باسيل يتحرّك علناً وفرنجية بعيداً من الأضواء

سركيس نعوم – النهار

بعد “نقزة” “#حزب الله” من التأييد الداخلي الواسع والعربي – الإقليمي الأوسع لإيصال زعيم “تيار المردة” #سليمان فرنجية الى رئاسة الجمهورية، وكان ذلك في أثناء الفراغ الرئاسي الطويل الذي فرضه على البلاد من أجل إيصال شريكه في “اتفاق مار مخايل” ثمّ موقفه المتضامن معه في حرب تموز 2006 التي وقعت بعد أشهر، بعد ذلك كله أعاد أي “الحزب” النظر في “نقزته” من فرنجية، إذ أدرك الأخير في حينه أن “دعسة ناقصة” استُدرج إليها أقلقت “الحزب” فأعلن أمام الإعلام أنه لن ينزل ونوّابه رغم حجمهم غير الكبير الى مجلس النواب لحضور جلسة إنتخابه رئيساً لو تمّت الدعوة إليها وإن من أجل تأمين النصاب الدستوري لها. يومها أدرك “الحزب” أن فرنجية لا يتخلى عن “الخط السياسي” الذي انتهجه منذ بداية عمله السياسي وأنه “لا يبيع ولا يشتري” مثل غالبية ساسة لبنان كما الطامحون الى دخول جنتها، فأعلن أمينه العام السيد حسن نصرالله في ظهور تلفزيوني أن ميشال عون هو إحدى عينيه وأن سليمان فرنجية هو عينه الثانية. الإدراك المذكور هذا لثبات فرنجية على “خطه” تعمّق بل صار اقتناعاً راسخاً بعد الممارسة الرئاسية العونية والممارسة الحزبية العونية الملازمة لها خلال غالبية السنوات الست للولاية، إذ حفلت بـ”فولات” عدة من وليّ عهد شاغل قصر بعبدا النائب #جبران باسيل، سواء في ممارسته السياسية في الداخل أو مع الخارج. وقد غطاها كلها الرئيس مع “الحزب” الذي أبدى مرّات عدّة تسامحاً حيالها. وكان السبب في ذلك استمرار عون في تشكيل ضمان استراتيجي للخط السياسي الذي ينتهجه كما الخط الإقليمي رغم شكوك كثيرة في أن المصلحة كما العجز هما الدافع الى ذلك لا الاقتناع ولا الوفاء ولا الولاء. انطلاقاً من ذلك كله كما من انتشار قلق بيئة “الحزب” و”الثنائية الشيعية” من الرئيس والعهد بدأ التشدّد المدروس معهما وانكشفت أكثر أخطارهما. لكن قرار الدعم والمساندة لهما استمرّ. الذي تغيّر كان زيادة التحوّط الى حدّ كبير وضعف الثقة الكاملة التي كانت لـ”الحزب” بالاثنين. إلا أن ذلك لم يعنِ قطّ أنه سيتخلى عنهما إلا إذا ارتكبا ما يسمّى الجرم المشهود في لغة القانون. الدافع كان ولا يزال الحاجة الى حليف مسيحي ضعفت شعبيته أثناء ممارسته السياسية والرئاسية فأعاد تعزيزهما له في الانتخابات النيابية الأخيرة. كما أفاد من أخطاء حليفه فصارت له مرتكزات مهمة نيابية وشعبية داخل حزبه السياسي أي “التيار الوطني الحر”، الأمر الذي دفعه الى وقف ظاهري لألاعيبه السياسية في الداخل ومع الخارج المعاديين لـ”الحزب”. لكنه لم يُعِد الثقة الكبيرة لا التامة لغيابها في حزب يُدقّق بصراحة وصرامة في كل شيء. طبعاً صبّ ذلك في المصلحة الرئاسية لفرنجية، لكن ترجمة ذلك عملياً لم تحصل بعد ويُستبعد أن تحصل قريباً من جرّاء الشغور الرئاسي المحتمل جداً والتطورات السلبية في الداخل ومع الإقليم والإيجابية أو السلبية بين إيران الإسلامية والولايات المتحدة. إلا أن “الحزب” تابع دعوة المرشَّحيْن فرنجية وباسيل الى التفاهم في لقاءات مغلقة لمسؤولين عند كل منهما. إلا أن النتيجة لا تزال غير مشجّعة أو بالأحرى سلبية حتى الآن. فباسيل أوصل الى فرنجية أنه سيؤيّده ونواب تياره في الانتخابات الرئاسية إذا ضمِن له استمرار الوجود الكبير بل المهيمن داخل الإدارة اللبنانية على تنوّع مؤسساتها، الأمر الذي يجعله مهيمناً عليها وعلى الرئاسة الأولى. كان جواب فرنجية عاقلاً وذكيّاً إذ قال: “جبران باسيل يأخذ في “عهدي” حقه في الإدارة ومؤسساتها وليس أكثر من ذلك”.




