لماذا يتردّد “حزب الله” في حسم خياره الرئاسي؟

سركيس نعوم – النهار

معارضو وصول زعيم “تيّار المردة” #سليمان فرنجية ينحصرون عملياً في الأوساط السياسية المسيحية وأكثرها فاعلية “حزب القوات اللبنانية” وتحديداً رئيسه سمير جعجع. ويعرف اللبنانيون كلهم أن تاريخاً سياسياً من العداء طبع العلاقة بين رئيس الثاني وعائلة الأول منذ انفصال الرئيس سليمان فرنجية الجدّ عن الجبهة اللبنانية وانتهاجه خطاً سياسياً قريباً من سوريا بعد سلسلة من التحرّكات السياسية وغير السياسية للجبهة المذكورة جعلته يخشى أن يكون طموح أبرز أحزابها الكتائب الإمساك السياسي والعسكري بالمناطق المسيحية الواقعة خارج السيطرة الفلسطينية – المسلمة منذ بدء الحرب عام 1975. ويعرف اللبنانيون أن “الدموية” طبعت العداء المذكور أيضاً عام 1978 بعد “مجزرة إهدن” التي راح ضحيتها 30 أو 33 زغرتاوياً من بينهم والد المرشّح الحالي للرئاسة سليمان فرنجية ووالدته وشقيقته. لكنهم يعرفون أيضاً أن الحفيد، بعد تسلّمه مقاليد الزعامة، حرص على عدم متابعة مسيرة الدم التي أعقبت المجزرة. وأظهر مع الوقت ميله الى نوع من “التصالح والمسامحة” في آن واحد مع “القوات” التي خرجت من رحم حزب الكتائب وقادها وصار اليوم رئيس حزبها سمير جعجع. وأظهر الأخير الميل نفسه فتوقفت الصدامات والانتقامات بين الطرفين من جرّاء لقاءات عملانية أجراها مساعدو الاثنين. وتوّج البطريرك الماروني بشارة الراعي المصالحة بلقاء جمع الزعيمين المسيحيين المارونيين في الصرح البطريركي. لكن ولاية الرئيس ميشال سليمان من نهايتها دفعت أو بالأحرى أيقظت عند كل من الزعيمين الرغبة في الترشّح الى #رئاسة الجمهورية. فبدأ كل منهما تحرّكاته السياسية في الداخل والديبلوماسية مع الخارج. وفيما أعلن جعجع ترشّحه للرئاسة رسمياً ثمّ بدأ العمل لاجتذاب تأييد له، وعقد مجلس النواب في حينه جلسات عدّة لأن نصابها أمّنه في حينه لكون جعجع عضواً في تحالف 14 آذار، لكنه لم يوفّق، في الوقت عينه كان فرنجية يتحرّك بهدوء في الداخل ومع الخارج لاستكشاف حظوظه وتالياً للترشّح إذا توافرت وبقوة. وتوافرت إذ توافقت الولايات المتحدة وفرنسا والفاتيكان والمملكة العربية السعودية على تأييده وكاد يصل. إلّا أن عقبتين اثنتين واجهتاه، الأولى حليفة وتمثّلت في “نقزة” “#حزب الله” من “إجماع” أعدائه على إيصال فرنجية الى قصر بعبدا ومن عدم معرفته تفاصيل كلّ هذه العملية منذ بدايتها حتى ذلك الوقت، فاتخذ “الحزب” طبعاً موقفاً سلبياً منه وشاركته في ذلك سوريا بشار الأسد الحليفة الأولى له أي لفرنجية وعائلته. أمّا العقبة الثانية فكانت قرار جعجع منع إيصال فرنجية الى الرئاسة بإيصال عدوّه هو و”قواته” العماد ميشال عون حليف “حزب الله”، فأسّس معه ومع “تياره الوطني الحر” “تفاهم معراب”، ثمّ أقنع حليفه السنّي سعد الحريري بعون رئيساً واتفق الاثنان على إقناع السعودية وغيرها من دول الخارج بأنهما سيبعدان عون الرئيس عن “الحزب” ويقرّبانه من أعدائه في الداخل والخارج. والبقيّة معروفة.




هذا على الصعيد المسيحي. هذا عن الماضي ماذا عن الحاضر؟ لا يخفى استناداً الى متابعي السياسي اللبناني وغالبية الأحزاب الفاعلة في البلاد من قرب أن “الثنائية الشيعية” و”القوات اللبنانية” على تناقض كبير بل على عداء واسع تعكسه تصريحات قادة الحزبين ومواقفهما. ولا يخفى أيضاً أن أحد قطبي “الثنائية” رئيس “حركة أمل” والمجلس النيابي نبيه بري يبدو أقرب الى فرنجية وهو بعيد جداً من “القوات” تماماً مثل “الحزب”. ولا يخفى ثالثاً أن لدى “الحزب” تعاطفاً مع فرنجية وربما ميلاً إليه وأن لدى قاعدته الشعبية اشمئزازاً من طريقة تصرّف رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل ومواقفه ومن مواقف للرئيس عون إذ لم تحظ دائماً بموافقته. لكنه أي “الحزب” كان دائماً يطوّق هذه الإشكالات والخلافات ويحبطها بوسائل عدّة تلافياً لأذاها له. وفي الوقت نفسه كان يواجه وضعاً مسيحياً صعباً. فـ”القوات” ضدّه وضدّ “ثنائيته” مع “أمل” وضدّ حليفه الإقليمي الاستراتيجي أي إيران، وهو يعمل باستمرار لإحياء مجموعة 14 آذار بعودة السنّة والدروز إليها. فضلاً عن أنه صار نقطة ارتكاز للدول العربية المناهضة لـ”الحزب” وفي مقدّمها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، كما للولايات المتحدة والغرب عموماً. هذا عدا معاداته المطلقة والثابتة لإيران. وفي وضع صعب كهذا ربما يخشى “الحزب” أن يندفع عون و”تيّاره” وباسيله في حال عدم وصول الأخير الى الرئاسة أو انقطاع أمله فيها، وفي ظل وضع إقليمي – دولي يخشى أن ينقلب عليه باتفاق مع أخصامه المسيحيين وفي مقدمهم جعجع و”قوّاته”. طبعاً لا يخشى الحزب الخسارة السياسية. فهو الأقوى عسكرياً في الداخل وقادر على استثارة العصبية الإسلامية ضد عون وباسيل وبدء الانزعاج القوي السنّي المحلي من جعجع. بذلك يسود الفراغ سواء بفعل عدم تمتّع أحد بنصاب نيابي ثابت أو بتفاقم الانهيار الداخلي المتنوّع أو بالعودة الى زعزعة الأمن على نطاق واسع، والمبرّرات موجودة دائماً أو أخيراً بحرب إقليمية رغم حرص أطرافها كلهم على تلافيها حتى الآن إذا استطاعوا.

من يختار “حزب الله” في النهاية، فرنجية أم باسيل؟ وهل يقوم كل منهما بما يجب أن يقوم به كي يدفع “الحزب” الى اختياره بدلاً من الآخر؟ علماً بأن الوقت لا يزال متاحاً أمامه وليس مضطراً الى الاختيار الآن. فالولاية الرئاسية قاربت الانتهاء لكنها لم تنتهِ بعد فضلاً عن أن الفراغ الرئاسي اعتاده اللبنانيون لكن المهم أن لا يتسبّب به العنف والدم. فهل تتحمّل الأطراف كلها مسؤولية الدم إذا سال؟