الطريق للحرب في أوكرانيا: فشل للمخابرات الروسية وسوء تقدير المزاج العام قادا لانهيار الخطط العسكرية

كشفت صحيفة “واشنطن بوست” عن خطأ في تقدير الاستخبارات الروسية عن الوضع في أوكرانيا قاد إلى الأخطاء الأولى التي ارتكبها الجيش في بداية غزوه لأوكرانيا.

وفي تقرير أعده كريك ميلر وكاثرين بيلتون قالا إن الخدمات الأمنية الروسية بدأت في الأيام الأخيرة قبل الغزو بإرسال رسائل مشفرة للعملاء والمخبرين في العاصمة الأوكرانية كييف: احزموا أمتعتكم وغادروا ولكن اتركوا خلفكم مفاتيح بيوتكم.




وجاء التوجيه من ضباط في وحدة متخصصة في خدمة الأمن الفدرالية الروسية (أف أس بي) واسمها “دائرة عمليات المعلومات”، أوكل لها مهمة مشؤومة: تأكدوا من قطع رأس الحكومة الأوكرانية ونصبوا حكومة موالية لروسيا بدلا عنها. وكانت الرسائل تعبيرا عن مستوى من الثقة لدرجة أن العملاء الروس انشغلوا في الأيام الأخيرة قبل الغزو في عملية تأمين البيوت والمحلات الآمنة تحضيرا لتدفق جنودهم. وكتب ضابط في أف أس بي لزميل آخر أرسل للإشراف على عملية الاحتلال “رحلة ناجحة”، ولا توجد أدلة عن نجاح متلقي الرسالة بالوصول إلى أوكرانيا بعد انهيار خطة المخابرات الروسية وتراجع الجيش الروسي في الأشهر الأولى للحرب.

وتقول الصحيفة إنها راجعت كمية من المراسلات والوثائق التي حصلت عليها المخابرات الأوكرانية وغيرها من المخابرات الغربية، تكشف عن التحضيرات، وتعطي صورة عن نشاطات أف أس بي- مؤسسة الاستخبارات الضخمة التي تتحمل المسؤولية الكبرى في فشل خطة الحرب الروسية والغطرسة التي دفعتها لهذا.

فقد قضت هذه المؤسسة المسؤولة عن المخابرات الداخلية والتجسس على دول الاتحاد السوفييتي السابق عقودا في مراقبة أوكرانيا ومحاولة تحييد مؤسساتها والدفع للمسؤولين ومنع أي إشارة عن تحول نحو للغرب. ولم يكن أي ملمح من عمل أف أس بي خارج روسيا، أهم من اختراق كل مستويات المجتمع الأوكراني. لكنها فشلت في شل الحكومة الأوكرانية، ونشر مظهر من مظاهر الولاء لروسيا أو إضعاف سيطرة الرئيس فولدومير زيلينسكي على الحكم.

ويقول المسؤولون الأوكرانيون والغربيون إن قادة الوكالة الاستخباراتية لم يفكروا بطريقة الرد الأوكراني على الغزو أو أنهم فهموا لكنهم لم يكونوا قادرين على إيصال التقييم الرصين إلى الرئيس فلاديمير بوتين. وطغى الفشل الذي واجه الجيش الروسي على فشل مؤسسات خدمات الاستخبارات الفدرالية (أف أس بي)، وكان الفشل هذا وبطرق أخرى غير مفهوم وترك تداعيات كبرى أثرت على كل قرار اتخذه الكرملين بشأن الحرب. وقال مسؤول أمريكي “كان الروس مخطئين بشكل كبير” و”خططوا لجهود حربية شاملة من أجل تحقيق أهداف خارجة عن قدرتهم”. وتعلق الصحيفة أن المخابرات الأوكرانية مهتمة من خلال تسريب الوثائق والاتصالات بتشويه المخابرات الروسية، إلا أن المعلومات تم التثبت منها ومقارنتها بتقييمات للمخابرات الغربية.

وتظهر الوثائق أن عملاء المخابرات الروسية تدفقوا في الأشهر التي سبقت الحرب بأعداد كبيرة وكانوا يعولون على دعم عملائهم في داخل مؤسسات الأمن الأوكرانية. ويقول المسؤولون إن البعض قام بعمل ما طلب منه وتخريب الدفاعات الأوكرانية، فيما رفض آخرون عمل ما طلب منهم وأخذوا الأموال التي حصلوا عليها. وهناك سجلات تضيف إلى لغز سوء تقدير الروس. فالاستطلاعات التي نظمتها المخابرات الروسية أظهرت أن قطاعا كبيرا من المجتمع الأوكراني مستعد لمواجهة أي توغل روسي وأن أي حديث عن استقبال الأوكرانيين للروس كمحررين لا أساس له من الصحة. ومع ذلك ظلت المخابرات تغذي الكرملين بالتقييم الوردي وأن الأوكرانيين سيرحبون بعودة الحكم الموالي لموسكو. وقال مسؤول غربي بارز “كان هناك تعلل بالأماني في داخل جي أر يو (وكالة الاستخبارات العسكرية) والجيش، لكن البداية كانت من أف أس بي”.

