سمير عطا الله

ريكيافيك – سمير عطالله – النهار

“حيثما أكون، أحلم أنني في بوينس آيرس”
بورخيس

ترافقنا #بيروت الى كل الأمكنة، في احلامنا وكوابيسنا. وفي احلام اليقظة وكوابيسها. ذهلتُ مرة اثناء زيارة الى ريكيافيك، من أوجه الشبه مع بيروت، ولا ازال. ليس المتوسط. ليس الميناء الذي نزل فيه لا مارتين، ورينان، وجيرار دو نرفال. ليس سطح البحر الملتصق بسفح الجبل. لا شيء من جمالات الدنيا اوغنائياتها في ريكيافيك. عاصمة قائمة فوق بركان، أو سلسلة براكين، ولا احد يعرف متى تثور. ولماذا. ولذلك، اهلها خائفون دائماً. من هبوب مفاجىء. من فوران هائج. حيّرت البراكين العلماء: حمم ورماد. لا شيء بينهما. لا خصب، لا ماء، لا هواء. بارقة سريعة وعتم مقيم.




كانوا يشبّهون بيروت بباريس. بقعة ساحرة في شرق مسحور. تبدو اليوم وكأنها عاصمة الحِداد في العالم. نساء في ثياب سوداء. والبركان الأسود في الميناء لا يزال يقدم عرضاً متواصلاً من الانهيارات والعجز ومن الذين لا دخل لهم من جند بيلاطس.

الصوت الذي سمعته عصر الرابع من آب كان مثل صوت الرؤيا. كانت ساعة عادية في المدينة. وكنت استعد لمغادرة “النهار”، ثم ذلك الصوت. شيء من هيروشيما، شيء من مدافع محمد الفاتح التي هدّت القسطنطينية. وبعد الصوت القيامي، دخان بلون القيامة. نعوت وأوصاف دانتي للجحيم. جهنم باللغة “ال#لبنانيّي”.

عندما تكون في قلب الرؤيا، لا يمكن ان تعرف مداها، وإذ تنهمك في نفض نثرات الزجاج عنك، لا يمكنك ان تدرك ان في جوارك تتناثر المدينة، وان البركان، مثل النعاة في القرى، يصيح معلناً: هذه المرة رماد لبنان.

كان علينا ان ننتظر حتى #4 آب الماضي حتى ندرك بالعين المجردة، ماذا يعني العيش في جوار البراكين المخبأة. عندما كنت في ريكيافيك اصغي الى محدثي عن وصف المدينة، ظننت انه يتكلم عن ادبيات القرون الوسطى. لقد انتهى عصر البراكين. لا، لم ينتهِ.

في تلك الزيارة العابرة الى ريكيافيك تعلمت شيئاً آخر. قال محدثي شارحاً ان جائحة تضرب البلاد. ولما لاحظ أنني امتقعت خوفاً، سارع الى التوضيح: إنها اسوأ من الطاعون. إنها التضخم الذي يذلّنا جميعاً. لقد بلغت نسبة التضخم اكثر من 60%.

وهذه نسبة ترهق عائلاتنا،عليك ان تحمل كيساً من الورق لتشتري زجاجة كولا. أو طناً من “العملة المعدنية”. سألت ماذا ستفعلون؟ قال، ما نفعله دائماً. “نغيّر الحكومة كدولة ديموقراطية”. واضاف ضاحكاً على غير عادات الجليديين: “في بلدانكم تغيّرون الشعوب”.

لا استطيع إلاّ ان اقارن مع بيروت. هذه مدينة علّمتنا على الفرح، ثم اتّشحت بالسواد. عوّدتنا على الحياة في الغناء، وغرقت في البكاء. كل ذكرى لها منديلها. كل أخ وابن وخطيب له صورته في التظاهرات المتنوعة. كل فئة من المفقودين لها صورتها، إلا الفقيد الكبير، لبنان، لا يَرِد في النعي سوى اسمه. وفرقة النوبة، طمّنونا عن حساباتكم في الوطن والمهجر.

