خطة ابتلاع 70% من الودائع – مروان اسكندر – النهار

قرأنا في الآونة الاخيرة ان صندوق النقد الدولي يقترح اعادة ترتيب القطاع المصرفي باصدار تشريعات تحدد صلاحيات مصرف لبنان في اصدار النقد وتحصر الجهاز المصرفي بـ 14 مصرفًا لا نعرف نحن ولا هم مَن هي هذه المصارف باستثناء اكبر خمسة مصارف تحوز – سابقًا – نسبة 70% من الودائع التي كانت تبلغ في نهاية 2020 نحو 140 مليار دولار، نسبة الدولرة من المجموع لا تقل عن 75% وحسابات غير اللبنانيين بمن فيهم السوريون لا تتجاوز نسبة 10% منها 7% للسوريين.

اقتراحات اليوم هي استصدار قوانين تسهل عملية دمج بعض المصارف والمساهمة في اغلاق اعمال المصارف المتبقية، وبما ان هنالك 61 مصرفًا في لبنان عام 2021 فالخطط المقترحة تشمل الغاء رخص 45 مصرفًا.




اننا نعتبر هذا التفكير خاطئًا، ونرى ان التقيد بل التمسك بتعليمات صندوق النقد الدولي امر يناقض طبيعة الاقتصاد اللبناني، ولنكن صريحين جدا، لبنان بعد عهد ميشال عون لن يستعيد عافيته الا اذا توافرت عناصر قيادية متميزة علميًا واخلاقيًا لادارة الشأن العام، ومن دون حرية اقتصادية لن يكون للبنان مستقبل. ولعل النظر الى اوضاع سوريا مفيد. فالبلد الذي كان يسمى “قلب العروبة” حكمُه مستمر من اقلية متحكمة بدعم عسكري من ايران – يخالطه توسع في الملكيات في ضواحي دمشق – وروسيا التي لديها مرفأ بحري ومطار خاص، الى “حزب الله” الذي تتوزع فرقه حيث هنالك ضغط على رجالات الدولة، ولم يبق من سوريا لاستعادة الحياة الناشطة ربع البلد. فهنالك 5 ملايين سوري وسورية حازوا الجنسية التركية وغالبيتهم يمارسون الاعمال والدراسة على مقربة من اماكن وجودهم. والسوريون في الاردن ولبنان ومصر ودبي يناهز عددهم الـ 6 ملايين، وبالتالي فان سكان سوريا اليوم هم حوالى 12 مليون نسمة.

ان حكم الرئيس عون مقيد دستوريًا ان لا يستمر بعد تشرين من هذا العام، وبعد ذلك تصبح صلاحيات الرئاسة في ايدي مجلس الوزراء مجتمعًا، وقبل نهاية هذا العام، لا يمكن توقع اعادة ترتيب اوضاع المصارف، او تشجيع المستثمرين، سواء اللبنانيين او غيرهم، على الاستثمار في لبنان.

ان التوجه الحكومي الحالي بالنسبة لاستعادة الثقة بلبنان كبلد حضاري ملتزم بالقوانين يقترح بالنسبة للمصارف خفض العدد من 61 الى 14، ومن ثم تسديد 100 الف دولار للحسابات التي تضم هذا المبلغ او يزيد منذ سنوات من دون تحديد زمن التسديد وكيف يكون.

ان من يقترحون هذا العلاج بعيدون عن جوهر المشكلة القائمة والتي دفع ثمنها عدد كبير من اللبنانيين عبر سحوباتهم بالدولار التي كانت تسدد على مستويات اسعار بالليرة محددة من مصرف لبنان، والعملية كانت تجري على حساب المودعين وتؤدي الى ارباح فاحشة لاصحاب البنوك.

صاحب حساب يسمح له البنك بسحب ما يعادل الف دولار من حسابه يوفرون له المبلغ على مدى شهر ويعمدون الى شطب حقه في وديعة الالف دولار ويذهبون الى السوق السوداء لجني الربح سواء بحيازة 25 مليون ل.ل بدل كلفة الـ 8 ملايين او في ايام تجاوز سعر صرف الدولار الـ 30 الف ل.ل يحققون ربحًا يبلغ 22 مليون ل.ل مقابل المبلغ المسدد وتكون نسبة الربح حينئذٍ اقل بقليل من ثلاثة اضعاف.

