خلافات بين إيران والصدر تعمق التوتر بين شيعة العراق

يعيش العراق على وقع محاولات مستمرة من إيران لتعزيز نفوذها من خلال التدخل في الصراع بين القوى السياسية داخل المكون الشيعي، لكن يبدو أن التيار الصدري يسعى لمواجهة هذه التدخلات بذريعة استقلال القرار الوطني العراقي، ما يشير إلى خلافات حادة بين هذا التيار والسلطات الإيرانية ستكون لها انعكاسات على الشيعة.

والتقى رجلان من ذوي النفوذ في الثامن من فبراير أحدهما رجل دين والآخر قائد عسكري وكلاهما من أبناء الشيعة لمناقشة مستقبل السياسة العراقية ودور إيران المهيمن فيها. ولم تسر الأمور على ما يرام.




وزار قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني حينها رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر في داره. والصدر رجل نافذ قاتل القوات الأميركية خلال سنوات احتلالها للعراق وله الملايين من المؤيدين المخلصين في أنحاء البلاد ذات الأغلبية الشيعية، بعضهم عناصر بفصائل مسلحة.

ويمثل قاآني قائد فيلق القدس، جناح الحرس الثوري الإيراني المسؤول عن العمليات العسكرية والاستخباراتية خارج الحدود والذي يستخدمه نظام الحكم الشيعي في طهران لبسط هيمنته في الخارج، وهو المكلف من قبل طهران بالحفاظ على نفوذها في العراق.

الهوية العراقية

 

الصدر يرفض التدخل الإيراني في شؤون العراق
الصدر يتوعد كل من يتدخل في الشأن العراقي

 

وبحسب أربعة مسؤولين عراقيين وإيرانيين مطلعين على تفاصيل المقابلة التي استغرقت نصف ساعة بمدينة النجف، استقبل الصدر القائد الإيراني بجفاء واضح. وكان يضع على كتفيه كوفية الجنوب العراقي بلونيها الأبيض والأسود وعباءة بنيّة، في هيئة محلية متعمّدة تتناقض مع الثياب السوداء بالكامل والعمامة الشيعية التي يعتمرها عادة في المناسبات العامة.

وقال المسؤولون إن ملبس الصدر ينقل رسالة سياسية قومية خلاصتها أن العراق، كدولة عربية ذات سيادة، سيشق طريقه بنفسه، دون تدخلات من جارته الفارسية، على الرغم من الروابط الطائفية بين البلدين.

وتحدى الصدر القائد الإيراني بحسب أحد المسؤولين، وقال “ما علاقة السياسة العراقية بكم؟ (…) لا نريدكم أن تتدخلوا”.

وذكر المسؤولون أن الصدر كان يغمره شعور بالثقة بعد سلسلة من المكاسب السياسية حققها تحالفه الناشئ “إنقاذ وطن” أمام إيران وأنصارها العراقيين من الشيعة مثله لكنهم يرون طهران أفضل حليف للحفاظ على السلطة وكبح نفوذ متجاوز سواء من الغرب أو من دول عربية سنية.

ورغم مساعي الصدر للبقاء في موقع يتجاوز معترك السياسات التحزّبية، ورغم إحجامه عن السعي لاقتناص منصب لنفسه، ظل قوة حاسمة في العراق طوال العقدين الماضيين منذ الغزو الأميركي والإطاحة بنظام الراحل صدام حسين.

حَميّة الصدر تثير قلق الكثيرين ممن يخشون أن يؤجج التوتر الحالي مزيدا من القلاقل وربما مزيدا من العنف داخل العراق وفي أنحاء الشرق الأوسط

وتمكن الصدر، بالإضافة إلى ما حققه من سطوة في صندوق الاقتراع عبر جحافل من الناخبين الصدريين، من إدخال مساعديه في وزارات مهمة ووظائف حكومية عليا أخرى، بما يضمن له إحكام قبضته على جانب كبير من مفاصل الدولة العراقية.

وانضم أنصار الصدر في عام 2019 إلى احتجاجات مناهضة للفساد أطاحت بحكومة قادتها أحزاب متحالفة مع إيران. وفي أكتوبر الماضي تفوق مؤيدوه على تلك الأحزاب في الانتخابات البرلمانية، مما فتح الباب أمام تشكيل حكومة يمكن أن تُخرج العراق بالكامل من فلك إيران.

