سمير عطا الله

العشق يُلهم شيوخ “النهار” – سمير عطالله – النهار

قراءة #شوقي أبي شقرا مثل النهر السارح نزولاً، والكتابة عنه مثل النهر العاصي طلوعاً. عندما أقرأه لا أحسب حساباً لشيء، لا لقافية ولا لوزن ولا لبداية أو فقرة أو فاصلة. دفق من الألق والعذوبة والصفاء، ومفردة طفولية نقيّة ومنذورة للجمال والموسيقى. لا أعرف ماذا يسمّى هذا النسق في الشعر أو في النثر أو في أيّ جنس أدبي آخر. وربّما، الأجدى ألا تعرف، فهذا سرّ مسحور ومزيج من خلائط الطبيعة والألوان والحبّ ورقّة النفس. لذلك يُنصح قرّاؤه بالوقوف عندالعتبة، أو بلغة شوقي أبي شقرا، بالوقوف فوق مصطبة، أو على حافة البركة، أو في ظلّ القمر، وهناك يقرأ حتى تقف المشاعر جميعها بالصفّ، خاشعة للشاعر مسيح المفردة الملائكية وقاموس أول الربيع وحامل مفاتيح النسائم.

كنت أتمنّى لو أستطيع الكتابة عن مؤلف شوقي الجديد “أنت والأنملة تداعبان خصورهنَّ” بأسلوب نقدي، لكنّني للأسف لا أعرف. هكذا أقرأه منذ ستة عقود، وهكذا أكتب عنه أيضاً. وليست لي أيّ خبرة في النقد أو حتى محاولة أو فضول. لكنّني أعتبر أن كل صدور للشاعر الناسك النحيل فصل جميل يُكتب عنه ويُنادى عليه في الأودية وفوق الهضاب. جمعتنا “النهار” سنوات طويلة. وكان بين هذا الجمع معلّمون أعطى كل منهم ما لديه من قواعد. شوقي كان الألف الممدودة والقلم الأحمر المُرَوّس. وكان سيّد التقليم ومهندس العبارة وضابط النقطة فوق الفاصلة.




ثمّة حدث في مستوى فصل هذه الأيام، صدور “أنملة” شوقي أبي شقرا و”نشيد الأنوثة” لجهاد الزين. وإن لم تكن أيّ مفاجأة في شجرة أبي شقرا، فإن جهاد الزين خرج على الناس، خارجاً من ثوبه السياسي الفكري المعهود، شاهراً وهو في أوائل العقد الثامن، رحيق الشباب وفتنة العشق. يُحاول إخفاء هذه الجنحة الأدبية بأن يصفها “بقصص قصيرة”. وهي ليست بقصص ولا حكايات وإنما أناشيد نثرية من الوَلَع والوله ورُعب الخريف وخوف الهزيمة أمام الانتفاضة.

لم يكن أحد منّا يعرف عن هذا الكاتب السياسي القادم من معادلة “الحَوْزة” و”الثورة” في جبل عامل، هذا الجانب الشعري فيه. فهو دائماً في دائرة الصحافة السياسية والعمل السياسي والمعارك على ضفاف النهر القومي. وقد طبع اسم العائلة مثل طابع البريد في المعاملات القانونية، لا معنى للنصّ من دون شروط الختم وبراءة الجذور.

تأكيداً لذلك إليك هذا المشهد التصويري. فمن عنوان عشقي الى آخر، فجأة يطلع من خلف الحمم الحسيّة “جبل عامل” في مقدّساته: “إنه حلمٌ من الطين السماوي”. ومثل جميع “المتقدّمين في السنّ” يشعر بضرورة الاعتذار عن هذه الخطيئة التي لا ينفع فيها غفران ولا رجاء. فهو “مجموعة أعمار قصيرة” وهو ليس سوى “مخطوطة” بين يدي امرأة ملوكية الأنوثة. “وغداً عندما يموت سوف يدفنون مخطوطة”، أي كتاباً. فما هي إلا حياة في الكتب.

لا يحاول جهاد الزين تبرير الانتقال من شقاء السياسة الى شقاوة الشعر، ولا حتى الاعتذار عن سقوط الوقار. كأنه نواسي مكتوم، كان ينتظر فرصة انقضاض الثعلب على العنب والدنيا قطاف. فجأة يراهق شيخ “القضايا” في “النهار” معلناً أن لا قضيّة إلّا هي، ولا حياة إلّا في الجسد.

في الماضي، ماضي لبنان، وماضي “النهار”، كانت دواوين العشق ودفاتر الحبّ تصدر من “النهار” يوم الجريدة شابّة والعاشقون ولداناً. يومها ملأ أنسي الحاج المدينة بعلامات الاستفهام بعد “الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع” و”ماذا فعلت بالوردة ماذا صنعت بالذهب”. طافت الإشاعة بالمدينة حول هويّة الرسولة. والبعض همس عن جدارية مقدّسة لا تجوز عليها الإشاعة. فهي من كوثر لا من طين.

في أيّ حال، كان شعراء “النهار” يكتبون. وقد حلّق جوزف صايغ فوق سنوات نثره وشعره، وهو يكتب كل أسبوع في الملحق “رسائل إلى آن كولين”. وكانت المدينة تعرف من كُتب العشق أن الاسم كنية لمعشوقة تفجّر النثر شعراً والخباء بوحاً.

كانت المدينة شابّة تغسل أقدامها الجميلة على الزنار المتوسّطي البديع. وكانت “النهار” أحد أسباب عشقها، والفرح اليومي على اختلاف الأماكن. وفيما كانت الجريدة وسيلة الحياة الوطنية ومرآتها، كان “الملحق” محرّض الهوى وأرض الاختلاف و”هايد بارك” الذين لم يُعترَف بهم بعد في صفّ الشهرة والاحتراف. وبين الذين كتبوا باسم مستعار وغلب حقيقي، كان هذا القلم، مشرّد البلدان منذ البداية ولاهث النهايات السعيدة بلا قطاف.

على نحو ما، كان “الملحق” جريدة أخرى لجماعة الفنون وقرّاء النصوص الأرفع من صغائر السياسة. وكان، في ضعفه وإمكانياته البسيطة، يثير غيرة وحسد ومخاوف مرضاء النفوس. وفي مرّة ظلّت المدينة شهوراً تلهج بإحدى تحف فؤاد كنعان “يا صبي يا أزعر يا لذيذ”. وقيل في المدينة يومها إن الصبي صحافية تقصّ شعرها “آلا غارسون” وذات صوت أبحّ وصدر تغنّي له المواويل.

يراهق، الآن، شيوخ “النهار” خارج “الملحق” وزهوه، وخارج الجريدة نفسها. وقد مدّهم الله بدار غناء، هي “دار نلسن” التي صدر عنها ديوان شوقي أبي شقرا ونشيد جهاد الزين.
تحيّة وتقدير الى سليمان بختي وداره وذوقه في النشر.