 وبناء على هذه الافتراضات الضخمة، دعت المخابرات الفدرالية الروسية إلى حرب سريعة يتم فيها عزل الحكومة الأوكرانية بمدى أيام وقتل أو أسر أو نفي زيلينسكي بشكل يفتح الباب أمام عملاء أف أس بي لملء الفراغ. وبدلا من ذلك انسحب الجواسيس الروس الذين وصلوا إلى ضواحي كييف إلى جانب الجيش الروسي، حسب قول المسؤولين الأوكرانيين. وبدلا من تشكيل حكومة في كييف، يواجه المسؤولون الأمنيون الروس أسئلة حول عملياتهم والأموال الضخمة التي أنفقت على العملاء الأوكرانيين وما حققته. ولم ترد المخابرات الروسية للتعليق.

وترى الصحيفة أن جهود أف أس بي ومحاولة المخابرات الأوكرانية بدعم من سي آي إيه وأم أي6 البريطانية والمخابرات الغربية لوقفها، هي جزء من حرب الظل التي شنت بشكل مواز مع العمل العسكري. وبدأت قبل الحرب في 24 شباط/فبراير والتي تشابكت فيها الخيوط بين المخابرات الروسية والأوكرانية وكلاهما ظهرا من “كي جي بي” السوفييتية. وبعد ستة أشهر لا يبدو أن أيا من الطرفين لديه اليد العليا في الحرب. وحققت المخابرات الأوكرانية في البداية انتصارات مثل نشر منظمة غير حكومية أسماء وصور وأرقام جوازات العملاء لروسيا وخطط أف أس بي في محاولة لعرقلة جهودها. وقال شخص مرتبط بالمنظمة واسمها “ميروتفيرتس” (صناع السلام) إنها حصلت على المعلومات من المخابرات الأوكرانية. وفي نفس الوقت كافحت المخابرات الأوكرانية (أس بي يو) للتخلص من العملاء الروس في صفوفها، وتم عزل الكثير من الضباط الكبار ووصفهم زيلينسكي بالخونة والذي اتخذ خطوة غير عادية في تموز/يوليو بعزل مدير أس بي يو، إيغور باكنوف، صديق الطفولة.

 ويعتقد أن بوتين لم يتخذ إجراءات مماثلة ضد المخابرات رغم سوء التقدير. ويقول ويليام بي تيلور جي أر، السفير الأمريكي السابق في أوكرانيا “لو وضعت مخابراتك أولوية كبرى على فهم أوكرانيا وقامت خطتك على هذا الفهم، فأين الخطأ؟” و”كيف افترضوا عدم قتال الأوكرانيين، وأن الرئيس فولدومير زيلينسكي سيقاومهم بشجاعة؟ ويجب أن يكون الانفصام بين أف أس بي والقمة”. وكان من بين الذين يحضرون أنفسهم للوصول إلى كييف في شباط/فبراير إيغور كوفالينكو، الذي وصفته المخابرات الأوكرانية بالمسؤول البارز والذي ظل على مدى سنوات المسؤول عن الساسة الأوكرانيين البارزين والمسؤولين الذين يتلقون دعما من الكرملين، بمن فيهم أعضاء في الحزب المعارض الذي يترأسه فيكتور ميدفيدتشاك، صديق بوتين.

 وفي مراسلات بين كوفالينكو ومسؤول أصغر منه، كان يريد شقة سكنية في حي راق في أوبولوم على ضفة نهر دنيبر في كييف. وتظهر الرسائل التي تم التنصت عليها أنه سأل عن رقم الشقة والشخص التابع للمخابرات الروسية الذي يسكنها. ورد المسؤول بإرسال العنوان وهواتف والرموز المستخدمة للتواصل مع المخبر الذي عمل في حكومة زيلينسكي. ورفض المسؤول تحديد هوية المخبر، لكنه اعترف أنه تلقى تعليمات بمغادرة كييف وترك مفاتيح بيته للتأكد من سلامته في المراحل الأولى للحرب. واعترف آخرون بتلقيهم نفس التعليمات و”عندما تعودون ستكون الأمور مختلفة”.