وجاءت زيارة قاآني وفق هذه المعطيات، حيث كان القائد الإيراني متوجسا، حسبما ذكر المطلعون على تفاصيل الزيارة.

وظل يسعى للاجتماع لأشهر، ودأب على زيارة العراق، وفي مرة صلى علانية عند قبر والد الصدر. ونقل المسؤولون الإيرانيون عن قاآني قوله إنه إذا ضم الصدر حلفاء طهران إلى أي ائتلاف، فستعتبر إيران الصدر الشخصية السياسية الشيعية الرئيسية بالعراق، وهي إيماءة ليست بالهينة بين القيادة الشيعية المنقسمة.

وظل الصدر ثابتا، وشدد في تغريدة عقب الاجتماع على التزامه بحكومة خالية من التدخل الأجنبي. وقال في الرسالة الخطية التي نُقلت على تويتر “لا شرقية ولا غربية.. حكومة أغلبية وطنية”.

ويرى مراقبون أن هذا الصدّ كان أكبر بكثير من كون الأمر مجرد اجتماع فاشل.

ولم يشكل الصدر وحلفاؤه ولا الأحزاب المتحالفة مع إيران في الأشهر التي تلت ذلك ائتلافا لخلافة الإدارة المؤقتة بقيادة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وهو مرشح توافقي يدير الحكومة إلى أن يقر البرلمان إدارة جديدة تحل محله حكومته.

وأدى التوتر المتأجج بين الفصائل المتحالفة مع إيران والفصيل المسلح التابع للصدر إلى عمليات قتل مستهدفة لخمسة على الأقل بين هذين المعسكرين على مدى أسبوعين في فبراير. وما كان من جهود الصدر للتصدي لمناورات إيران ودحرها إلا أن دفعتها ووكلاءها إلى شن هجوم مضاد سياسيا وعسكريا، بما في ذلك توجيه ضربات صاروخية إلى حلفاء محتملين كان الصدر يتودد إليهم هم الأكراد في شمال العراق والمسؤولون في دولة الإمارات.

 

قائد فيلق القدس يطمح إلى بسط نفوذه في العراق
قائد فيلق القدس يطمح إلى بسط نفوذه في العراق

 

وبلغت خيبة الأمل من الصدر مبلغها بسبب جمود الوضع والضغط الإيراني حتى أنه أمر في يونيو نواب تياره في البرلمان البالغ عددهم 73 نائبا، أي ما يقرب من ربع أعضاء البرلمان، بالانسحاب من المجلس.

وفي يوليو وأغسطس قاد الآلاف من أنصاره في اعتصام طويل بالمجلس.

وقال في بيان عام “إن أول خطوات التوبة هي محاسبة فاسديهم علنا وبلا تردد. لذا فإني ومن هنا، كما طالب السيد الوالد (…) بتوبة بعض شرائح المجتمع آنذاك كالسدنة وموظفي الدولة والغجر وغيرهم، فإنني أدعو الكتل السياسية، وبالأخصّ الشيعية منها، إلى التوبة إلى الله تعالى، ومحاسبة فاسديهم تحت طائلة قضاء نزيه غير مسيّس أو مفصّل على مقاس الفساد والفاسدين”.

وتثير حَميّة الصدر قلق الكثيرين ممن يخشون أن يؤجج التوتر الحالي مزيدا من القلاقل وربما مزيدا من العنف داخل العراق وفي أنحاء الشرق الأوسط.

وقالت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين هينيس بلاسخارت “إذا كنا نريد الاستقرار في الشرق الأوسط، فلن يتحقق هذا طالما تعتمل الاضطرابات العامة والمنافسات على السلطة في العراق، الذي سيصبح بعد ذلك ساحة للمنافسات الإقليمية”.

وتخيف احتمالية تجدد إراقة الدماء الكثيرين داخل العراق، فالغزو الأميركي بداية هذا القرن والحرب الطويلة مع إيران في القرن الماضي لا يزالان عالقين في الأذهان.
وقال قائد في أحد الفصائل المتحالفة مع إيران في جنوب العراق حيث تصاعد القتال بين الفصائل المتناحرة وأسقط قتلى في توقيت غير بعيد عن اجتماع فبراير، إن “الصدر يمكن أن يقودنا إلى حرب شيعية – شيعية”.