اللبنانيون سحبوا من حساباتهم ما بين 2019 و2021 حوالى 70 مليار دولار ومعظمهم من اصحاب الحسابات البسيطة او المتوسطة، وهذه الحسابات واجهت خسائر بنسبة 70% على الاقل ذهبت لحسابات اصحاب البنوك، وبالتالي اي حل لموضوع البنوك يستوجب استرجاع هذه الاموال لمصلحة المودعين في مختلف المصارف.

وبحسب احصاءات آخر حزيران 2022 فان مجموع الودائع كان قد بلغ 53.4 مليار دولار منها 80% بالدولار و20% بالليرة اللبنانية. وبنهاية هذه السنة 2022 من المقدر ان تكون حسابات المودعين قد انخفضت الى مستوى 40 مليار دولار على الاكثر، وعملية التحقق من ارباح المصارف من عملية تقطير دفع حسابات الودائع امر يستوجب دراسات محاسبية طويلة ومعمقة واستثنائية ولا يمكن ان تتم قبل نهاية السنة، وبالتالي علينا اذا شئنا المحافظة على قدر من مستوى المعيشة السليم وعدم التعرض للنهب، ان نحاسب من استلبوا ما يعادل نسبة 70% من ودائع الدولار والعملات الاجنبية.

لقد حققنا نجاحات كبيرة في استقطاب المعونات، وكان اول انجاز ان مصرف لبنان تمكن من الاستفادة من مبلغ 1.3 مليار دولار توافر من صندوق السحوبات الخاصة لدى صندوق النقد الدولي، وكعادته لم يتبجح حاكم مصرف لبنان بهذا النجاح، علمًا بانه الاكبر، وربما يمهد لاستقطاب مبلغ مماثل لعام 2023 فنكون حققنا زيادة في موارد النقد الاجنبي توازي 2.6 ملياري دولار، وكل ما نلهث وراءه من دون تروٍّ الحصول على تسهيلات مثقلة بالشروط مقدارها 3 مليارات دولار على مدى اربع سنوات اي ما يساوي 750 مليون دولار سنويًا.

المساعدات الاميركية ارتفعت من 100 مليون دولار للجيش الى 300 مليون هذه السنة، واضيف اليها 150 مليون دولار للجامعة الاميركية و50 مليونا لمؤسسات صحية وتعليمية.

المساعدات الفرنسية وازت 250 مليون يورو للمدارس التي اختارت المناهج الفرنسية وحتى بعض المدارس المختلطة. ويضاف اليها 150 مليون دولار مساعدات غذائية وطبية من فرنسا والسعودية، ومساعدات غذائية وصحية لفترة 6 اشهر من الامارات، واضيف اليها 60 مليون دولار من قطر مساهمة في معاشات الجيش.

ميزة هذه المساعدات ان انفاق قوة “اليونيفيل” مثلا على الخدمات في الجنوب توفر للبنان مبالغ اكبر بكثير من قرض صندوق النقد الدولي وشروطه المعقدة.

قبل اختيار المصارف الـ14 واقفال البقية يجب التحقق من ارقام الميزانيات بدقة حتى نهاية 2022، وهذا الامر لا يتحقق قبل 4 -5 اشهر. فالبنوك الـ 5 الكبرى لديها ما يوازي 70% من مجمل الودائع، وعدد من رؤساء مجالس إدارات البنوك الـ 5 الكبرى ارتكبوا تسهيلات غير مألوفة. ومن البنوك التي لا يجري البحث حولها هناك 5 او 6 بنوك تتمتع بالسيولة الكافية لتغطية حسابات الزبائن، والحل يكون بتشغيل هذه البنوك والتوسع تدريجا.

اذا كانت هنالك ارادة بتعويض المودعين الى حد ما يجب انشاء الصندوق الوطني للاستثمار وتخصيصه بـ 40% من اسهم الريجي التي تعمل بنشاط وتحقق ربحية، وغالبية اسهم شركة انترا للاستثمار، واتفاق لتطوير وتشغيل مرفأ طرابلس من قِبل الصينيين… ويضاف الى كل ذلك ما بيّنته الدراسات حول منافع تحويل الدولار بسعر رسمي للمودعين واستعمال المتوافر من الدولارات لتحقيق ارباح ضخمة، واذا لم يحدث ذلك لن تكون هنالك فرصة لتصحيح الاوضاع.