روى لي محدثي في ريكيافيك، وكان الوقت انتخابات، ان صحافياً بريطانياً بارزاً كتب الى رئيسة الجمهورية يطلب مساعدتها في تدبير جولة في البلاد، فاجابت، لا تُضع وقتك. الدنيا انتخابات ولن تجد مرافقاً. سوف أتولى أنا مرافقتك، لكنني احذرك بأنني غير موضوعية، وأؤيد نفسي. المقارنة مع بيروت كعاصمة براكين، تنتهي هنا. بين الرئيسة التي تقود بك السيارة، وبين مواكب المرشحين التي تضم من السيارات اكثر من مصانع ديترويت، والويل لمن لم يُفطموا عن حب بيروت الى اليوم.

امضيت الاسابيع الماضية افعل ما افعله كل صيف. أعيد قراءة الكتب التي احببتها منذ البدايات. اقارن في تغيرات العمر والمشاعر. امتحن مدى نضجي وقصوري. وكيف كان بعض الانبهار ولّادياً. واتأمل العمر في مراياه وشقائه وانشاءاته وندمه وكآباته. ودائماً افيق في بوينس آيرس وأنا اقرأ بورخيس، أو في كريت، لاهثاً خلف كازانتزاكيس يبدِّد الحياة في الرقص و”بوبولينا”، أو بائساً شقياً أحضر مع غوركي العظيم جنازة أمه في غرفة واحدة. ولقد منحه ستالين في ما بعد قصراً يعيش فيه، لكن الغرفة الصغيرة ظلت في حجم الكرملين.

لا شيء اعظم من الكتب. يقال إن الحضارة البشرية بدأت عندما رمى الانسان كتاباً، بدل ان يرمي حجراً. ومن بعدها اصبح من الممكن إما ان تعيش حياة في الكتب مع تولستوي ودوستويفسكي وتورجنيف وتشيكوف، وإما ان تعيشها في مواكب طويلة، آخر سيارة فيها تحمل شهادات دفن الوطن.

مؤلمة حياة المقارنة. براكين ريكيافيك، وبراكين بيروت. مؤلم ان ترى صورة لأحد أحياء طرابلس القديمة وصورة لبيروت المعتمة، وصورة لساحة البرج المقفرة، وصورة للبائس غير الحليق، غير المغتسل، الذي ينقّب عما يؤكل في فُتات الزبالة، فيما اربعة آلاف ملياردير آخر يتشهّون الجنسية اللبنانية من أي جنس كان. “لأسباب إنسانية” كما اوضح بيان القصر الجمهوري.

نحن بلد الدستور، والقسَم على الدستور، كيف للست ان تشكك في ذلك؟ بدت الصوامع تنهار مثل لوحة”غيرنيكا” وبألوانها السوداء والرمادية الداكنة وريشة بيكاسو. قيل إنها اعظم لائحة ضد الحرب. لكن ذلك كان قبل ان يرسم الميناء بالامونياك لوحة بيروت. ليس بفجيعة الموت والدمار، بل بفجيعة الاحتقار لمواكب الموت ومتاهات القانون وازدراء القضاة بالتعامل مع تشكيلاتهم مثل التعامل مع تعيينات مأموري الاحراج.

كنا دائماً اقرب الى تلك الآداب التي عدّدتها اعلاه. كنا نشتري هذه الكتب على ارصفة ساحة البرج والمعرض، وكنا نستقبل ناظم حكمت وشولوخوف على الميناء على رغم منع الأمن العام. هذه المرة استقبلنا في الصوامع النيترات. قصة مثل المتاهات والكهوف وحكايات “السّد ما ترد”. صورة للعاصمة معلقة على مينائها. وإذا ما اردت التمعن اكثر في التفاصيل تأمّل مشهد الافران: نائب سابق ومسدس ونائبة حالية تطلب مسدساً لحماية نفسها. مختصر صورة البلد. صورة معلقة على جميع جدران الخوف والبؤس بكل اللغات.