ولفهم أفضل لحالة عدم الاستقرار التي تجتاح العراق، تم التحدث إلى أكثر من 40 من المسؤولين العراقيين والإيرانيين والسياسيين والدبلوماسيين الأجانب والسكان المحليين. وتحدث بعض المسؤولين، بمن فيهم من وصفوا الاجتماع بين الصدر وقاآني، شريطة عدم الكشف عن هويتهم. كما تم كذلك مراجعة العشرات من الوثائق الحكومية التي تتناول بالتفصيل قرارات قضائية والإنفاق الحكومي وتحقيقات الفساد، وتحركت في أنحاء الجنوب الفقير حيث يسكن معظم المواطنين الشيعة وحيث يقول السكان إن الأزمة فيه تفاقم من المشكلات المتجذرة مع الكسب غير المشروع والإهمال المؤسسي.

 

الصدر.. أبرز لاعب سياسي في العراق
الصدر.. أبرز لاعب سياسي في العراق

 

وقال وليد الدهامات، وهو مدرس في بلدة العمارة الجنوبية الفقيرة وشقيق ناشط محلي قتله مسلحون مجهولون في 2019 “تدور معركة سياسية في بغداد، ونحن عالقون وسطها”.

وأدى التناحر بين الشيعة والتوتر المحيط بالدور الذي ينبغي أن تلعبه إيران في بلد تعداد سكانه 40 مليون نسمة إلى أطول فترة دون حكومة مستقرة بالعراق منذ الإطاحة بصدام حسين، كما أصاب مؤسسات الدولة بالشلل وأشعل من جديد نزاعات على النفط الذي يشكل أكثر من 40 في المئة من اقتصاد البلاد و85 في المئة من موازنة الدولة.

ويقول سكان ومراقبون أجانب إن الخلافات حول ثروات البلاد لها الأولوية غالبا على الحوكمة الفعلية. وقالت بلاسخارت إن “القادة يركزون على السيطرة على الموارد والسلطة والمصالح المكتسبة لا على متطلبات الشعب العراقي”.

وتحدق الكثير من المخاطر بإيران، فهي تعتمد على العراق كمنطقة عازلة وبوابة تجارية إلى العالم العربي. فهي تعاني من وطأة عقوبات دولية وضغوطا لإحياء الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة في وقت يشهد إعادة ترتيب للتحالفات في الشرق الأوسط.

ويرى مراقبون أنه بخروج العراق من دائرة نفوذ إيران، فإنها قد تفقد المزيد في منطقة أقامت فيها بعض الدول الإسلامية المجاورة بما فيها الإمارات في السنوات الأخيرة علاقات أوثق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، خصميها التقليديين.

وقد يكون الصدر بالنسبة إلى الغرب أكبر أمل لانتزاع العراق من براثن الهيمنة الإيرانية.

وقال آندرو بيك المتخصص السابق في شؤون العراق بوزارة الخارجية الأميركية والزميل في المجلس الأطلسي وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، إن “مصالح الولايات المتحدة وتحالف الصدر تداخلت”. وأضاف أن الشقاق بين الصدر وطهران هو “أكبر تهديد للنفوذ الإيراني في العراق، اللحظة التي ربما تحمل تحديا فعليا”.

ملك العراق

العراق ينتفض

وسطع نجم الصدر (48 عاما) لأول مرة باعتباره ابن محمد صادق الصدر، الشخصية التاريخية في العراق التي ساعدت في قيادة المقاومة الشيعية ضد صدام حسين. وقُتل الأب واثنان من أبنائه بالرصاص في كمين عام 1999 يُعتقد على نطاق واسع أن حكومة صدام حسين دبرته.

وورث مقتدى الصدر، الذي كان هو نفسه رجل دين شابا بارزا في ذاك الوقت، ولاء العديد من أتباع والده.

وعمل الشيعة في العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003 على الخروج من هيمنة السُنة خلال سنوات حكم صدام حسين. وارتبط الصدر بعلاقات طيبة مع إيران.

