عون يراهن على تنازل ميقاتي والأخير لن يمدِّد له عهده

سابين عويس – النهار

لا يكفي ان تسوِّق اوساط بعبدا ان رئيس الجمهورية #ميشال عون لن يبقى دقيقة واحدة في القصر الجمهوري بعد انتهاء ولايته ليل الحادي والثلاثين من تشرين الاول المقبل، وأن فريقه والعائلة قد بدأوا التحضيرات اللوجستية لانتقاله الى مقر إقامة جديد يجري إعداده لهذه الغاية، اذ يأتي هذا التسويق كأنه ردّ على ما يتردد اخيراً وبقوة في اوساط الرئيس وتياره السياسي تحديداً بأن الرجل لن يغادر القصر على خلفية انه لا يسلّم البلاد للفراغ أو لحكومة مستقيلة لا تتمتع بصلاحياتها الكاملة.




وما يجعل هذه الرواية اقرب الى الحقيقة ان السلوك السياسي لفريق العهد يؤكد هذا التوجه، حيث بدأت حملة التحضير لمصادرة قصر الرئاسة تبرز على اكثر من خط وفي شكل متواز، اولها التمسك بعدم تسليم صلاحيات الرئاسة لحكومة تصريف الاعمال. وعلى هذا الخط، بدأ الكلام عن اجتهادات دستورية يعدّها فريق العهد من اجل اضفاء الشرعية على بقاء عون في بعبدا. وقد ترافق ذلك مع تهديد رئيس الحكومة المكلف بسحب التكليف منه تمهيداً لاعادة اجراء استشارات نيابية لتسمية رئيس جديد يُكلف تأليف الحكومة. لم يأخذ فريق العهد في الاعتبار اي رأي للموقع السني الذي يتعرض لاستهداف مباشر من خلال استهداف الشخصية السنية التي تتربع على رأس السلطة التنفيذية.

على خطٍ آخر، يعمل الفريق الرئاسي على وضع العصي في دواليب تشكيل الحكومة من باب فرض شروط عالية السقف على الرئيس المكلف من اجل دفعه نحو تقديم تنازلات، خصوصاً ان ميقاتي عمد الى التراجع خطوات امام عون في التشكيلة الحكومية التي كان قدّمها، عندما وافق على عدم شمول التعديل الوزاري حقيبة الطاقة وإبقائها في يد الوزير المحسوب على “التيار الوطني الحر” وليد فياض. والتنازلات المطلوبة من ميقاتي باتت اكبر وتحمل في طياتها حسابات سياسية تتجاوز البُعد الحكومي، من اشتراط توسيع الحكومة الى ثلاثين وزيراً مروراً بالمطالبة بوزارة الداخلية. قد تكون هذه الشروط تعجيزية للحؤول دون قيام حكومة، ولكنها في المقابل، اذا تحققت، ستتيح لرئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل الامساك بالحكومة في مرحلة الفراغ الرئاسي، والتحكم بقراراتها.

لا يسقط خيار آخر يجري العمل عليه ويستعيد تجربة الرئيس أمين الجميل، وذلك من خلال لجوء عون الى تكليف رئيس حكومة انتقالية ادارة صلاحيات الرئاسة.

والواقع ان كل السيناريوات التي يجري العمل عليها تناقض في شكل نافر تطبيق الدستور الذي نظم الحل الطبيعي والدستوري للواقع القائم، وذلك من خلال تشكيل حكومة جديدة. اذ مع التزام نص الدستور بتشكيل الحكومة، تنتفي كل السيناريوات المطروحة، ما يؤكد ان رئيس الجمهورية ليس في وارد سلوك الطريق السهل للحل، بل على العكس الطريق الوعر والخطير الذي سينتهي حكماً بالسقوط المدوّي للدولة والدستور والمؤسسات تمهيداً لإحلال الفراغ والفوضى.

والمفارقة التي تستوجب الوقوف عندها هي ان الوصول الى الفراغ والتحلل يمر عبر طريقَي بعبدا والسرايا، في استهداف واضح للطائفتين المارونية والسنية، فيما الموقع الشيعي الاول محصن بشرعية استقاها من انتخابات نيابية تحظى بالشرعية ولو في الحد الأدنى من النزاهة والشفافية.

لن يكون المجلس ورئيسه تحديداً بعيدين عن الاستحقاق الحكومي، قبل الولوج في المهلة الدستورية لانتخاب رئيس للجمهورية بعد نحو أسبوع من اليوم. فالمجلس الذي سمّى ميقاتي لتأليف الحكومة لن يسير حتماً ببدعة سحب التكليف رغم كل الاجتهادات التي يجري التسويق لها. وفي الوسط النيابي اقتناع بأن هذا التسويق لا يهدف الى سحب التكليف فعلاً، بل الى الضغط على ميقاتي لتقديم التنازلات المطلوبة. لكن اجواء لقاء بعبدا امس لا تشي بحصول اي تقدم في المشاورات. فميقاتي الذي وافق على طلب عون ان يسمي الاخير الوزيرين اللذين سيتم استبدالهما باعتبارهما من حصته، رفض طلب توسيع الحكومة الى ثلاثين، ما يبقي الامور في مربعها الاول.

لميقاتي ما يبرر رفضه. فزيادة ستة وزراء دولة الى الحكومة تعني عملياً توجيه رسالة واضحة بأن لا انتخابات رئاسية بعد شهرين، وان الحكومة سيكون عمرها طويلا، وإلا ما الذي يبرر طلب الرئيس توسيعاً كهذا، وهو يدرك ان هذه الحكومة ستصبح في حكم المستقيلة بعد انتخاب رئيس جديد؟ واذا كان تغيير وزيرين في الحكومة استغرق كل هذا الوقت، فكيف ستكون الحال مع اقتراح ستة وزراء جدد؟

هل الشروط التعجيزية لعون لتعطيل تشكيل الحكومة؟ لا، ولكنها في الواقع خطوة احترازية تتيح للرئيس وفريقه السياسي ادخال وزراء صقور يسعى الى توزيرهم لتأمين غالبية في مجلس الوزراء لملء الفراغ الرئاسي الذي باتت احتمالات حصوله اكبر بكثير من حظوظ انتخاب رئيس جديد، تماماً كما كشف الامين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصرالله عندما دعا الى قيام حكومة كاملة المواصفات.

يغفل العهد في أيامه الاخيرة ان أوراق القوة ليست في يده، لا سيما ان ليس لدى ميقاتي ما يبرر ان يعطيه حكومة تمدد له عهده الذي يعدّ اللبنانيون في غالبيتهم أيامه وينتظرون نهايته بفارغ الصبر!