فريد مكاري: الرحيل الأخير!

فارس خشان – النهار

كأنّ الأوجاع الجسدية التي ألهتني في الساعات القليلة الماضية عن “الحياة”، كانت تمهيدًا للألم الأكبر الذي اجتاحني، عندما وردني خبر رحيل فريد مكاري، في السابعة والنصف من صباح اليوم.




لم يكن الرجل سياسيًا، بالمفهوم المتعارف عليه لبنانيًا، بل كان إنسانًا ومواطنًا وصديقًا، بكل ما تحمله هذه الكلمات من معان نبيلة.

حاول كثيرًا أن يزاوج بين هذه المفاهيم، لعلّها توقف انهيار الدولة على رؤوس مواطنيها، ولكنّه حين اكتشف استحالة ذلك اختار الانسحاب، بصمت: ترك كلّ المناصب وراءه ومشى.

وفي مرحلة “ثورة” ١٧ تشرين الاول، كان يُردّد أمام معارفه، بنغمته “الأنفوية” المحبّبة: لولا العيب والحياء، لقلت إنني تركتُ العمل السياسي لأنّني تنبّأت مسبقًا بما سوف يحصل.

“العيب والحياء”، بالنسبة لفريد مكاري هو “التشاوف”، و”التكبّر” و”الرياء” و”الكذب”.

على الرغم من تجربته الحياتية التي بدأها في سنّ باكرة وقادته الى أصقاع الدنيا وجمعته بكبار هذه الأرض وأثريائها، وعلى الرغم من نجاحاته في عالم الهندسة والأعمال والسياسة، عرف فريد مكاري أن يحافظ على “بساطته”و “بديهيته”.

لم يكن يطيل الإقامة في أيّ من المناصب التي وصل اليها، فبمجرّد أن يحقّق الهدف الذي من أجله شغل هذا المنصب أو ذاك، يبدأ في هندسة الرحيل.

واكبتُه في هندسة خروجه من العمل السياسي، فكان أمينًا على النّهج الذي كان قد خطّه للخروج من منصبه الرفيع، في زمن مواكبة تعملق صديقه الكبير رفيق الحريري من شركة “اوجيه السعودية”.

قرار الخروج من السياسة لم يكن لا عن يأس ولا عن إحباط ولا عن فشل، فهذا الارثوذكسي “ضرب رأسه في السقف”، وفق معطيات الصيغة الطائفية في لبنان، ولكن لم يعد يجد أيّ نفع من استمراره في العمل السياسي، فهو شاهد، عن كثب، كيف أطبقت المصالح الذاتية على المصالح العليا، وكيف أصبحت “البيوتات السياسية” تعيش على حساب “بيوت اللبنانيين”، وكيف بدأ الولاء للمحاور يهزّ أسس بقاء الوطن.

ولكنّ نائب رئيس مجلس النوّاب في حينه، شاء أن تكون “هندسة” هذا الخروج من السياسة خالية من كل الأدبيات “الدراماتيكية” و”التراجيدية”، وتقصّد أن يُديرها بـ”هضمنته” المعهودة، و”بساطته” المشهودة، وإرادته الصلبة، وتصميمه الذي لا يلين.

وعندما حلّ “الخبيث” في رئتيه، قبل ستة أشهر، جعلني، خلال تواصلنا، أشعر أنّه يهندس “خروجه الكبير”، ولكنّه لم يجرؤ على البوح بذلك، حتى لنفسه، فهذه المرّة هو لن يتخلّى عن عمل مربح ولا عن منصب مرموق، بل سوف يترك أشخاصًا أحبّهم أكثر من ذاته يتقدّمهم وحيده نبيل ورفيقة عمره مهى.

كانت العبارات التي يتلفّظ بها تؤشّر الى عزمه الثابت على إبقاء معنويات من يحيطون به عالية، فهو لا يريد أن تكون الحقبة الأخيرة من حياته مختلفة عن الحقبات الأخرى، فكما سبق أن زرعها كلّها ابتسامات وتفاؤلًا وعزمًا، يريد لها أن تنتهي.

فريد مكاري لم يحبّ يومًا المآسي، وحين كان القدر يصيبه بواحدة منها كان يقاومها بالابتسامة.
برحيل “أبو نبيل” خسر كثيرون صديًقا صدوقًا، ورجلًا طيّبًا، وانسانًا شريفًا ولبنانيًا مميّزًا.
شخصيًا، خسرت حياتي واحدة من أطيب نكهاتها التي تشهد عليها بيروت وأنفة وباريس وموسكو وغيرها.

الوداع “يا دولة الرئيس” وأحرّ العزاء للحبيبين نبيل ومهى ولسائر الأهل والاصدقاء والمحبّين ول…نفسي!