ويقول مستشارون ودبلوماسيون سابقون إنه نجح بمساعدة طهران في تقديم نفسه كزعيم شعبوي يقاتل لطرد المعتدين الغربيين. ورأى فيه الآلاف من المسلحين الذين لا يزال كثير منهم يشكلون الفصيل المسلح التابع للصدر المعروف باسم “سرايا السلام” زعيما لهم.

مقتدى الصدر كان يغمره شعور بالثقة بعد سلسلة من المكاسب السياسية حققها تحالفه الناشئ أمام إيران وأنصارها

وتولى الشيعة زمام السلطة في بغداد اعتبارا من عام 2005، وفازوا بالأغلبية في أول انتخابات برلمانية تحت الاحتلال الأميركي. وبينما عززت الأحزاب الشيعية قبضتها في الانتخابات التالية اعتبر كثير من العراقيين على نحو متزايد أن حكوماتهم فاسدة ولا تركز إلا على السيطرة على الثروة النفطية والمحسوبية التي تتيحها.

وقال محمد ياسر الناشط الشيعي المخضرم في جنوب العراق “هذا النظام السياسي فشل (…) لم يقدموا شيئا”.

وقد نأى الصدر بنفسه تدريجيا عن طهران لأن معظم تلك الحكومات كانت متحالفة معها.

وشجع الصدر أنصاره على تنظيم احتجاجات حاشدة حرصا منه على تأكيد بُعد حركته عن الفساد، مما مهد للمظاهرات التي أطاحت بآخر ائتلاف شيعي في عام 2019. كما شرع في التودد لحكومات بالشرق الأوسط تختلف تاريخيا مع إيران حتى تلك التي يقودها السُنة.

وفاجأ الصدر في عام 2007 كثيرين في المنطقة باجتماعه مع مسؤولين كبار من الإمارات والسعودية، الدولتين السنتين المتحالفتين مع الولايات المتحدة. وبغية تجاوز الخلاف التاريخي بين الأنظمة السنية والشيعية، لعب الصدر على الروابط العرقية.

وقال لهم “نحن عرب أيضا”، وفقا لما ذكره مسؤول كبير في التيار الصدري مُطلع على الزيارات.

ووجه الصدر أول انتقاد علني لإيران في ذلك العام، واتهمها في بيان بتأجيج الصراع الطائفي في سوريا والعراق وفي أنحاء المنطقة.

كما كثف انتقاداته لمنافسيه المحليين بسبب النفوذ الشيعي، بمن فيهم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي وهو حليف وثيق لإيران.

وقال أحد المستشارين السابقين إن “مقتدى الصدر يريد أن يكون القائد الشيعي رقم واحد وملك العراق”.

 

الصدر يواكب الأحداث باهتمام شديد
الصدر يواكب الأحداث باهتمام شديد

 

وفي عام 2020 أدى حدثان إلى تغييرات في ملامح المشهد بالنسبة إلى الصدر، حيث كان الأول عندما قتلت الولايات المتحدة في هجوم بطائرة مسيرة قاسم سليماني القائد السابق لفيلق القدس الإيراني وأحد اللاعبين الرئيسيين في العراق. وكان سليماني مرتبطا بعلاقة قوية مع الصدر رغم انتقاداته لطهران. وبعد ذلك أقامت الإمارات علاقات دبلوماسية مع إسرائيل مما عزز تحولا في بعض الدول العربية صوب الغرب.

وصبت هذه التطورات في مصلحة الصدر.

وساعد الصدر تواصله مع الجيران الخليجيين بعد الانتخابات في التودد إلى سُنة العراق. وقال مسؤولون عراقيون مطلعون على العملية إن مبعوثين إماراتيين حثوا الأحزاب السنية على العمل نحو إبرام اتفاق مع الصدريين.

وقال يزن الجبوري وهو زعيم سني نافذ حضر اجتماعات مع الإماراتيين “بالنسبة إلى دول الخليج كان الصدر أفضل فرصة لمجابهة النفوذ الإيراني”.