طبعاً لم يرتح باسيل لذلك فبدأ تحرّكاً على جبهات عدّة. أولاها تحسين علاقاته العربية. فزار دولة قطر التي يحتاج لبنان الى مساعداتها المتنوّعة مثل المحروقات على تنوّعها، ومثل المال سواء بإيداع مبلغ مهم في مصرف لبنان أو بتقديمه للمؤسسات غير الرسمية المحتاجة في طول البلاد وعرضها. كما أثار معها علاقتها المقطوعة مع سوريا بشار الأسد. فشدّد على ضرورة استعادتها وإن تدريجاً وأبدى استعداداً للمساعدة في هذا المجال معتبراً أن من شأن ذلك إراحة هذه السوريا ودفع رئيسها الى دعمه في معركته الرئاسية القريبة والى إقناع حليفه “حزب الله” بمشاركته في ذلك، علماً بأن متابعين لبنانيين لسياسات الأسد في لبنان وخارجه يستبعدون تجاوبه مع رغبة الاسترئاس الباسيلية لزعلها من العهد وجماعته المسيحية إذ ابتعدوا عنها طوال الولاية الرئاسية، علماً أيضاً بأن قطر لن تمانع عودة علاقة سليمة مع دمشق لكن عندما تنضج ظروفها. وهي لن تقدّم موافقتها لباسيل المحتاج دائماً والعاجز دائماً عن تقديم شيء في المقابل. بل تقدّم ما يجب تقديمه لأميركا أو لتركيا أو لإيران، إذ إن مقاطعة سوريا هي قرار دولي – إقليمي – عربي. والعودة عنها تكون بقرار مماثل. الجبهة الثانية لتحرّك باسيل هي سوريا وقد اختصرت الأسطر السابقة موقفها من تحرّك كهذا. الجبهة الثالثة هي رفع أميركا عقوباتها عن باسيل. وقد وسّط الموفد الأميركي المكلّف حلّ مسألة ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل آموس هوكشتاين ذلك لكن جوابه كان سلبياً، وقد شرح ذلك “الموقف هذا النهار” سابقاً. لكن باسيل لم ييأس ولا ييأس. الجبهة الرابعة فرنسا إذ زار باسيل أخيراً باريس واستُقبِل في “قصر الإليزيه” ولكن ليس من رئيسها ماكرون بل من أحد كبار مساعديه. مجرّد الزيارة يعني أنه لا يزال في نظر فرنسا شخصية مؤثّرة لا بدّ من التعامل معها. تأكيداً لذلك لا بد من تذكير اللبنانيين بأن أحد أهم أسباب القطيعة بين ماكرون وسعد الحريري كانت رفض الثاني مرّتين طلب الأول الاجتماع مع باسيل في باريس أو في الإليزيه برعايته.

هذا التحرّك المتعدّد الجبهات قد لا يوصل باسيل الى قصر بعبدا. لكنه يبقيه حيّاً في الحياة السياسية رغم غضب أكثر من نصف المسيحيين عليه وغالبية الدروز والسنّة كلهم وشعور حليفه “حزب الله” بالقلق منه وبدئه التحسّب الفعلي لحصر أضراره الحالية ولمنع أية أضرار له مستقبلية.

انطلاقاً من ذلك يقول مريدون لفرنجية رئيساً سواء حبّاً به أو رفضاً لباسيل ولكل ما له علاقة بـ”العونية” إن فرنجية ارتكب خطأين حتى الآن. الأول فتح معركته الانتخابية الرئاسية باكراً والتصرّف كأنه رئيس. الثاني عدم قيامه بتحرّكات دولية وعربية وإقليمية غير عربية مثل باسيل، وهذه الإشارة مهمّة، لكن مؤيّدي فرنجية يقولون إنه مرشح للرئاسة من زمان ولذا لا يمكن تخبئة ترشيحه ويقولون أيضاً إنه يقوم بالتحرّكات اللازمة داخلاً وخارجاً ولكن من دون شوشرة وبهورة أي يقوم بما عليه ولكن بعيداً من الأضواء.