وتم وصف كوفالينكو، 47 عاما، بأنه رجل جاسوسية مخضرم كان مسؤولا عن إدارة العلاقات السرية في البرلمان والحزب الموالي لروسيا. ولم يرد على أسئلة الصحيفة للتعليق. وتعتقد السلطات الأوكرانية أن كوفالينكو ربما كان على بعد أميال من كييف في آذار/مارس عندما فشل الفريق داخل العاصمة في تنفيذ الخطة وبدأ الجيش الروسي بالانسحاب. وتعود جهود روسيا لتغيير نظام الحكم إلى الانتفاضة الشعبية في عام 2013 والتي أطاحت برجل موسكو فيكتور يانوكوفيتش والذي فر إلى روسيا مع مجموعة من مستشاريه يشك بتعاونهم مع عميل روسي اسمه سيرغي بيسيدا. وهو مسؤول عن الوحدة التاسعة في أف أس بي “وحدة عمليات المعلومات” بمهمة بقاء أوكرانيا في الفلك الروسي.

وفي عام 2019 بدأت أف أس بي بتوسيع الوحدة وزاد عدد العاملين فيها من 30 إلى 160 عميلا. وتم تحفيز العملاء بشقق في موسكو وعلاوات، ومن أرسل منهم إلى أوكرانيا كلفوا بمراقبة مناطق هناك وإعداد قوائم للعملاء. وفي البداية نظر إلى عملية حشد القوات العام الماضي بأنها محاولة لبوتين لتوسيع التأثير الروسي في أوكرانيا، لكن تبين أنها عملية سيطرة على أوكرانيا كما يقول مسؤول هناك. وفي 12 كانون الثاني/يناير وصل مدير المخابرات الأمريكية ويليام بيرنز مع عدد من المسؤولين الأمريكيين وبحوزته ملف حاول فيه إقناع المسؤولين الأوكرانيين أن الحرب قادمة. وبعد رحيل الوفد الأمريكي اجتمع المسؤولون الأمنيون مع زيلينسكي وأطلعوه على الملف الأمريكي، لكن معلوماتهم لم تظهر أن هناك عملية عسكرية واسعة. وشهدت الأسابيع التي سبقت الحرب تقارير استخباراتية مشوشة، ورسائل متناقضة من المسؤولين الأوروبيين.

وقبل أسابيع كشفت المخابرات البريطانية أن لديها معلومات عن خطط روسية لتنصيب حكومة موالية لها في كييف. وحددت عضو البرلمان يفين مراييف كمرشح محتمل، وهو ما نفاه مراييف بنفسه واعتبره “سخيفا ومثيرا للسخرية”. وفي نفس الوقت التقطت المخابرات الأوكرانية إشارات عن اتصالات بين أف أس بي والقوات الروسية المحمولة جوا، مما كشف عن عملية مشتركة. ولعبت القوات هذه دورا في السيطرة على مطار هوستوميل في نواحي كييف بالساعات الأولى من الغزو.

وبدت التقارير الأمنية من الجواسيس الأوكرانية متناقضة حول نوايا فلاديمير بوتين، وحتى الأوروبيين، حيث تلقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تأكيدات من بوتين أنه لن يغزو أوكرانيا، مما قاد المسؤولين الأوكرانيين للتوصل إلى أن الحشد هو حرب نفسية. وقال مسؤول استخبارات أوكراني “لم نتصور غزوا كلاسيكيا كما حدث في الحرب العالمية الثانية بدبابات ومدافع وجنود”. وربما لم تتوقع موسكو حربا طويلة “فقد توقعوا شخصا يفتح الباب وبدون مقاومة”. وقال مسؤول أمني أوكراني “عندما بدأوا في 24 شباط/فبراير كانت المهمة هي السيطرة على كييف” و”توقعوا أن تسقط البلاد مثل الدومينو” و”سيسيطرون على السلطة المركزية وبعدها سيركزون حضورهم في الأقاليم”. وكان الروس قد جهزوا حكومة موالية لروسيا لكن ليس مثل الحكومة التي كشفت عنها بريطانيا. وفي الوقت الذي كان فيه تقدير سي آي إيه دقيقا حول الخطط الروسية إلا أنها أخطأت في تقدير المقاومة الأوكرانية للغزو.

 وبالنسبة للمخابرات الروسية فقد فشلت بسبب المعلومات الصادرة عن مصادر غير موثوقة ومتناقضة واستخدمتها لتقديم أنصاف حقائق للكرملين. والمثير في الأمر هو سبب تجاهل المخابرات الروسية التحذيرات بأن الحرب لن تكون سهلة، فالاستطلاعات التي نظمتها أف أس بي كشفت عن عدم شعبية بوتين في أوكرانيا وأن ترحيب السكان بالروس كمحررين هو خيال. وفي استطلاع نظم في نيسان/إبريل 2021 كشف أن نسبة 84% من السكان ستنظر لأي توغل في بلادهم كاحتلال.