كما تقرب الصدر من الأكراد، الأقلية العرقية التي تتمتع بالحكم الذاتي في شمال العراق. وبعد فترة وجيزة من الانتخابات، قال الصدريون والحزب الديمقراطي الكردستاني، وهو الحزب الحاكم في المنطقة، لوسائل إعلام محلية إنهما سيتعاونان في تشكيل حكومة جديدة. وبالنسبة إلى إيران كان التحالف بمثابة انتكاسة مزدوجة لاسيما أن الحزب الكردي الحاكم يرتبط أيضا بعلاقات ودية مع إسرائيل.

حلفاء الصدر

 

كل الأطياف تقف وراء الصدر
كل الأطياف تقف وراء الصدر

 

وبدا تحالف الصدر الذي يضم سُنة وأكرادا وصدريين متماسكا. وانتخب التحالف الذي أطلقوا عليه اسم “إنقاذ وطن” السياسي السني والحليف لدول الخليج محمد الحلبوسي رئيسا للبرلمان، متغلبين على معارضة الأحزاب الموالية لإيران في خطوة أولية نحو تشكيل حكومة جديدة. وسرعان ما بدا أنهم سيحصلون على أصوات كافية لتشكيل حكومة.

وبذلت طهران في بداية الأمر جهدها للتعامل مع الموقف، لاسيما في غياب سليماني، القائد الإيراني الذي قتله الولايات المتحدة ويعود نفوذه في العراق إلى الأيام الأولى لمقاومة الاحتلال الأميركي.

وقال مسؤولان إيرانيان مطلعان على المناقشات التي جرت في وقت سابق من هذا العام إن طهران طلبت من قاآني خليفة سليماني الحفاظ على وحدة الفصائل الموالية لها والسعي لعقد الجلسة الحاسمة مع الصدر.

وقد توقعوا الكثير من المصاعب والعقبات في الأيام القادمة، وقرر بعض حلفاء إيران قبل أن يجتمع الصدر وقاآني التعبير عن استيائهم من أي تحرك يتم بعيدا عن طهران.

وشن فصيل شيعي غير معروف مقره جنوب العراق في الثاني من فبراير ضربات بطائرات مسيرة على العاصمة الإماراتية أبوظبي. وقال الفصيل الذي يحمل اسم “ألوية الوعد الحق” إن الضربات جاءت ردا على تدخل الإمارات في العراق واليمن الذي يشهد حربا أهلية مشتعلة بين قوى إقليمية نافذة في مقدمتها السعودية وإيران.

إيران تلقت دَفعة من القضاء العراقي الذي يسيطر عليه قضاة معينون من قبل أحزاب موالية لطهران

وقالت الإمارات حينئذ إنها اعترضت الضربات، لكن “الهجوم أحدث فزعا”، بحسب مسؤول حكومي عراقي ودبلوماسي غربي واثنين من قادة السنة العراقيين الذين عملوا مع مبعوثي الإمارات في محادثات الائتلاف. وأرسلت الإمارات مسؤولين إلى طهران وبغداد لتهدئة التوتر.

وأشار الجبوري، الزعيم السني الذي شارك في جهود تشكيل حكومة، إلى أن التزام الإماراتيين تذبذب تجاه الصدر. واجتمع الصدر وقاآني في الأسبوع التالي.

وقال عدد من مستشاريه بعد ثلاثة أيام من المقابلة التي شابها التوتر، إن الصدر استدعى مساعديه إلى منزله.

وأضافوا أنه كان محبطا بشكل واضح بسبب تصاعد التوتر، بل إنه عاد إلى التدخين، وهي عادة قديمة كان قد أقلع عنها ولم يمارسها قط في الأماكن العامة.

وقال أحد المستشارين، الذي تطابقت روايته حول الاجتماع مع روايتي اثنين آخرين من كبار التيار الصدري على دراية بالاجتماع “لقد أخبر مقتدى الصدر الحضور بالتالي: خصومنا الآن ليسوا فقط من يعارض حكومة أغلبية وطنية، بل خصمنا أيضا الآن الدولة الجارة، لذلك توقعوا الكثير من المصاعب والعقبات في الأيام القادمة وعلينا جميعا أن نتوكل على الله لمواجهة الضغوطات الهائلة المسلطة علينا الآن وفي الأيام القادمة”.

وتلقت إيران دَفعة من القضاء العراقي الذي يسيطر عليه إلى حد كبير قضاة معينون من قبل أحزاب موالية لطهران.

