«كوستا برافا» في لبنان بعد تجوال لسنة و14 جائزة

كبُرت أزمة النفايات وتضخّمت، وباتت من معالمنا التاريخية، كما هياكل بعلبك، وخطفت إلى القعر سيرة أرز لبنان العظيم. وهكذا وبات لمكب «كوستا برافا» العصري المواصفات والملتحم مع مياه البحر الأبيض المتوسط فيلم يحمل اسمه، ويجول في العالم معلناً للقاصي والداني، أننا نعيش عصر النفايات الذهبي.
وصل فيلم «كوستا برافا» إلى بيروت، بعد حصده لحوالى 14 جائزة خلال عام من التجوال العالمي والعربي، وآخرها عرضه في افتتاح الدورة الخامسة لأيام القاهرة السينمائية.
وفي بيروت تميز عرض الافتتاح مطلع هذا الشهر بجمع غفير، استدعى فتح 4 صالات في «غراند سينما « ABC الأشرفية.
لأسباب لوجستية كانت المسافة طويلة بين عرض الافتتاح وإطلاق الفيلم في الصالات المحلية في الأول من أيلول/ سبتمبر المقبل.
خلال الافتتاح وفي الصالات الأربع نفّذ ابطال الفيلم بروتوكول الترحيب والكلمات المختصرة والضروري الذي يجب إعلامه للحضور. حضرت ندين لبكي، والطفلتان التوأم سيانا وجيانا رستم. والمخرجة مونيا عقل، التي بدأت كتابة السيناريو سنة 2016 لتحاكي من خلاله سنة 2030، وإذ بالأزمة تتضخّم أكثر من المتوقع في سنة 2021 مع بدء عروض الفيلم خارج لبنان.
وهكذا تحولت المحاكاة إلى ملهاة فساد أكبر من الجميع، وأكبر من أن يحصرها عقل بتوقع مستقبلي قريب أو بعيد الأجل. وفي هذا قالت المخرجة مونيا عقل «مع بدء تصوير الفيلم صار الوضع أسوأ والوجع أكبر من التصور».
تُلازم النفايات اللبنانيين كما ظلالهم. تتحكم بهم بقوة مستمدة من السياسيين والنافذين الفاسدين. يوزعون المكبات دون خجل ملتزمين بالقاعدة الطائفية السحرية التي تحكم لبنان. أما العائلة التي كان فيلم «كوستا برافا» بصددها فقد تركت بيروت إلى منطقة جبلية هرباً من التلوث. وهناك بنت لنفسها بيتاً وسط الأشجار الخضراء وزقزقة العصافير، لتعيش بسلام وأمان. هدوء يسيطر على زوج «صالح بكري»، وزوجته «ندين لبكي» متناغمان برقة مع ابنتيهما ووالدة الزوج، إلى أن داهمهما مكب نفايات ولد بغفلة على حدود أرضهما. مكب مدعوم من متنفذ لبناني وممول بهبة فرنسية. عندما اعترض رب العائلة «وليد» على المشروع، تمّ اسكاته بجملة غير مفيدة: «المكب سيعتمد المعايير العالمية، و80 بالمئة من النفايات سيعاد تدويرها»، لم يكن أحد يدرك حجم الشر الكامن لدى الفاسدين.
في سيناريو فيلم «كوستا برافا»، الذي تعاونت المخرجة مونيا عقل على كتابته مع كلارا روكيه، برزت علاقتنا بالبيئة كأولوية، ومن ثمّ راحت تُنسج الدوائر المحيطة بالهدف وتتوسع، وأحياناً لحدود مبالغ فيها. إنها العائلة التي هجرت بيروت وأملت بهدوء الجبال. إنهم الناس بما لهم من مشاعر ومتطلبات عاطفية وإنسانية. إنهم البشر يضحكون ويمزحون ويطلقون النكات، ويحزنون ويكتئبون. جميعهم بلغوا عيوننا والآذان بصورة جيدة وجميلة.
لكن حفلة الفساد الجديدة المتمثّلة بالمكب «العصري» تكشفت سريعاً، انتهى الحفل الرسمي بقص الشريط، ذاب التمويل الفرنسي أو تسلل إلى الجيوب. وصارت أكياس النفايات الزرقاء كابوساً يسكن عيون «وليد» وعائلته، وتسلل الروائح إلى الأنوف، والتلوث إلى المياه، فانقلبت الحياة الهانئة رأساً على عقب. انفجرت الزوجة بعد طول صبر. رحلت ندين لبكي «ثريا» معترضة على سلوك زوجها مع الأسرة «زاربنا متل الجرادين».. بكى «وليد»، وجاء في الجهة المقابلة من يفكك ورشة النفايات وآلياتها.
إنها الأزمة الكبرى تمثلها الزوجة، تتجمع في داخلها وتتكدس إلى أن تأتي اللحظة، فأنشقت فوهة البركان، لكن دون أن يمثل الزوج في هذا السيناريو أياً من مستويات السلطة الفاسدة. بل هو ضحية كما غالبية الناس. وكأن للمكب «العصري» دور واضح ومعروف هو بث بذور تفكيك حياة أسرية، بدت لنا متماسكة ومتحابة.
«كوستا برافا» فيلم ذو رسالة بيئية، وإن كانت حيثياته وتداعياته لبنانية، لكنه جزء من صراع يتواصل على صعيد العالم، حيث الأفعال السيئة تلحق بالأرض وما عليها وحولها. ولا شك بأن لبطليه ندين لبكي وصالح بكري دور الرافعة الكبرى لتميزهما أداءً وانسجاماً في العطاء أمام الكاميرا. كذلك تميز كافة ممثليه من بينهم يمنى مروان.
يُذكر أن مونيا عقل درست الإخراج في جامعة كولومبيا، و»كوستا برافا» هو فيلمها الروائي الطويل الأول. ولها فيلمان قصيران هما «الغوّاصة» و»زيارة الرئيس».