فتاوى دستورية تروج لبقاء عون في بعبدا بعد انتهاء ولايته

عبّرت مصادر سياسية لبنانية عن مخاوفها من رفض الرئيس اللبناني ميشال عون مغادرة قصر بعبدا بعد انتهاء ولايته الرئاسية، وهو سيناريو طفا على السطح مع تعثر تشكيل حكومة لبنانية جديدة وعدم وجود إجماع على رئيس جمهورية توافقي، مع اقتراب مهلة الستين يوما الدستورية لانتخاب رئيس جديد للبلاد، التي تبدأ في الأول من سبتمبر القادم.

وعزت المصادر مخاوفها إلى سابقة عاشها لبنان في 1989 عندما رفض عون الذي كان يرأس حكومة عسكرية مغادرة “قصر الشعب”، وتسليم مقاليد الحكم إلى الرئيس المنتخب رينيه معوّض (الذي اغتيل بعد شهر على انتخابه)، كما رفض تسليم السلطة للرئيس إلياس الهراوي أيضا.




ورغم أن عون يؤكد أنه لن يبقى في القصر الجمهوري ساعة واحدة بعد انتهاء ولايته، عادت مصادر مقربة من التيار الوطني الحر لضخ معلومات تتحدّث عن فتاوى دستورية تمكن عون من الاستمرار في مهامه، بذريعة أن حكومة تصريف الأعمال ليست مخوّلة تولّي صلاحياته بالوكالة.

ويهيمن الفراغ الرئاسي المرتقب في لبنان على تحركات وتصريحات الساسة اللبنانيين، بعد أن اشتدت المواجهة بين رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي والرئيس اللبناني عون بشأن تنازلات ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة.

وفي ظل الانقسام السياسي الحاد حول الاستحقاقات الدستورية القادمة، دخل السياسيون اللبنانيون في مواجهة تدور حول التفسيرات والاجتهادات والتجاوزات الدستورية. ذلك أن الأمر لا يرتبط فقط بمعركة الصلاحيات، بل بكيفية إدارة البلاد في حالة الشغور الرئاسي، خصوصا أن الجميع يتصرف على أساس أن الانتخابات الرئاسية لن تحصل في موعدها.

في 1989 رفض عون الذي كان يرأس حكومة عسكرية المغادرة وتسليم مقاليد الحكم إلى الرئيس المنتخب رينيه معوّض

وأمام هذه الخلافات المعقدة التي تحكمها أجندات سياسية، لاسيما من قبل الرئيس عون الذي يرفض الإفراج عن الحكومة الجديدة دون حصة وازنة لتياره السياسي (التيار الوطني الحر)، بات الطرفان يبحثان عن مخارج قانونية لإدارة الفراغ الرئاسي المحتمل بعيدا عن التوافقات.

وتشير مصادر سياسية إلى بدء الحديث عن رئيس ماروني لحكومة انتقالية تملأ الفراغ الرئاسي حال حصوله، على غرار الحكومة العسكرية الانتقالية التي شكلها ميشال عون عام 1989 بتكليف من رئيس الجمهورية الأسبق أمين الجميل.

وكان الرئيس الأسبق الجميل قد كلّف في آخر يوم قبل انتهاء عهدته الرئاسية قائد الجيش آنذاك ميشال عون بتكوين حكومة عسكرية انتقالية تتولى مسؤوليات رئيس الجمهورية، بعدما عجز المجلس النيابي عن انتخاب خليفة له.

ولا يستبعد محللون لجوء الرئيس عون إلى استنساخ هذا السيناريو في مواجهة الضغوط والتحذيرات الداخلية والخارجية.

ويعتبر سيناريو حكومة انتقالية يعين رئيسها عون قبل مغادرته سيناريو أوليا يبحث له الرئيس اللبناني عن حاضنة مارونية. ويقول مراقبون إن عون إذا تعذر عليه تمرير هذا السيناريو، فإن رفضه مغادرة القصر بعد انتهاء مهامه سيناريو بديل وجاهز ما لم تكن هناك ضغوط دولية لتلافيه.

وقال مصدر سياسي لبناني رفض الكشف عن اسمه “كل الأمور مكشوفة، فثمة من هو مستعجل على رحيل الرئيس عون، وثمة من هو غير مصدّق، بل غير قابل أنّ ولاية الرئيس عون ستنتهي وسيغادر قصر بعبدا. وتبعا لذلك، ما نسمعه من مطولات ومطالعات واجتهادات لن يغيّر في واقع الحال شيئا. فالانفعالات التي نراها لا تنفع، فضلا عن أنّ كل تلك الاجتهادات والانفعالات والمطالعات أيضا، تسقط كلها أمام النص الدستوري الذي يرعى حالات الفراغ الرئاسي إن حصل لأي سبب كان”.

سيناريو حكومة انتقالية يعين رئيسها عون قبل مغادرته يعتبر سيناريو أوليا يبحث له الرئيس اللبناني عن حاضنة مارونية

وقال الرئيس اللبناني الخميس إن حكومة تصريف الأعمال اللبنانية لن تكون قادرة على ممارسة مسؤولياتها على نحو كامل، في حال تعذر انتخاب رئيس جديد للجمهورية ضمن المواعيد الدستورية لأي سبب كان.

ووفقا لبيان من الرئاسة اللبنانية، أكد عون أن الفراغ الرئاسي لا يمكن تغطيته بسلطة تنفيذية غير مكتملة الصلاحيات وغير حائزة على ثقة مجلس النواب.

ومع اقتراب بدء سريان مهلة الستين يوما لانتخاب رئيس الجمهورية خلالها، بدءا من الأول من سبتمبر وحتى الحادي والثلاثين من أكتوبر، تتجّه الأنظار إلى ما سيقرره رئيس مجلس النواب نبيه بري، في ما خصّ الدعوة إلى انتخاب رئيس الجمهورية.

وسبق لبري أن أعلن أنّه لن يدعو إلى جلسة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، إلّا بعد إقرار قوانين الإصلاح التي يطلبها صندوق النقد الدولي.

ويتساءل مراقبون عما إذا كان بري سيتمسك بتصريحاته السابقة بشأن عدم الدعوة إلى انتخابات رئيس جديد قبل المصادقة على الإصلاحات الاقتصادية أم أنه سيتراجع عن ذلك بضغط من حزب الله، الذي لا مصلحة له في دخول لبنان في مرحلة عدم شرعية دستورية، وما يمكن أن يترتب على ذلك من المزيد من تأزيم الأوضاع المأزومة أصلا.

ويرجح هؤلاء تراجع بري عن موقفه لصالح الدعوة إلى انتخاب رئيس جمهورية جديد لسببين: أولهما تبرئة نفسه من اتهامات التعطيل وعدم التقيد بالإجراءات الدستورية، وثانيهما رغبته الشخصية في رحيل عون الذي لم تزكّه حركته (حركة أمل الشيعية) في 2018 وفضلت صعود رئيس تيار المردة سليمان فرنجية بدله إلى قصر بعبدا.

ودخل بري في وقت سابق في خلافات متعددة ومعقدة مع ميشال عون وتياره السياسي.