وأصدرت المحكمة العليا العراقية قبل أيام من موعد تصويت البرلمان على رئيس جديد للبلاد مرسوما يقضي بضرورة الحصول على أغلبية الثلثين لكي ينعقد المجلس. وعرقل هذا الحكم التصويت الذي خطط له تحالف “إنقاذ وطن” الذي لم تعد أغلبيته البسيطة كافية حتى لعقد اجتماع للمجلس. وفي أعقاب ذلك أصدرت المحكمة سلسلة من الأحكام الأخرى.

وسدّ أحدها الطريق أمام هوشيار زيباري، المرشح الذي يفضله التحالف للرئاسة، بسبب مزاعم فساد قديمة. وينفي زيباري، وهو سياسي كردي ووزير سابق للمالية والخارجية، ارتكاب أي مخالفات ولم تصدر بحقه أحكام بالإدانة في أي جريمة.

وأدى حكم آخر إلى إبطاء تحقيقات الكسب غير المشروع التي كان الصدريون يجرونها مع مسؤولين متحالفين مع إيران. ومنع حكم ثالث الحكومة الإقليمية في كردستان من التعامل مباشرة مع شركات النفط الأجنبية، في استهداف لمصدر دخل مهم لشريكها في التحالف.

وقال خبراء قانون ومصادر مطلعة على بواطن الأمور في السياسة العراقية إن الأحكام رغم أنها سليمة من الناحية القانونية إلا أنها صدرت في توقيت ذي أهمية إستراتيجية.

 

إيران تستغل ميليشياتها للضغط على حلفاء الصدر
إيران تستغل ميليشياتها للضغط على حلفاء الصدر

 

وقال سجاد جياد المدير المقيم في بغداد لمجموعة العمل الخاصة بالسياسة الشيعة في مؤسسة القرن، وهي مؤسسة فكرية أميركية “لم يكن ذلك من قبيل المصادفة.. ففي توقيت واحد يتزامن مأزق تشكيل الحكومة وتفوق الصدر، وصدور ما بين أربعة وستة أحكام”.

وقال مجلس القضاء الأعلى في العراق الذي يشرف على المحاكم في بيان إن الأحكام ليست ذات صبغة سياسية. وأشار إلى أن الصدريين استفادوا من أحكام أخرى أصدرتها المحكمة العليا، بما في ذلك المصادقة على نتائج انتخابات البرلمان ورئيسه الذي صوت عليه التحالف في يناير. وحينها ظهر غضب إيران بوضوح.

وأطلق الحرس الثوري 12 صاروخا على مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان في الثالث عشر مارس. وأفاد مسؤولون أكراد بوقوع أضرار مادية محدودة في أحد أحياء المدينة لكن دون إصابات.

وقال الحرس الثوري في بيان إنه أطلق الصواريخ لأن عمليات عسكرية إسرائيلية تنطلق من إقليم كردستان. ولم تقدم طهران أي دليل على ذلك.

ونفت الحكومة الكردية الاتهام وصورت الضربات على أنها انتقام إضافي نتيجة الانحياز لطرف شيعي. وقال مسؤول كردي كبير شارك في محادثات مع مبعوثين إيرانيين في وقت قريب من توقيت الضربات “أرادوا منا أن نتحالف مع الطائفة الشيعية بأسرها وليس مع جزء ضد آخر”.

الكثير من المخاطر تحدق بإيران إلا أنها تعتمد على العراق كمنطقة عازلة وبوابة تجارية إلى العالم العربي

وبدأت إيران وحلفاؤها في الضغط على شركاء الصدر السُنة أيضا.

وساعد المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبرز المنافسين الشيعة للصدر، في أبريل الماضي في إعادة اثنين من السُنة المؤثرين فرا من العراق بسبب تهم بالإرهاب، حسبما قال خمسة محامين وثلاثة مسؤولين حكوميين مطلعين على الأمر.

وأضافوا أن المالكي ساعد بنفسه في إقناع محكمة في بغداد بإسقاط التهم.

وشرعا بمجرد تبرئتها في التنديد بقيادة الحلبوسي رئيس البرلمان السني الذي انتخبه الصدريون وحلفاؤهم، وقالا إن هناك من هم أفضل منه بين الزعامات السُنية الأخرى.

