الذي يحصل لبنان عبره على حوالي 500 كيلومتر مربّع، وتحصل إسرائيل على نحو 360 كيلومترا مربعاً من تلك المنطقة، الأمر الذي رفضه لبنان، فاعتبر الأميركيون أن خط “هوف” خط مؤقت وليس حدوداً نهائية.

لكن الاشتباكات السياسية الداخلية في لبنان، والتحاصص القائم على تقاسم الثروة والسلطة، دفع لبنان إلى اتخاذ القرار بالبدء بالتنقيب عن النفط والغاز بعد ذلك في البلوك 4 و9 في مياهه الإقليمية، بالتعاون مع “توتال” و”إيني” و”نوفاتيك”، غير أن البلوك رقم 9 يقع ضمن المساحة المتنازع عليها، فرفضت إسرائيل الخطوة اللبنانية على الفور.

أرسلت واشنطن مبعوثاً جديداً هو مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد الذي رفع ورقة “هوف” من جديد، فرفض لبنان مجدداً، لكن الرفض هذه المرة لم يأت من الحكومة بل من زعيم حركة أمل نبيه بري نيابة عن حزب الله، وكان ذلك إعلاناً للقول صراحة إنكم إذا أردتم التفاوض فتفاوضوا مع الثنائي الشيعي وليس مع الحكومة.

الدولة أم الحزب؟

 

قرار ترسيم الحدود هو قرار الدولة اللبنانية لكن القرار الصحيح أنه بيد الدولة لكن الدولة بيد حزب الله
قرار ترسيم الحدود هو قرار الدولة اللبنانية لكن القرار الصحيح أنه بيد الدولة لكن الدولة بيد حزب الله 

 

بري كان واضحاً جداً في بيانه، حين قال إن هناك اتفاقاً موقعاً بالأساس، عبر اللجنة الثلاثية المنبثقة عن تفاهم أبريل 1996 التي تضمّ لبنان وإسرائيل والأمم المتحدة. ذلك التفاهم الشهير بـ”تفاهم نيسان” الذي وافق عليه كل من حزب الله وإسرائيل بوساطة أميركية ودولية لوضع حد للعمليات العسكرية آنذاك.

التقط الأميركيون والإسرائيليون الرسالة، فوصل وزير الخارجية الأميركي السابق جورج بومبيو في مارس 2019 إلى بيروت وقابل بري، وفتح معه موضوع الحدود البحرية مع إسرائيل مجدداً، وتمت إعادة تفعيل المبعوث ساترفيلد لتنطلق المفاوضات غير المباشرة مجدداً، ثم تم تعيين ديفيد شينكر خلفاً له، وبات الأخير يزور لبنان فيلتقي ببري وحده بعد أن انتقل إليه الملف حصريا.

أعلن بري التوصل إلى “اتفاق إطار” يشرعن المضي في المفاوضات مع الإسرائيليين لترسيم الحدود، وقال في مؤتمر صحافي عقده في مقر إقامته غرب العاصمة بيروت إن “مفاوضات لترسيم الحدود مع إسرائيل ستتم برعاية الأمم المتحدة مع تلازم بين البر والبحر”، وعقدت بعدها الجولة الأولى من المفاوضات برعاية الأمم المتحدة ووساطة الولايات المتحدة، تلتها جولات كانت واشنطن تقول إن نتائجها “مثمرة”.

◙ التغيّر في الموقف اللبناني اليوم هو أن المفاوضين اللبنانيين وافقوا على “خط هوف” الذي كانوا يرفضونه، ولكن ببعض التعديلات، وهكذا أصبح نصرالله ينتظر رد الفعل الإسرائيلي على بادرة حسن النية التي اقترحها

توقفت المفاوضات حتى تم تعيين هوكستين قبل عام كامل من اليوم، خلفاً لشينكر، وأخذ المبعوث الجديد يزور المنطقة لتذليل الصعوبات أمام تقدم المفاوضات، إلى أن أرسلت إسرائيل سفينة تنقيب إلى حقل “كاريش” للبدء باستخراج الغاز منه، فأرسل حزب الله ثلاث طائرات مسيّرة غير مسلحة للقيام بـ”مهام استطلاعية” في المنطقة ذاتها، فعادت القصة من جديد إلى السطح.

التغيّر في الموقف اللبناني اليوم هو أن المفاوضين اللبنانيين وافقوا على “خط هوف” الذي كانوا يرفضونه، ولكن ببعض التعديلات، وهكذا أصبح نصرالله ينتظر رد الفعل الإسرائيلي على بادرة حسن النية التي اقترحها، لا كما يحاول تصويره عبر التهديدات العسكرية الشفهية.

إذا نجح نصرالله في التوصل إلى اتفاق مع الإسرائيليين فإنه يرسم حدوداً جديدة للصراع في المنطقة، تكشف ظهر مشروع إيران الذي تصر على وصفه بالمقاوم والمعادي لإسرائيل والشيطان الأكبر من خلفها الذي تتفاوض معه حول الملف النووي الخاص بها.

وإذا أخفق فهذا يعني أن إسرائيل لا تريد تقديم جرعة لمفاوضات الاتفاق النووي الإيراني، وهذا ما سوف يحدث على الأرجح. ولهذا كله لجأ أمين عام حزب الله بتوقيت مثير إلى إطلاق مشروع “السياحة الجهادية” بدلا من الجهاد المسلح الذي أصبح من الماضي على ما يبدو.