ونفى المالكي في ظهور تلفزيوني مساعدة الرجلين، لكنه قال إنه سأل المحكمة عن التهم الموجهة إليهما وساعد أحدهما في الانتقال من المطار لمقابلة القاضي. ورأى نقاد أن تعليقاته يشوبها التناقض.

وشعر الحلبوسي بالانزعاج، بحسب مسؤول مقرب منه.

وسافر وسط انتقادات متزايدة من جانب سنة آخرين لقيادته إلى طهران حيث سعى لضمان استمرار علاقة عمل مع إيران حتى وإن فشل التحالف الذي انتخبه في تشكيل حكومة. وقال المسؤول إن “الحلبوسي كان يريد تطمينات بأنه سيحصل على دعم من إيران إذا فشل الصدر”.

وقالت متحدثة باسم الحلبوسي إنه سافر إلى إيران في مهمة رسمية بناء على طلب من البرلمان الإيراني. وأحجمت عن تناول أمر الزيارة بمزيد من التفصيل.
وتوقف مسعى الصدر لتشكيل حكومة بحلول مايو الماضي. ولم يبرز أي تحالف آخر لتشكيل حكومة من طرفه.

وأمر الصدر في يونيو الماضي نوابه بالاستقالة مما ترك مساحة أكبر من الهيمنة في المجلس للمنافسين. وأصدر مكتبه بيانا أشار فيه إلى تأزم الموقف وأحكام المحكمة العليا والخلافات مع “بعض الدول” كأسباب للانسحاب، دون الخوض في تفاصيل.

وخاطب الصدر بعد أيام في شريط فيديو على الإنترنت نوابه السابقين وحثهم على رفض أي تحالف ما لم تحدث انفراجة وتتم تنحية الفاسدين.

 

الصدر حجر أمان الشارع العراقي
الصدر حجر أمان الشارع العراقي

 

ويبدي الصدريون استياءهم الشديد من عدم قدرتهم على تشكيل حكومة. ويدعو بعضهم إلى تجدد الاضطرابات. وفي الآونة الأخيرة قال أبومصطفى الحميداوي المسؤول العام لسرايا السلام التابعة للصدر لموقع إخباري عراقي إن أساليب الإصلاح ستكون مختلفة هذه المرة.

ويدعو الصدر الآن إلى إجراء انتخابات جديدة يعتقد البعض أنها لن تؤدي إلا إلى تأجيل تصفية الحسابات مع الخصوم السياسيين.

وتوجه صدريون في الآونة الأخيرة نحو البرلمان للانضمام إلى صفوف زملائهم المعتصمين فيه تعبيرا عن الاحتجاج على حالة الجمود القائمة مع الأحزاب الأخرى. وجاب المالكي، خصم الصدر القديم، المكان خارج منزله مع حرسه الشخصي ملوحا ببندقية. ونظمت جماعات متحالفة مع إيران مظاهرات هي أيضا، مما أثار مخاوف من اندلاع اشتباكات مسلحة.

وسئم السكان في جنوب العراق، حيث يتصاعد التوتر بصورة أشد، مما يرونه فسادا مستمرا وتداعيا للبنية التحتية. وعلى الرغم من تحقيق الحكومة العراقية دخلا قياسيا بلغ 60 مليار دولار من عائدات النفط في النصف الأول من عام 2022، يعيش السكان هناك بلا ماء أو كهرباء في معظم الأحوال.

وعبر وليد الدهامات المعلّم ببلدة العمارة عن إحباطه مما وصفه بتقاعس الحكومة بعد مقتل أخيه بسبب انتقاده للفساد وعدم تلبية الاحتياجات في الجنوب الفقير. ولم يتم القبض على قاتليه.

ويقول الدهامات إن السلطات لا تجري أعمال الصيانة الأساسية في مدرسته الابتدائية. وأضاف هو وزملاء له في حديثهم لرويترز أنهم دفعوا مؤخرا ثمن مضخة وحوض حتى يصبح مرحاض المدرسة صالحا للاستخدام.

وقال “لم يفعل أي مسؤول في السلطة شيئا من أجلنا على الإطلاق”.